توظيف العري في الدعايات التجارية: نجوم عديمو المواهب الا موهبة الجسد

حجم الخط
0

ابراهيم الجابريتعتبر الإعلانات التجارية عالما مغريا بامتياز، بما تزخر به من مميزات وخصائص تأسر القلوب وتستثير العقول من خلال طبيعة اللوحات الاشهارية الحبلى بالرموز والصور التي تخاطب الجانب الطيني في الإنسان/اللذة، والألوان التي تعد بالعيش في عالم الجمال والخيال، فرغم كون الإشهار يحقق خدمة للمستهلكين من خلال إعلامهم بالمنتوج الجديد وثمنه وأهميته، إلا أنه في الآونة الأخيرة أضحى يوظف بكثرة أو بشكل مبالغ فيه الصورة، وليست أي صورة قد تخطر ببالنا، بل تلك الصورة القادرة على امتلاك المستهلك وتغييب وعيه بالكامل، ونمذجة ذوقه وفق ما يخطط أصحاب الاعلانات التجارية وما يبتغونه. ومن خلال تجارب المشهرين المتكررة، اكتشفوا أن المستهلك المغربي عصي عن الفهم ويصعب إقناعه ودفعه الى الشراء بطريقة بسيطة وساذجة، وعليه، عمدوا إلى استثمار سطوة الصورة الحميمية، أي جعل تضاريس جسد المرأة، وسيلة مركزية من خلال تجريدها من ثقافتها وعقلها ومكانتها في المجتمع الإسلامي، وتحويلها موضوعا للإثارة كي تجلب أعدادا غير محدودة من المستهلكين المفترضين، والسبب الرئيس في هذا الاختيار المقيت هو إدراكهم لحساسية موضوع الجسد وما يرمز إليه من دلالات كبيرة في مخيال الإنسان المغربي المقهور نفسيا( فقدان القدرة على الزواج) وبالتالي يدعون بطريقة ماكرة هذا المستهلك إلى الدخول في علاقة تفاعلية احتكاكية حسية مع الجسد العاري عبر المثيرات البصرية، أو بتعبير آخر، يستدرجون هذا المستهلك إلى تجريب ‘ليلة الدخلة’ لتحقيق ‘الرعشة الكبرى’ من خلال التأمل والتمعن الدقيق والطويل لكل أطراف الجسد الأنثوية التي تفوح برائحة غرف النوم والخلوة مع الأشياء الحميمة.للأسف الشديد، إن الإعلانات التجارية أفلحت في ضمان بيع المنتوجات المعلنة، إلا أنها، قامت بتلويث الأفكار والقيم والذوق وكرست منظومة أخلاقية إباحية بين الجميع، وهذا ما يلزم الوقوف كثيرا لتحليل ثنائية الصورة/الجسد واللذة في الإعلانات التجارية قصد إنقاذ المستهلك من الغرق في وحل الصور الجنسية وتبيان أثرها على الوجدان والنفس والعقل.إذن، إن الصورة في الاعلانات التجارية تتغيى بكل حمولاتها القيمية والمعرفية دعوة المستهلك للتفريج عن رغباته الجنسية المقموعة والممنوعة في المجتمع. لذلك، يجتهد المشهرون في تقديم أحسن جسد بمقوماته الأنثوية المثيرة، كي ينالوا ثقة المستهلك وفي الوقت نفسه تقديم خدمة مجانية للترويح عنه، ومساعدته على كيفية اختيار ‘زوجة المستقبل’ القادرة على تلبية متمنياته؛ وهنا تكمن خطورة الصورة الاشهارية تحديدا، ثم إن الإعلانات التجارية ترقص على جراح الفقراء من العزاب ممن لا يملكون الباءة قصد النفخ في عزيمتهم. انطلاقا من كل هذه المعاني التي تحبل بها الصورة في الاعلانات التجارية، فمصير المنتوج المروج له أصبح لصيقا بالجسد وبالتالي، لا تنوجد أي وسيلة أخرى أمام المشهرين لترويج ونشر سلعهم الكثيرة. وبناءا على هذه المعطيات، فليس غريبا، أن نجد أن أغلب المنابر الاعلامية توظف الجسد العاري في سياقات لا اتساق فيها بين الملفوظ والصورة المرافقة له، لأن المشهرين يطبقون المقولة الشهيرة ‘الغاية تبرر الوسيلة’ بحذافيرها بما أن غاياتهم هي الربح السريع ولو على حساب قيم وثقافة ودين مستهلكيهم، في غياب مساطر قانونية وأخلاقية تفرض عليهم احترام خصوصيات الأفراد والجماعات، وهذا يبين القهر الممارس على المستهلك.لاشك إذن، أن تأثر المستهلك بالصور العارية في الإشهار له أسباب متعددة، أولا: في عصر المادة والمجتمع الاستهلاكي صار المستهلك مُدمنا على استهلاك الصورة ومهووسا بها حد الجنون، وبالتالي سقط ضحية لاحول ولاقوة لها إلا الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع، ثانيا، إن إهمال المستهلك لقيمة الكلمة وعزوفه اللامبرر عن القراءة الجادة جعل وعيه ومستواه المعرفي جد هش ولذا سهل امتلاكه في عقله، واحتلاله في جيبه، ثالثا، إن ابتعاد المستهلك عن مقتضيات دينه الحنيف، وهجران تقاليده، جعله يصير فريسة سائغة، في وجه الصورة المتسلطة؛ لكونه غير مؤهل دينيا لممارسة الفكر النقدي قصد معرفة إيجابيات المنتوج المسوق له، ومخاطره على سلوكه، وفكره وهو ما أثر على فقه الأولويات في حياته.إن دعاة العري(Nudists) في الإرساليات الاشهارية ينطلقون في اختياراتهم من قاعدة فلسفية وفكرية تعتبر أن العري هو الحالة الطبيعية التي لا بد من قبولها دائما في حضور الآخرين، ثم إنهم يرون أن الجسد البشري العاري لابد من قبوله واحترامه وتبجيله والاستمتاع به، فالعري بحسب هؤلاء- حالة صحية طبيعية تعبر عن أنقى صورة بشرية، لأن كل الناس ولدوا عراة. لهذا، فالعري لم يعد شأنا إنسانيا خاصا، بل أصبح شأنا إعلاميا يرتبط بالنجومية كما قال بذلك جان بودريار.اذن، إن توظيف العري في الإرساليات الاشهارية، وتقديم الجسد العاري والفاتن للمرأة في أحسن حلة، رهانه المركزي هو تحقيق قيمة إثارية(Erotic)، وعليه، فأنصار العري الفاحش يضربون بالقيم الاسلامية الأصيلة والنبيلة عرض الحائط، متناسين أن العري يعتبر خطيئة كبيرة ويعاقب عليه الاسلام بأشد العقوبات الرادعة حتى لايصير سلوكا مجتمعيا يأتي على مستقبل قيم الحياء والحشمة الضامنة للاستقرار النفسي للانسان المسلم، والثغرة التي لازال يستغلها دعاة العري هي غياب قوانين زجرية صارمة تضرب بيد من حديد على كل من تسول نفسه الدوس على الأعراف والتقاليد الناظمة لسلوك الجماعة المسلمة.بكلمة، إن الإرساليات الاشهارية تسخر كل الآليات المتوفرة من أجل تسريب ثقافة الإثارة في العقول والقلوب، وتحض بقوة المستهلكين على استخدام ‘التفسير الغريزي للحياة’ كي يتشرب هذه الرِؤية النشاز في نظرته الى العالم والكون. وللوصول الى هذه الأهداف الخبيثة، يتوسلون بالصورة التي تحكم الأحلام، وفي الأخير، تترجم وتتحول هذه الأحلام الى أفعال وتصرفات، ومقابل حيازة هذه الأحلام المثالية، تفرض الإرساليات الاشهارية على المستهلك الأداء المادي الصرف، عبر مقولة ‘ادفع كي تستطيع لمس الجسد العاري والفاتن’ Pay to touch وبناء على هذه المعطيات، فالجمال الجسدي أضحى ثقافة راسخة في المجتمع لأن ذوق هذا الأخير متحكم فيه ومنضبط لتوجيهات الإشهار، لأن العري،اليوم، في وسائل الإعلام التي تتحكم بها أو تلهمها الرأسمالية الجديدة هو نتاج ثقافة إعلامية تعتمد على النجوم العاطلين من الموهبة إلا موهبة العري، وهو نتاج ثقافة تحفل بما هو شعبي جماهيري ومثير ومتعلق بالجسد، على حد تعبير المنظر الفرنسي جان بودريار، ونتيجة لتأثيرات الجسد هذا، صار المستهلك جثة هامدة لا تحرك ساكنا أمام قوة الصورة والجسد العاري، بل أصبح لُعابه يسيل على صدره وهو يقصد المكتبة ليقتني المجلة أو الجريدة التي على صدرها ‘مفاتن المرأة العارية’. ‘ كاتب وفاعل جمعوي من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية