البشرى الجديدة التي خرجت هذا الشهر واستهدفت ملايين الموظفين العامين والعاملين في الشركات الحكومية في مصر هي الحصول على زيادة في الأجر بنحو 13 في المئة، في تموز المقبل؛ أي زيادة متوسطة تبلغ 500 جنيه مصري لكل موظف. يبدو هذا كثيراً بالعملة المصرية، لكن الحديث يدور فقط عن 30 دولاراً في الشهر، حسب سعر 15.1 جنيهاً للدولار. كما سيرتفع أجر الحد الأدنى إلى 174 دولاراً في الشهر.
يجب عدم الاستخفاف بهذا المبلغ في دولة يصل فيها معدل الفقراء الرسمي إلى نحو 30 في المئة، وغير الرسمي أعلى بكثير، ودخْل كثيرين منهم أقل من 3 دولارات في اليوم. ولكن الخوف ينبع من اقتران هذه الزيادة بثمن مقابل يخصمها، ويبقي المواطنون في المكان نفسه في أفضل الحالات، أو في مكان أسوأ، حسب التوقعات الحقيقية.
تعهدت الحكومة المصرية للصندوق الدولي بإجراء إصلاحات كبيرة في الاقتصاد مقابل قرض بمبلغ 12 مليار دولار حصلت عليه مصر في 2016. بدأ تنفيذ عدد من الإصلاحات، مثل تقليص جزئي في الدعم الذي تمنحه الحكومة للمحتاجين ورفع سعر الوقود. كما تنوي الحكومة الآن توسيع تقليص الدعم الذي يكلف ميزانية الدولة أكثر من 5.5 مليار دولار في السنة، التي يذهب نحو ثلثها للخبز، والباقي لمنتجات أساسية أخرى.
قبل سنة، قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلغاء مساعدة الأزواج الشابة. “من يستطيع تمويل حفل الزفاف لا يحتاج إلى مساعدة الحكومة”، قرر السيسي المعيار الذي وجه قراره. بعد ذلك، قال إن بطاقة التموين التي أعطيت للمحتاجين لشراء المنتجات الأساسية في الجمعيات الحكومية ستمنح لاثنين فقط من أبناء العائلة وليس الجميع. الآن، ينوي السيسي تحديد توزيع بطاقات التموين، التي تستفيد الآن منها أكثر من 35 مليون عائلة، وتقليص نسبة المساعدة 20 في المئة. بعد ذلك، حتى 2025، سيتم تقليص دعم الكهرباء أيضاً. وقد بدأت نقاشات الآن حول رفع سعر الخبز. ” ليس بمقدور الدولة تمويل الجميع”، أوضح الرئيس في مناسبات مختلفة.
استقبل الجمهور هذه القرارات بهدوء نسبي، ولم تحدث مظاهرات في مواضيع الغذاء والوقود، التي ميزت الأنظمة السابقة في مصر. صحيح أن إضرابات جزئية اندلعت، لكنها لم تجرف مئات آلاف الأشخاص مثلما في التسعينيات، أو في ثورة الربيع العربي التي ستصادف ذكراها السنوية هذا الشهر، وكان أحد الطلبات الرئيسية فيها هو العيش بكرامة. هذه الزيادة التي تقترحها الحكومة الآن على شكل زيادة الأجور مخصصة لتخفيف -بقدر معين- الضربة التي يتوقع أن يتلقاها الجمهور. ولكن ليس هناك أي ضمانات بأن يوافق الجمهور على الامتثال والصمت في هذه المرة.
قد يسجل السيسي لنفسه نقاطاً كثيرة في مجال الاقتصاد. احتياطي العملة الصعبة قفز إلى أكثر من 40 مليار دولار مقابل 12 مليار دولار عندما تسلم الحكم في 2013. التضخم مسيطر عليه، أما النمو –حسب تقديرات مؤسسات تمويل دولية وصندوق النقد الدولي- فيمكن أن يبلغ 5.7 في المئة حتى نهاية السنة المالية في تموز، ويتوقع أن ينخفض إلى 5.5 في المئة السنة المقبلة.
النفقات
السؤال الرئيسي: كيف يمكن تسوية الفجوة بين بيانات الماكرو المتفائلة والثناء الذي تحصل عليه مصر من المؤسسات الدولية، وبين وضع المواطنين في مصر الذين تتقلص مداخيلهم وقوة الجنيه الشرائية إزاء ارتفاع الأسعار وتقليص الدعم؟ قد نجد الإجابة عن ذلك في تحليل كئيب الذي يعرضه الاقتصادي روبرت سبريمبورغ، الذي بحث طوال عشرات السنين في اقتصاد مصر. في مقال مفصل نشره مؤخراً، قال إن “مصر دولة نفقات سخية، اقتصادها يرتكز بالأساس على المساعدات الخارجية والقروض”. وحسب قوله، توجهت مصر منذ تولي السيسي إلى “استثمارات ضخمة لا تعرف الحدود”، لكن ليس فيها ما يرفع مستوى حياة المواطنين، وهو يورد مشروع العاصمة الإدارية الذي انتقلت الوزارات الحكومية إليه مؤخراً، والذي استثمر فيه أكثر من 58 مليار دولار؛ ونية إنشاء مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء قد تصل تكلفتها إلى 25 مليار دولار، وتوسيع قناة السويس بتكلفة تبلغ 8 مليارات دولار.
تستند حكومات مصر خلال عشرات السنين على افتراض قائل بأن الغرب لن يسمح لمصر بالانهيار، وأن الدولة كبيرة ومهمة من أن يتجاهل العالم صعوباتها، وهو افتراض يثبت نفسه حتى اللحظة. ولكن وبالتحديد في ذكرى ثورة الربيع العربي، ليس من نافل القول التذكير بأن ثمة افتراضات أساسية ربما تفاجئ في كل مرة.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس/ ذي ماركر 31/1/2022