يبدو أن السير في حقل التصريحات السياسية في مصر، غدا مشابهاً للسير في حقل ألغام. حين كانت السياسة العربية منقسمة إلى معسكرين، أبيض واسود، معسكر الأنظمة ومعسكر خصومها، من مختلف الأطياف السياسية، كانت التصريحات الصادرة عن جانب المعارضة، تستقبل بقدر كبير من حسن النية، وتؤول دائماً بإيجابية، خلافا للتصريحات القادمة من معسكر الحكومات، والتي كانت متهمة على طول الخط!هذه الحدية شكلت سمة بارزة وطبيعية ربما ، لحقبة النضال السياسي! أما وقد انتقلت بعض أطياف المعارضة إلى الحكم، فقد تبدلت الصورة واختلطت الأوراق! في هذا الضوء، يمكن قراءة ردود الفعل حول تصريحات الدكتور عصام العريان، التي نكشت فوق رأسه عش الدبابير. في حقبة النضال الوطني كانت عودة اليهود إلى أوطانهم الأصلية، شعارا مقبولا من الجميع، ومرفوعا من قبل كثير من الحركات الوطنية: القومية واليسارية، ومن بينها منظمة التحرير الفلسطينية، كمشروع يستهدف تفكيك المشروع القومي الصهيوني الذي حول الدين إلى قومية، وعلى اعتبار أن اليهود في كل العالم، جزء لا يتجزأ من الأوطان القومية التي يحملون جنسيتها وينتمون إليها، كغيرهم من أصحاب ألأديان الأخرى، لا بل إن هذه الدعوة وجهت بشكل خاص إلى يهود الدول العربية! لماذا هب الجميع بلا رحمة في وجه العريان إذن؟ لا شك أن ردود الفعل حول أي تصريح سياسي، مرهونة بالظرف السياسي السائد، وفي حالة العريان، بحالة التربص بالإخوان المسلمين التي تعيشها التيارات السياسية المناوئة لهم، ولا شك أن العريان لم يأخذ تغير المناخ السياسي بعين الاعتبار، ففي مناخ النضال ضد الأنظمة السابقة، كانت اتفاقية كامب ديفيد التي عقدها السادات مدانة ومتهمة، وفي ضوء مناهضتها كان يبدو مقبولا، مطلب الغاء هذه الاتفاقية، التي أخذ اليهود بموجبها كوز العسل ، مقابل طرح إعادة الحق الأصلي، بطريقة تبادلية:لليهود والفلسطينين على حد سواء!أما وقد أصبحت هذه الاتفاقية واقعا سياسيا، ملزما للحكام الجدد، فإن القفز فوقها للحديث عن حقوق اليهود في أوطانهم الأصلية يعد ترفا، لا بل خطيئة سياسية! وعلى أية حال، فإن اليهود كدأبهم لم يتركوا أمر هذه القضية للظروف، فقد حاولوا رفع قضايا تعويض، عن أملاكهم في مصر وغير مصر في أمريكا، وكندا، إلا أن هذه الدعاوى رفضت لغاية الآن، وهناك جمعية يهودية قائمة بالفعل لمتابعة هذه القضية.وعلى هامش ذلك يبدو ان الحكومات الإسرائيلية، لم تتضامن مع الجمعيات المدنية المتحمسة لإثارة هذه القضايا، ربما لأن لقضية هجرة اليهود العرب جوانب لا تريد لها أن تتكشف، وربما لأن معظم هذه الأملاك قد بيعت وقبض اليهود ثمنها، وبعضها وخاصة تلك التي أممت، قد دفع ثمنها من تحت الطاولة، لان النظام السياسي في ذلك الحين لم يرد أن يجعل مافعله باسم الوطنية والقومية، مجرد صفقة تجارية دفع ثمنها لعدوه، حتى لا يصغر في أعين جماهيره ومريديه، حيث أن الأنظمة القومية اعتمدت على الدعاية والتهويل أكثر منها على الشفافية وبسط الحقائق للناس!على أية حال هناك أوراق تاريخية ينبغي إعادة قراءتها بروية، حتى نعرف على أي أرض نقف، وحتى لا نتورط بالفجاة السياسية!نزار حسين راشد[email protected]