توقيت شتوي

حجم الخط
0

ناجي ظاهر

في الطريق إلى إنجاز الموعد المحدد مسبقا، بل الموعدين أحدهما يتلو الاخر، اضافة الى موعد العمل الابدي، بعدهما، انظر الى ساعتي اليدوية لاتأكد من ان اليوم هو الاحد، الثاني عشر من شهر ايلول (سبتمبر) عام 2010. الساعة الان هي الثامنة والنصف، عقرب الساعة يشير الى هذا. انه وقت اللقاء بتلك الطالبة. يلاحظ ابني الفتى السائر الى جانبي، انفعالي، يقول لي: ‘انت هكذا يا والدي دائم القلق كأن الريح تحتك. لا تطمئن الا حين تنجز ما تسعى اليه، مع انه يوجد دائما متسع من الوقت.’ارسل نظرة عاتبة الى ابني، ما الذي يحدث لماذا لا يشبهني هذا الولد؟ هو في كثير من حالاته مختلف عني. يدي دائما في النار ويده في الماء. انظر متفحصا المكان اتوقف في محطة الباص حيث اتفقت على اللقاء مع تلك الطالبة، الساعة تغذ عقربها للامام. لا ارى احدا لا الطالبة ولا سواها، اتكون اخلفت الموعد؟ واذا اخلفته كيف سأتمكن من تقسيم وقتي بين موعدين حرصت على ان يأتي احدهما ملاصقا للاخر وتابعا له تبعية الانسان للظل؟ ناهيك عن موعد العمل الذي لا ينتظر، ثم كيف سأتمكن من ان انتهي من الموعدين لأتفرغ فيما بعد لعملي في الصحيفة؟ اتفرس في المحطة، الوقت يمر بطيئا ثقيلا. الصيف يلقي بكلكله عليّ. ترى ماذا فعلت بي تلك الطالبة الصغيرة؟ اتكون الغت اللقاء؟ طيب اذا كانت فعلت ذلك لماذا لم تخبرني؟ اتكون امورها تعقدت مع مدير مدرستها فقرر عدم الالتقاء بكاتب يطرق باب مدرسته لأول مرة بدعوة من طالبة؟ لا اعرف لا اعرف. يلاحظ ابني قلقي يكبر فيهدئ من روعي: ‘انت هكذا دائما يا والدي، تروَّ قليلا الله يخليك.’تمر الدقائق بطيئة مثل دهور. الطالبة لا تأتي كما وعدت. فماذا افعل؟ اتوجه الى المدرسة؟ نعم لأفعل فمن قال انني احتاج الى مرافقة صغيرة مثلها لترشدني الى واحد من طرق مجهولة اتقنت السير في منحنياتها منذ سنوات بعيدة حافلة بالاسى والعبر؟ اتحرك واضعا قدمي على فم الشارع. يفهم ابني انني ماض في طريقي مهما كلف الامر ومهما تكلفت من ثمن ادفعه راضيا او مرغما سيان، فيندفع ورائي. نمضي، نحن الاثنين، في فضاء لا متناه. الى اين ستفضي بنا ايها الطريق؟ ترى سيكون لنا ما اردناه من تحقيق لموعدين فثالث لا يرحم هو موعد وصولنا ولو متأخرين قليلا الى مكان عملي في الصحيفة؟ ما اصعب ان تكون مرتبطا بموعدين، او ثلاثة مواعيد في آن واحد، لكن ما اجمل ان تنفذ موعدين او ثلاثة في آن واحد ايضا، تفعل ذلك مردفا الموعد وراء الاخر بالضبط كما اردت، خططت ونفذت. هذا المنطق منحني احساسا دافئا بالقوة والقدرة على التحمل، فجعلني اندفع في طريقي اندفاعة نسمة في ليلة صيف مول ٍ. خلافا لتوقعات ابني لم اتوقف لا عند شجرة تين تدلت فروعها على طرف شارع ولا عند شجرة رمان ناءت غصونها بحمل اكوازها مشعة بنور الماضي.’الطريق يا والدي ما زال طويلا.’ يهتف بي ابني الفتي، فأرد عليه بصمت اعتاد على خشونته، ثم أُردف في محاولة مني لتلطيف تلك الخشونة.

