بغداد ـ «القدس العربي»: تترقب الأوساط المحلية والسياسية العراقية، تجدد الحراك الاحتجاجي في محافظة البصرة، مع اقتراب فصل الصيف، واستمرار أزمة انقطاع الطاقة الكهربائية، التي كانت من بين أبرز الأسباب التي أدت إلى «انفجار الوضع» في هذه المدينة الغنيّة بالنفط، في تموز/ يوليو الماضي، بالإضافة إلى انعدام الخدمات وفرص العمل.
توجه وزارة الكهرباء العراقية، الأخير، نحو تفعيل مشروع الجباية والخدمة في البصرة، ولّد ردود أفعال سياسية واسعة من المحتمل أن تترجم إلى احتجاجات شعبية، فيما جددت الحكومة المحلية في المحافظة رفضها للمشروع.
الشركة الأهلية المتعاقدة لتنفيذ المشروع المعروف محلياً بـ«الخصخصة»، طلبت من وزارة الكهرباء السماح لها باستئناف العمل، وفقاً لوثيقة مسرّبة جاء فيها: «يرجى التفضل بالموافقة والإيعاز إلى الشركة العامة لتوزيع الكهرباء في الجنوب لغرض استئناف العمل في مشروع (جباية وصيانة وتأهيل مناطق مديرية توزيع كهرباء البصرة)، والمحال إلى شركتنا، كون المدير العام السابق أوقف المشروع بإرادة منفردة دون سند قانوني».
وأشارت الشركة في كتابها إلى أن «توقف المشروع تسبب بضرر كبير لطرفي العقد كون لم تصدر قوائم المشتركين المستلمين من قبل شركتنا منذ أكثر من ستة أشهر، والبالغ عددهم 38 ألف مشترك»، مضيفة أن «فقرة الجباية هي الغطاء المالي للمشروع، وهذا أوقف جميع فقرات العقد التي كان مخططاً لها أن تحقق أهداف المشروع».
وقد تضمن الكتاب هامشاً لاحقاً يقضي بإعادة العمل في المشروع.
النائب الفني لمحافظ البصرة، محمد طاهر التميمي، قال في تصريح له، إن «المعلومات التي وردتنا تفيد بموافقة وزارة الكهرباء على إعادة تنفيذ مشروع الجباية من قبل شركة مستثمرة، وهذا المشروع من أكبر مشاريع الفساد في الوزارة»، موضحاً أن «الفساد في المشروع يتضح من خلال قيام الشركة المستثمرة بجباية أموال للأحمال العالية من مصانع ومعامل، وأخذت الشركة نسبة عالية من هذه الأموال التي كان من السهل على مديرية توزيع الكهرباء جبايتها».
فاسدون وسرّاق
ولفت إلى أن «الشركة المستثمرة في المشروع كانت تجبي الأموال دون أن تنفذ أعمال تأهيل وصيانة للشبكة الكهربائية في المحافظة، كما لم تدفع رواتب 80٪ من العاملين في قواطع توزيع الكهرباء في البصرة»، معتبراً أن «الحكومة المحلية في البصرة ترفض إعادة العمل بالمشروع لأنه يتسبب بفرض أجور جباية عالية على المواطنين تذهب الى جيوب فاسدين وسراق»، حسب تعبيره.
وضمن سياق ردود الأفعال السياسية أصدر النائب عن البصرة عدي عواد، بياناً حذر فيه من احتجاجات شعبية غاضبة في حال تفعيل المشروع، وقال إن «مشروع الجباية تم إيقافه من قبل وزير الكهرباء السابق، والموافقة على تنفيذه من قبل الوزير الحالي سيحرق البصرة بالتظاهرات بعد فترة من الهدوء النسبي».
وأضاف عواد، وهو عضو في لجنة النفط والطاقة في مجلس النواب العراقي، إن «وزير الكهرباء لؤي الخطيب، وافق على إعادة العمل بالجباية الكهربائية»، مؤكدا أن «الموافقة على إعادة شركات الجباية سيحرق محافظة البصرة بعد الهدوء النسبي لموجات التظاهرات».
وأشار النائب المنتمي لكتلة «صادقون» بزعامة الأمين العام لحركة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، إلى أن «بعض المسؤولين ورئاسة الوزراء انشغلوا بوعودهم الكاذبة التي لم تنفذ حتى»، لافتا إلى أن «القرارات التي اتخذت تجاه محافظة البصرة كانت شبه تطمين لأهلها وما بين التصديق بالوعود وتكذبيها، نتفاجأ وبكل وقاحة من وزير الكهرباء بإعادة شركات خصخصة الكهرباء للبصرة والتي ستكون سببا في التظاهرات والفوضى وحرق البصرة وتدميرها».
