إسطنبول ـ «القدس العربي»: رغم أن حزب العدالة والتنمية الحاكم ورئيسه رجب طيب اردوغان ما زالا يتمتعان بأوسع شعبية في الشارع التركي، إلا أن الانتخابات البلدية/المحلية التي شهدتها البلاد نهاية الشهر الماضي، نتج عنها تراجعاً ملحوظاً في هذه الشعبية، تمثلت في خسارة الحزب للبلديات الكبرى بالبلاد في أكبر رد فعل من الشارع التركي ضد اردوغان لأول مرة منذ وصوله الحكم قبل 17 عاماً.
فمنذ الساعات الأولى لإعلان النتائج الأولية للانتخابات قال اردوغان في خطابه للشعب التركي «رسالتكم وصلت»، واعداً بالبدء فوراً بالقيام بإجراءات وإصلاحات تلبي رغبات وطموح الشارع التركي لا سيما القاعدة الشعبية الأساسية للحزب الحاكم التي تقول الكثير من التحليلات إنها ارتأت معاقبة الحزب في هذه الانتخابات لإجراء إصلاحات خلال الفترة المقبلة.
اصلاح الحزب
يجد اردوغان نفسه مجبراً على القيام بمراجعات شاملة داخل الحزب والحكومة وصولاً لمراجعة السياسات الاقتصادية والسياسية والأمنية داخلياً وخارجياً من أجل إرضاء الشارع التركي قبيل الاستحقاق الانتخابي الكبير عام 2023.
وفي خطوة أولى، من المتوقع أن يبدأ الرئيس التركي بجملة تغييرات داخل الأطر القيادية والتنظيمية للحزب الحاكم، حيث يتهم مناصري الحزب جزء من القيادات بأنهم «حادوا عن الرسالة الأساسية للحزب وباتوا منتفعين يهتمون بمصالحهم ومناصبهم وتجاهل مطالب الشعب وهمومه».
واجتمع اردوغان، الأربعاء الماضي، مع أعضاء اللجنة المركزية لقيادة الحزب حيث بدأت عملية تقييم شاملة لأسباب التراجع في هذه الانتخابات على أن تبدأ عملية اصلاح واسعة داخل المستويات القيادية المختلفة بطريقة ترضي القاعدة الشعبية للحزب.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت الحكومة التركية بأولى الخطوات على الصعيد الاقتصادي، حيث تجمع استطلاعات الرأي أن الأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد في الأشهر الأخيرة كانت السبب الأول والأهم لتراجع أصوات العدالة والتنمية.
ويتوقع أن يكثف اردوغان مساعيه لتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد عبر خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى تضمن له السيطرة على الأزمة الاقتصادية قبيل موعد الانتخابات المقبلة لا سيما تخفيض نسب التضخم وتحقيق الاستقرار لسعر العملة المحلية وتخفيض نسب البطالة وصولاً لإعادة رفع نسب النمو للاقتصاد التركي الذي دخل لأول مرة منذ 17 عاماً مرحلة الركود، حيث يأمل اردوغان في الاستفادة من 4 سنوات من الاستقرار السياسي بدون انتخابات لتدعيم خططه الاقتصادية.
زكان وزير الخزانة والمالية برات البيرق، قد أعلن، الأربعاء الماضي، مجموعة إصلاحات تضمنت زيادة الدعم للبنوك الحكومية واتخاذ اجراءات لكبح التضخم وإعادة هيكلة الضرائب بهدف معالجة التباطؤ الاقتصادي، وقال البيرق: «بدون اية انتخابات للسنوات الأربع المقبلة، ستكون الاصلاحات الاقتصادية على رأس اجندتنا».
اللاجئون السوريون
ارتكزت الدعاية الانتخابية لأحزاب المعارضة التركية على ملف اللاجئين السوريين، وتشير الاستطلاعات إلى أن سياسة اردوغان في التعامل مع ملف اللاجئين السوريين كان أبرز أسباب زيادة أصوات المعارضة إلى جانب امتعاض جانب كبير من أنصار الحزب أيضاً.
التحولات المتوقعة في سياسته الداخلية والخارجية
وبناءً على ذلك، يرى اردوغان نفسه مجبراً على إنهاء ملف اللاجئين السوريين ورفعه من أجندة الناخبين الأتراك قبيل موعد الانتخابات المقبلة، وذلك من خلال سلسلة من الخطوات يتوقع أن تتوزع بين التسريع في إنهاء الأزمة السورية وتعبيد الطريق أمام إعادة الجانب الأكبر منهم وبين القيام بإجراءات دمج الجانب الآخر منهم لا سيما من خلال سياسة التجنيس وغيرها.
ومن المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة تفاعلاً أكبر لملف اللاجئين في البلاد حيث بدأت بعض البلديات التي فازت بها المعارضة بإجراءات تضييق على اللاجئين وهو ما قد يتوقع لاحقاً في المحافظات الكبرى لا سيما إسطنبول وأنقرة وهو ما سيفرض على الحكومة التدخل لسحب هذه الورقة من يد المعارضة.
رغم أن جميع الملفات السابقة كانت سبباً في تراجع أصوات العدالة والتنمية، إلا أن سياسة اردوغان اتجاه الملف الكردي ثبت نجاحها في الانتخابات الأخيرة وهو ما مكن الحزب لأول مرة من تحقيق اختراق تاريخي بالفوز لأول مرة في محافظات تقطنها أغلبية ساحقة من المواطنين من أصول كردية.
وللبناء على هذا النجاح ولتعويض جانب من القواعد الشعبية التي خسرها الحزب، سيعزز اردوغان سياسته بدعم المناطق ذات الأغلبية الكردية جنوب شرقي البلاد لا سيما من خلال إحداث تطوير هائل في المناطق التي سيطر على بلدياتها من أجل رفع شعبيته في تلك المناطق وحصد ذلك في الانتخابات المقبلة.
رغم أن التعقيدات التي مرت بها العلاقات التركية مع دول الجوار وأطراف إقليمية ودولية طوال السنوات الماضية أنهت الحديث عن سياسة «صفر المشاكل» التركية، إلا أنه من المتوقع أن يكون اردوغان أكثر حرصاً طوال السنوات المقبلة على عدم الوقوع في أزمات سياسة مع دول جديدة وهو ما قد ينعكس على الملف الاقتصادي مجدداً.
وفي ظل صعوبة إحداث تغيير كبير خلال سنوات قليلة، فإن حل الأزمة السورية سيعتبر الأولوية الأولى لاردوغان، قبل التركيز على تجنب تصاعد الأزمة الأخيرة مع واشنطن أو انقلابها للتحول أزمة مع موسكو، بالتوازي مع المساعي لتعزيز التقارب مع الاتحاد الأوروبي لا سيما في الجانب الاقتصادي وصولاً لتطوير العلاقات مع العالم العربي والعمق الافريقي لتعزيز التجارة والسياحة لدعم الاقتصاد.