نيويورك – د ب أ: لا يبدو أن أسواق النفط العالمية ستستقر خلال العام الحالي في ظل استمرار الغموض المحيط بالاقتصاد العالمي نتيجة جائحة فيروس كورونا المستجد من ناحية، والمشكلات التي تحيط بالقدرات الإنتاجية للعديد من الدول النفطية من ناحية أخرى.
ويقول جوليان لي، المحلل الاقتصادي المتخصص في أسواق النفط، أن هناك مدرستين مختلفتين بشأن تطورات أسواق النفط العالمية خلال العام الحالي، لكنهما تتفقان على أمر واحد وهو أن هذه الأسواق لن تكون هادئة.
ترى المدرسة الأولى أن السوق العالمية ستشهد نمو المعروض والإمدادات بوتيرة أسرع من وتيرة نمو الطلب، لترتفع المخزونات، وأن تجمع «أوبك+» للدول المصدرة للنفط قد يضطر إلى التفكير في خفض جديد للإنتاج.
في المقابل تركز المدرسة الثانية على تراجع مستويات المخزون النفطي للدول للمستهلكة في الوقت الحالي، مع انكماش القدرات الإنتاجية الاحتياطية لدى الدول المنتجة في ظل تراجع الاستثمارات الجديدة في مجال التنقيب عن النفط واستخراجه. لذلك تتوقع هذه المدرسة وصول أسعار النفط العالمية إلى 100 دولار للبرميل أو أكثر قبل نهاية العام الحالي، ما لم يشهد الطلب العالمي تراجعا حادا، وهي الرؤية التي يميل إليها جوليان لي، كبير المحللين في «مركز دراسات الطاقة العالمية»، سابقا، في تحليل نشر أمس الإثنين.
وحسب التحليلات التي تم تقديمها للدول الأعضاء في تجمع «أوبك+» قبل اجتماعها في الأسبوع الماضي، سيشهد العام الحالي إعادة تكوين مخزونات النفط لدى الدول المستهلة، لتعويض النقص الذي شهده العام الماضي. ولن تكون زيادة المخزونات نتيجة لتراجع الاستهلاك أو الطلب. بل أن التوقعات تشير على العكس إلى نمو الطلب العالمي على النفط خلال العام الحالي ليتجاوز مستويات ما قبل جائحة فيروس كورونا المستجد ويصل إلى 101 مليون برميل يومياً في المتوسط، ويزيد على 103 ملايين برميل يومياً في كانون الأول/ديسمبر المقبل. في الوقت نفسه هناك قدر كبير من الغموض المحيط بآفاق الطلب في ظل انتشار المتحورة أوميكرون. لكن ما حدث الشهر الماضي يشير إلى أنه في حين تنتشر المتحورة بسرعة كبيرة، فإن أغلب المصابين به لا يحتاجون إلى تلقي العلاج في المستشفيات، وبخاصة بين هؤلاء الحاصلين على التطعيم ضد وباء كوفيد-19. لهذا السبب تراجعت كثرة من دول العالم عن القيود التي أعادت فرضها لاحتواء تفشي هذه المتحورة، مما يزيد احتمالات تعافي سوق الطيران العالمية وبالتالي نمو الطلب العالمي على النفط خلال الشهور المقبلة.
وسيكون السبب وراء الضعف المحتمل لأسواق النفط هو زيادة الإمدادات، حيث يتوقع تجمع «أوبك+» وصول الإمدادات العالمية إلى أكثر من 104 ملايين برميل يومياً قبل نهاية العام الحالي. ولكن جوليان لي يرى أن هناك مشكلات في هذه التوقعات أبرزها افتراض أن دول التجمع ستتمكن من الوصول بإنتاجها إلى المستويات المستهدفة، في حين أن الواقع عكس ذلك. فهناك دول في التجمع لن تصل بإرادتها إلى المستوى المستهدف المسموح لها به ودول لا تستطيع الوصول إليه أصلا
ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي كان إنتاج التجمع الإجمالي أقل من سقف الإنتاج المتفق عليه بمقدار 625 ألف برميل يومياً. وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي كان الإنتاج أقل من المستوى المستهدف بمقدار 655 ألف برميل يومياً، ليستمر إنتاج التجمع أقل من المستوى المستهدف للشهر السابع على التوالي.
ومن المنتظر ارتفاع هذا الفارق بين الإنتاج والمستوى المستهدف مع قرار التجمع في الأسبوع الماضي زيادة الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يومياً اعتباراً من أول الشهر المقبل. ومعنى هذا أن إمدادات النفط لن تكون كبيرة بالدرجة المأمولة أو التي يخشى منها حسب منظور كل طرف ينظر إلى مستويات الإنتاج.
وكما ترى المدرسة التي تتوقع استمرار ارتفاع أسعار النفط، فإن المخزون العالمي من الخام منخفض بالفعل. فحسب بيانات «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» الصادرة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فإن المخزونات التجارية لدى دول المنظمة تبلغ حاليا 174 مليون برميل وهو ما يقل بنسبة 6% عن متوسط المخزون خلال الفترة من 2015 إلى 2019.
وفي حين يمكن أن تؤدي زيادة إنتاج «أوبك+» إلى تقليص الفجوة في المخزون، فإن هذه الزيادة ستأتي بالتزامن مع تراجع فوائض الطاقة الإنتاجية التي يمكن استخدامها في حال حدوث اضطراب غير متوقع في الإمدادات. وهذه الاضطرابات تلوح في الأفق بالفعل.
فليبيا التي نجحت في المحافظة عى مستوى إنتاج فوق مليون برميل يومياً خلال العام الحالي، تعاني من قيام المجموعات المسلحة التي تحرس خط أنابيب نقل النفط الخام من أكبر حقولها بإغلاق الخط، والحاجة الملحة إلى صيانة أحد الخطوط التي تخدم أكبر ميناء نفطي ليبي. ورغم إنجاز عملية الإصلاح بسرعة، فإن إنتاج ليبيا الآن مازال أقل بنسبة 25% من مستوياته في العام الماضي.
وفي حين اعتادت الإمارات العربية المتحدة والسعودية والعراق زيادة إنتاجها عن خط الأساس المستخدم في حساب كمية الخفض في إنتاجها، فإن الدول الثلاث هي فقط التي تستطيع عمل ذلك من بين كل دول «أوبك+».
وبمرور الوقت ومع عودة الإنتاج إلى مستويات ما قبل الخفض الكبير الذي تم إقراره في نيسان/أبريل الماضي، لن يكون لدى العالم أي طاقات إنتاجية احتياطية أكثر من 2.5 مليون برميل يومياً، بما يعادل 2.5% من إجمالي الطلب العالمي، وهو رقم ضئيل جداً بالمعايير التاريخية، ولا يمكن أن يضمن استقرار السوق العالمية.