إسطنبول – «القدس العربي»: رغم تصاعد المعارك العسكرية ميدانياً، تتعزز التوقعات بالتوصل إلى اتفاق بين تركيا وروسيا حول وقف إطلاق النار وتحديد مستقبل الأوضاع في محافظة إدلب شمالي سوريا وذلك خلال اللقاء المنتظر بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في موسكو.
وبعد سلسلة من تصريحات النفي والتأكيد والتشكيك، أكدت المصادر الرسمية التركية والروسية أن بوتين وأردوغان سوف يلتقيان في موسكو في الخامس من الشهر الجاري، وذلك لبحث ما وصلت إليه الأوضاع في إدلب، في محاولة جديدة للتوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة التي خلفت توتراً غير مسبوق بين البلدين وفتحت الباب أمام شبح المواجهة العسكرية الواسعة بينهما. ورغم التوتر الميداني والسياسي غير المسبوق بين البلدين، إلا أن الأجواء بدأت تتمهد تدريجياً لاحتمال الإعلان عن التوصل لاتفاق بين البلدين يقضي بوقف إطلاق النار في إدلب، ورسم خطوط السيطرة والانتشار بين القوات المتنازعة، وتحديد مستقبل المنطقة لا سيما فيما يتعلق بحدود المنطقة الآمنة المتوقعة للاجئين والسيطرة على الطرق الدولية والتوافقات الداعمة لمسار الحل السياسي النهائي.
وعقب مقتل عشرات الجنود الأتراك، وإطلاق الجيش التركي عملية «درع الربيع» العسكرية ضد النظام السوري، وصل التوتر العسكري في المنطقة إلى ذروته، واستخدمت أطراف القتال في المحافظة معظم أوراقها العسكرية ما أخرج خيار استمرار التوتر – تحت السيطرة – وباتت الخيارات تنحصر ما بين التوصل إلى حل سياسي قريب أو استمرار العمل العسكري وترك الباب مفتوحاً أمام الخيارات العسكرية الخطيرة وعلى رأسها المواجهة العسكرية الواسعة بين الجيشين التركي والروسي. ويعتبر هذا السيناريو الكارثي المحفز الأكبر لكل من موسكو وأنقرة للتوصل إلى حل سياسي وتجاوز مخاطر الدخول في مواجهة عسكرية كارثية تستنزف الجانبين وتنهي العلاقات بينهما لا سيما الاقتصادية منها وما يتعلق بالسياحة وحجم التبادل التجاري وإعاقة المشاريع الكبرى القائمة بين البلدين.
وتبدو تركيا مهيأة اليوم أكثر من أي وقت مضى للتوقيع على اتفاق حول إدلب، فالجيش التركي راضياً إلى حد كبير عن حجم الرد والخسائر التي كبدها للنظام السوري رداً على مقتل الجنود الأتراك، وعلى الصعيد الداخلي يمكنه إقناع الشارع بأن الرد كان كافياً وأن الجيش استعاد قوة الردع وهيبته أمام النظام السوري. وفي روسيا، ترى موسكو ضرورة التوصل لاتفاق حول إدلب في هذه الجولة حتى لا يتصاعد القتال خلال الأيام المقبلة خشية حصول اشتباك مباشر مع انقرة التي ستكون مضطرة لقبول شروط الناتو للحصول على الدعم منه مقابل التخلي عن منظومة «إس 400» وشراء منظومة باتريوت الأمريكية وبالتالي التخلي عن الكثير من الاتفاقيات الدفاعية والتقارب مع روسيا مقابل العودة إلى التقارب مع الناتو مجدداً، وهو ما لا ترغب موسكو بحصوله.
وتحاول تركيا قدر الإمكان استغلال القوة التي اظهرتها خلال العملية العسكرية الأخيرة وإسقاطها طائرات حربية عدة للنظام وتدمير المئات من آلياته، بالإضافة إلى زيارة المسؤولين الأمريكيين لأنقرة وتأكيدهم إمكانية تزويد تركيا بأنظمة دفاعية وذخيرة من أجل استخدامها في إدلب. وفي إطار هذه اللوحة التي تشير إلى رغبة روسية تركية مشتركة عنوانها الأبرز تقديم تنازلات من قبل الجانبين.
ويتوقع أن يكون الاتفاق الجديد بمثابة خارطة طريق لتنفيذ اتفاق «سوتشي»، أو نسخة معدلة من الاتفاق على أن يتم ذلك من خلال سحب قوات النظام السوري من المناطق التي دخلها مؤخراً أو أغلبها، وإعلان تلك المناطق «منطقة عازلة» ربما يتم تقاسم السيطرة عليها من قبل روسيا وتركيا بشكل مباشر.
وإلى جانب ذلك، يتوقع أن يتم الاتفاق على خريطة للنفوذ والسيطرة على الطرق الدولية (إم 4 وإم 5) حيث ما زال كل طرف يحاول الحفاظ على سيطرة أكبر له على هذه الطرق لا سيما عقب تسخير روسيا إمكانياتها العسكرية كافة من أجل السيطرة على سراقب التي تعتبر نقطة استراتيجية تمر منها هذه الطرق، بينما تسعى تركيا للإبقاء على نقاط سيطرة لها على هذه الطرق.