وطالب «رئيس الوزراء فورا بالتدخل والغاء قرار الوزير لتلافي التصعيد من قبل الشارع البصري والمحافظة على استقرارها»، داعيا في الوقت ذاته «نواب المحافظة لعقد اجتماع طارئ للخروج بمقررات تجاه الوزير الذي أثبت فشله».
وتابع: «تقدمنا بوقت سابق لهيئة الرئاسة لتشكيل لجنة تحقيقية لمشروع جباية الكهرباء وجمعنا 99 توقيعاً، لكن هيئة الرئاسة عرقلت الموضوع».
كذلك، دعا النائب عن كتلة «السند الوطني» البرلمانية فالح الخزعلي، وزير الكهرباء إلى «ضرورة العدول عن قراره بإعادة العمل للشركات الاستثمارية بخصوص الجباية»، مطالباً الوزارة بـ«تحمل مسؤلياتها بهذا الأمر ومراعاة ظروف البصرة». وقال الخزعلي في بيان، إن «الشهر السابع من عام 2016 كان ساخنا ونحذر من صيف ساخن أحد أبوابه ملف شركات الاستثمار والجباية، كما ندعم الجهد الوطني للجباية».
وذكر أننا «وجهنا أسئلة برلمانية للسيد وزير الكهرباء تتعلق بإدارة ملف الكهرباء والمحطات غير المكتملة ونتطلع إلى استقرار هذا الملف المهم، والانتهاء منه بعمل ومجلس النواب داعم للوزارة في موازنة 2019».
ودعا الخزعلي، وزير الكهرباء إلى «ضرورة العدول عن قراره بإعادة العمل للشركات الاستثمارية للجباية»، موضحا أن «على الوزارة تحمل مسؤولياتها في الجباية ورعاية ظروف البصرة خاصة حيث ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة ووجود أكثر من 700 شعلة نفطية أثرت على الوضع البيئي في البصرة».
حزمة وعود
في الشأن ذاته، أعرب مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان (تابعة للبرلمان) في محافظة البصرة، عن استغرابه «بشدة» لقرارات وزارة الكهرباء الأخيرة إزاء المحافظة بإعادة العمل بنظام الجباية.
وذكر بيان للمكتب أن «بعد حزمة من وعود الحكومة المركزية غير المتحققة لأهالي أكبر مدينة منكوبة في العالم من التلوث وضعف الخدمات وكل ذلك جراء ثرواتها لغرض معالجة أوضاعها والنهوض بأهلها وشبابها العاطلين عن العمل، بعد التفاؤل النسبي جراء انطلاق بعض المشاريع فيها والتي جاءت جراء حراك أهلها الذين سقط منهم العشرات بين قتيل وجريح، عادت إلى الواجهة القرارات القاسية على هذه المدينة بالذات والتي من المفترض أن ينعم أفرادها بأعلى درجات العيش وهو ما يعمل به في المدن النفطية في العالم وبالمجان».
وحذر البيان «من هذه القرارات والتي من شأنها زيادة المعاناة والنفقات على أهلها الذين يقدمون ولا يزالون مئات الضحايا ضريبة إنتاج النفط والكهرباء وغيرها وما يودي إلى تأجيج أوضاعها».
يذكر أن مشروع (الجباية والخدمة) الذي تعاقدت على تنفيذه شركة أهلية مع وزارة الكهرباء بصيغة قريبة الى مفهوم الخصخصة قد أثار أواخر عام 2017 وبداية عام 2018 احتجاجات شعبية واسعة في مناطق متعددة من البصرة، وعلى إثرها قرر مجلس المحافظة رفض تنفيذ أي مشروع للخصخصة والاستثمار في قطاع الكهرباء على مستوى المحافظة، ثم ارتأت وزارة الكهرباء التريث في تنفيذ المشروع لتهدئة الموقف.
وسبق لرئيس الوزراء العراقي، السابق حيدر العبادي، أن تقدم بوعود لأهالي البصرة، منها زيادة ساعات تجهيز الطاقة الكهربائية، والإعلان عن آلاف فرص التعيينات لأبناء البصرة حصراً، فضلاً عن تعهدات أخرى بإنشاء محطات لتحلية المياه، غير أنها لم تُترجم على أرض الواقع، حسب الأهالي الذي اعتبروها خطوة لامتصاص غضب المتظاهرين.