المهم ان نصل يا ولدي. انت تعرف ان والدك اعتاد على ان يكون دقيقا في مواعيده. بعد صمت اضيف: نحن ينبغي ان نكون بقدر المسؤولية. المسؤولية تقتضي ان نصل في الموعد المحدد.

يبادر ابني للقول وهو يرسل نظرة نحو الشارع الخاوي من المارة: ‘حتى لو لم يكن في الشارع احد يا والدي؟’اسارع إلى الرد عليه لاخباره ان ما يهمني هو انا وليس الاخرين، فكل منا نحن بني البشر مسؤول عن تصرفه وسلوكه، الا انني ابتلع الكلمات. اتساءل بيني وبين نفسي الا يمكن ان يكون في الامر سر؟ تلك الطالبة جاءت محروقة لزيارتي في الصحيفة، كانت ملأى بالامل في ان اقدم لها يد العون في اصدارها لكتاب تريد ان تفاخر به العالم، فرتبت موعدا بيني وبين مدير مدرستها. انا الان متأكد من انني ماض في طريق صحيح ‘دوز دغري’ باتجاه مدرسة تلك الطالبة. زاد في شعوري انني امضي في طريق صحيح، انني بت منذ سنوات بعيدة اربط بين اشكال الأشياء ومضامينها، انا متأكد ان تلك البناية هي المدرسة الموعودة. بعد قليل ساتأكد وستتأكد يا صغيري، همست وانا انظر باتجاه ابني ورائي. واردفت: بعد قليل حينما ترى تلك الطالبة الصغيرة تجري امامنا جري الماء الزلال في نهر تظهر حجارته من سطح مائه، وحينما تراها تتوقف الى جانب كرسي مدير مدرستها ستتأكد يا صغيري من ان والدك يفهم الحياة ويقدر الوقت، ستتأكد من ان العمر ما هو الا برهة من وقت اذا لم نلامس اطراف قدسيتها، باتت هلاما وضاعت كما يضيع العمر بالفعل.

خطواتي الواثقة تدفع ابني ليمضي ورائي واثقا من اننا نمضي في طريق صحيح لننجز كل ما اتفقنا عليه من موعد فاخر فثالث. في الموعد الاول سنلتقي بمدير المدرسة لنتحدث اليه عن حلم تلك الطالبة باصدارها لكتاب. في الموعد الثاني سنلتقي بمن نتوقع ان يتدخل لاصلاح ذات البين بيني وبين ام ابني الحردانة، وفي الموعد الثالث سأدخل الى مكاتب الصحيفة لمعايشة يوم عمل آخر، يمكننا من مواصلة العيش سوية وبعيدا نوعا ما عن الحرد. حينما نصل الى هذا الموعد الاخير، سيعود ابني الى البيت، بيتنا، ليحكي عن دقة والده في مواعيده لعل والدته ترضى.

يمضي الوقت ثقيلا على قلبي المترقب. ندنو، انا وابني، من الصباح في واحدة من روائعه المتقدة، نسمع صوتا طفوليا وراءنا، نلتفت لنرى هناك طالبة بزيها المدرسي تهتف منادية باسمي. نتوقف انا وابني الصغير مانحين اياها فرصة لادراكنا، تدركنا اخيرا، ويفتر ثغرها عن ابتسامة تقول انها تعمدت ان تصل في السابعة والنصف، قبل الموعد بساعة كاملة لأنها مشتاقة للموعد فاللقاء. ما ان استمع الى هذه الكلمات حتى افهم انه تم تقديم الساعة بستين دقيقة كما هو مفترض في التوقيت الشتوي، واننا انما وصلنا، انا وابني، متقدمين ساعة تامة، وليس العكس كما خيل لي. عندها، عندها فحسب اشعر بشعاع من شمس الماضي يلوح في الافق البعيد.. شعاع يقول لي ان تلك الطالبة الصغيرة تشبهني ايام كنت في مثل عمرها، ويؤكد لي انه ما زال امامنا الوفير من الوقت كي ننفذ كل ما اتفقنا عليه من مواعيد فلقاءات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية