توقعات الحوار الوطني اليمني الشامل

حجم الخط
0

في 18 اذار/مارس 2013 تم التئام الحوار الوطني اليمني بقوام 565 عضوا يمثلون مختلف شرائح المجتمع اليمني شمالاً وجنوباً، ولكن بعض مكونات الحراك الجنوبي السلمي قاطعت الحوار، بل ترفضه وتطالب بحوار آخر وهو حوار ندي بين الشمال والجنوب وبرعاية دولية، كونــــها تعتبر ان وحــدة اليمن لم تعد قائمة إلا في عقول الذين غدروا في الوحدة واغتالوها في 7 تموز/يوليو 1994، بعد حرب ظالمة دامت اكثر من سبعين يوماً وتحول الانتصار الى انتقام من كل شيء في الجنوب بما فيه الانسان والأرض والثروة .
لا خلاف على الحوار كمبدأ وأنا أؤمن بهذا المبدأ وأعجبتني لغة (لا سقف في الحوار) وبما أن هذا الحوار تم بناء على رغبة دولية وقبلها يمنية، فاننا نعتقد ان الحوار تأخر على اليمن كثيراً وكان ينبغي أن يتم من زمان، وفي تصوري ماقبل وحدة 22 ايار/مايو 1990، أي في كل من الجنوب والشمال بحيث تثمر تلك الحوارات عن وقائع جديدة تساعد على خلق البيئة المناسبة لقيام وحدة حقيقية تراعي واقع كل شطر، وتؤسس المقدمات العقلانية لتأسيس دولة النظام والقانون في الكيان الوحدوي الجديد، هذا أولاً، وثانياً تعيد الاعتبار للقوى الوطنية المحظورة والمقموعة كي تشارك في بناء الوحدة وتغلق صفحات الماضي المؤلمة وتتكافأ في فرص العمل السياسي العلني، وثالثاً كان ينبغي أن تكون هناك معالجات شاملة لكل القضايا والمشاكل في كل شطر، يرافقه اعتذار رسمي من حكومتي الشطرين الى شعبيهما عن كل الأخطاء التي تمت وارتكبت في عهدهما، ورابعاً وأخيراً كان يجب ان تتم الوحدة على مراحل زمنية، حتى تتم فيها إزالة كل المشاكل العالقة بين الشطرين ومعالجة قضايا الثأر والانتقام القائمة بين نظامي الشطرين، اللذين احتربا لأكثر من ثلاث مرات بالاضافة الى التباين العقائدي والبنيوي للنظامين .
المهم ان الحوار تم وتوزع اعضاؤه على تسع فرق، أهمها فرق القضية الجنوبية وصعدة وبناء الدولة والعدالة الانتقالية وغيرها وقد تبارى الحاضرون في طرح ارائهم ومواقفهم، سواء كافراد او أحزاب وظهرت المرأة قوة فاعلة وناشطة يستحيل تجاوزها أو تهميشها، إلا في حالة توافق على تلك القوى السياسية الرئيسية في اليمن والمشاركة في الحوار، وظل الحوار يتلمس توافق الكبار وكانت المخرجات ضعيفة ولا ترتقي الى المستوى المطلوب من عامة الشعب بشكل عام ومن الجنوبيين بشكل خاص .
وبرزت القضية الجنوبية كأحد القضايا الشائكة أمام المتحاورين، وشكل الجنوبيون المشاركون في الحوارعلامة بارزة من حيث وقفاتهم التضامنية هنا وهناك، وكذلك لتوجه غالبيتهم بمطالبتهم في عودة دولة الجنوب كحل أمثل وأسلم لليمن شمالاً وجنوباً وللمنطقة وللعالم ككل… فالدولة في العهد الحالي غير موجودة من الأساس، وهذا ما يفتقده الجنوبيون الذين عاشوا في ظل دولة نظام وقانون، وهنا يبرز السؤال الملح: هل سيقبل الجنوبيون البقاء ضمن الوحدة حتى تتأسس دولة النظام والقانون لكيان الوحدة؟ وهنا قد يجاب على السؤال بسؤال مغاير: وهل البيئة في المناطق الشمالية مهيأة لقيام دولة النظام والقانون؟ وهل سيقبل المتنفذون قيام تلك الدولة التي ستحرمهم من نفوذهم وسلطاتهم؟ ثم كم سننتظر حتى تتحقق تلك الدولة التي لم تتحقق منذ 51 سنة مضت، وبمعنى آخر هل ننتظر نصف قرن حتى تقام تلك الدولة وما هي الضمانات لقيامها؟ مع ان ضمانات ثورة 26 سبتمبر 1962 لم تنفذ ولماذا ننتظر ونحن عندنا الامكانيات لقيام مثل تلك الدولة في حالة عاد الجنوب الى ما كان عليه قبل 22 مايو1990 وبصورة احسن مما كان؟
في تصوري ان الحوار كان يفترض ان يتم على مراحل او خطوات، مثلا ان يكون هناك حوار شمالي شمالي يتم فيه التسامح ومن ثم التصالح وبعدها ينطلقون نحو مناقشة كل قضية على حدة حتى يتوافقوا عليها، وبعــــد ذلك يتجـــهون للحوار مع المتحاورين الجنوبيين لمناقشة كل القضايا ويتفقون على ترحيل القضايا المعقدة الى نهاية المدة الزمنية المحددة للحوار، ثم ينطلقون في الحوار على القضايا الرئيسية بحيث يكون كل الجهد والوقت مركز على تلك القضايا، وهكذا بالنسبة للجنوبيين يكون لهم حوار خاص بهم، اي جنوبي جنوبي حول كل القضايا بحيث يكونون جاهزين للحوار مع اخوانهم الشماليين المتحاورين… وهنا سيكون لمؤتمر الحوار فائدة كبرى للجميع، بل واختصار للوقت وللتكاليف المادية.
وفي الحالة الأخرى ان يركز المتحاورون على كل قضية بمفردها ويتوزع الأعضاء على لجان متخصصة بكل قضية، ويتم تحديد مدة زمنية لكل قضية، بدلاً من تشتيت الجهود والطاقات وتوزعها بشكل يثير العجب ويقلل من الآمال المعقودة على الرأي العام تجاه المؤتمر الوطني للحوار.
انطلقنا من رؤيتنا السالفة الذكر الى ان هناك تجاذبات سياسية وثأرية بين عدد من مكونات العمل السياسي وغيرها، وهنا كل قوة سياسية تحاول تبرير مواقفها والتشدد في بعضها محاباة للرأي العام والاعلام وليس للمصلحة الوطنية، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك أعضاء تم اختيارهم اجبارياً في فرق ليسوا على معرفة كاملة بها، ولا تتناسب مع عمرهم ولا خبراتهم ولا ميولهم وهذا بصراحة يضعف مقومات الحوار ومن ثم نتائجة المتوقعة.
والمثير للدهشة بل والخوف ان اللجنة العيا للانتخابات والاستفتاء، تعلن عن بدء الاستفتاء على الدستور الجديد يوم 15 تشرين الاول/اكتوبر 2013 وهو يوم أجازة عيد الأضحى المبارك، وهذا دليل على تخبط وعشوائية عمل اللجنة، كون الدستور الجديد لم تتم مناقشته واقراره بعد من قبل اي جهة رسمية، ثم ان مشروع الدستور لم يتم اعلانه وانزاله الى الرأي العام، ثم وهو الأهم ان الوقت غير كاف لقراءته ومناقشته من قبل مكونات وافراد الشعب، إلا إذا كانوا يقصدون انزال الدستور وسلقه على طريقة الأنظمة العربية الديكتاتورية، ثم اين هو قرار رئيس الجمهورية بتحديد موعد الاستفتاء ودعوة الناخبين للاستفتاء، أم ان اللجنة قد صادرت سلطات الرئيس وهذا هو ما يقلقنا؟ كما ان مؤتمر الحوار لم ينجز الدستور ولا وضع الحلول للقضايا التي يناقشها كي يتم التوافق على مشروع دستوري متكامل.. وهذا سؤال لا بد للجنة الانتخابات ان تعيد مراجعة انشطتها بما فيه اعلانها الاخير المثير للجدل، وإلا يمكن القول ان هناك قوى خفية تسعى جاهدةً الى عرقلة مسيرة التغيير المنشودة لليمن شمالاً وجنوباً.
ان المؤشرات المتوافرة حالياً ومن وقائع جلسات اعمال المؤتمر الحواري وآراء المحللين والباحثين اليمنيين وغير اليمنيين، تشير الى ان مخرجات المؤتمر قد لا تلقى تجاوباً من قبل بعض القوى والشخصيات اليمنية، بما فيها المشاركة في المؤتمر الوطني للحوار، بهدف عرقلة الفترة الانتقالية (سنتان)، رغم عدم كفايتها لانجاز مهامها المحددة لها… ومن أبرز تلك المخرجات:
القضية الجنوبية وهي أحد قضايا المؤتمر، وهنا تبارى ممثلو القوى السياسية والمجتمعية المشاركة في المؤتمر الى طرح مواقفها التي تباينت كثيراً في الجوهر والمضمون التاريخي والسياسي للقضية الجنوبية، ومن خلال مطالعة تلك المواقف، فان الوقائع تشير الى انه من المستحيل التوصل الى توافق ولو مرحلي لأي حلول للقضية ترضي الشارع الجنوبي، وبالتالي سيقود الى ترحيل القضية الجنوبية ومن ثم استمرار عدم الاستقرار لليمن والأقليم والعالم.
التوافق على شكل الدولة الجديدة لليمن القائمة على النظام الفيدرالي بحيث يتم تقسيم اليمن الى عدة اقاليم خمسة الى سبعة ويقال ان هذا هو مشروع الدول الراعية للمبادرة الخليجية التي تنظم العملية الانتقالية الراهنة، وهذه الفكرة ستقابل برفض قوى وشخصيات نافذة كونها ستفقدهم نفوذهم ومصالحهم التي تكونت في ظل السلطة المركزية، وهناك ممثلو قوى الحراك الجنوبي السلمي، سواء المشارك في مؤتمر الحوار او تلك التي لم تشارك ولربما يقتنعون بدولة اتحادية مكونة من اقليمين جنوبي وشمالي، بل وهناك قوى حراكية مؤثرة على الشارع الجنوبي سترفض ذلك، وهذا قد يضع العراقيل امام تنفيذ تلك الفكرة، بل وهناك قوى وشخصيات من الطرف الشمالي سترفض مبدأ الأقليمين بل والأقاليم الخمسة أو السبعة، خوفاً من فقدان سلطتها ونفوذها ومصالحها في معظم المدن والمناطق، ولذا ففي الغالب قد يكون توجه تلك القوى النافذة الى القبول بدولة اتحادية بأقليمين (شمال وجنوب).
مبدأ العدالة الانتقالية أيضاً سيواجه بصعوبات كثيرة من حيث تحديد مفاهيمها وانواعها وزمانها ومكانها، فهناك من يريدها ان تكون منذ 26 سبتمبر 1962 الى اليوم، كما ان هناك مجموعة اخرى تريدها من 30 نوفمبر 1967 وهناك اخرون يريدونها من 1990 و1978 و1994 و2011.
وهناك مسائل بناء الجيش وبناء الدولة وقضية صعدة وغيرها وتلك مسائل تواجه صعوبات جمة من حيث اختلاف الرؤى الحزبية والمجتمعية المشاركة في المؤتمر، التي تنظر الى تلك القضايا من زاوية مصالحها وبرامجها الفكرية، ويتوقع هنا ان يكون لتدخل رئيس الجمهورية ورئيس المؤتمر أثر بارز من حيث اعتماد الحلول التوافقية، وربما لجوء الرئيس الى استخدام رأي وموقف الشعب، من خلال طرح تلك المخرجات على استفتاء شعبي.
وهناك مشروع الدستور الذي لم يتوافق عليه المؤتمرون، كون الدستور يتطلب اولا الانتهاء من حلحلة القضية الجنوبية، وبناء وشكل الدولة، وبعدها يتم التوجه لإعداد دستور جديد يستدعي حلولا توافقية للقضايا الأخرى، واهمها القضية الجنوبية وشكل الدولة.
وقبل كل ذلك كان ينبغي معالجة بعض المشاكل المتعلقة بالقضية الجنوبية كمقدمة لابد منها في تهيئة اجواء الثقة، فلا أحد يتصور او يعتقد أن الشارع الجنوبي يمكن ان يشارك في اي عملية سياسية يمنية، بينما قضيته بشكل كامل معلقة وقضاياه الحقوقية والمادية لم تحل حتى اللحظة، وكان يجب ان تتم المعالجات السريعة للقضايا الحقوقية والمادية قبل بدء الحوار، أو على الأقل أثناء مسيرة أعمال المؤتمر، رغم ان هناك قوى ومراكز نفوذ يمنية لا تريد أي حلول لأي اشكالية ولو كانت يسيرة للجنوبيين، ومثل هؤلاء سيظلون حجر عثرة امام عملية التغيير المنشودة لليمن الواحد او الشمال والجنوب.
والمشهد بشكل عام لكل من يتابعه سيجد ان الرئيس عبدربه منصور هادي يواجه ضغوطا كثيرة بعضها محلي والبعض الآخر أقليمي ودولي، ومن دون شك هو يريد التوافق المحلي الذي على أساسه سيكسبه المناعة في مواجهة الضغوط الخارجية بكل انواعها، ولعل الضغوط المحلية هي العائق الأكبر في تحقيق عملية التغيير السلس نحو إعادة بناء وتشكيل اليمن بما يتوافق وتطلعات الشعب شمالاً وجنوباً، والرأي العام اليمني يرى ان الرئيس هادي أمام فوهة مدافع وطائرات تلك القوى والمراكز التي تكونت خلال الخمسين سنة الماضية، وبالمقابل يظل موقف القوى الأخرى الساعية الى التغيير في المكان الأضعف مما يضعف من دعمها للرئيس ولتطلعات الشعب بسبب الهجمات الشرسة للقوى والمراكز النافذة.
ويرى الكثير من المتابعين للمشهد اليمني ان موقف القوى الأقليمية والدولية غير الواضح قد يساعد على عرقلة عملية التغيير المنشودة، بسبب مراعاة مصالحها مع مصالح بعض القوى المحلية والنافذة التي تخدمها، سواء بشكل واضح او مخفي، ومن هنا فان هؤلاء المتابعين يرون ان انجاح عملية التغيير السلس والآمن في اليمن يتوجب عدم التدخل الاقليمي والدولي في الشأن اليمني، إلا من خلال الدعم المادي البحت في عملية التغيير والتنمية الاقتصادية، ان هم ارادوا استقرار المنطقة والعالم أجمع. كما ان هناك من يقول ان القوى الاقليمية والدولية مجهزة لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، الذي تم ابتكاره بهدف تنفيس للقلوب والعقول اليمنية بينما هم مجهزون كل شيء، وهذا القول عليه اجماع من نسبة كبيرة من الرأي العام اليمني، وهذا ان صح القول فالتعليق عليه هو: ديمة وقلبنا بابها… ونبتهل الى الله العلي القدير ان يهون على اليمن ورئيسها هادي المشاكل التي ستواجهم وقد تقود تلك التدخلات الى تفاعل كل قضايا اليمن، بما فيها قضية الجنوب والشارع الجنوبي الذي لن يقبل أي تمييع او تخاذل وتهاون تجاههم .

‘ كاتب وباحث من اليمن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية