توقيع اتفاق التطبيع الإماراتي البحريني مع إسرائيل إعلان التنازل عن الثوابت العربية

سليمان حاج إبراهيم 
حجم الخط
0

الدوحة ـ”القدس العربي”:اختزلت تصرفات وحركات الشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي لحظة توقيعه ونظيره البحريني، اتفاق تطبيع علاقات بلديهما مع إسرائيل، تفاصيل المشهد، وأبعاده، وخلفيات وكواليس ما تم ترتيبه من توافقات، لتفضح تصرفاته العفوية التي شاهدها الملايين على المباشر، مخططات وأهداف الأطراف المجتمعة في واشنطن.

وعكست جلسة مراسيم التوقيع في البيت الأبيض، التي توجت شهراً حافلاً من الأنباء المتواترة، المدى الذي تنوي الدول المطبعة الوصول إليه في علاقاتهما مع إسرائيل، والدوس على موقف عربي قديم يتمثل في عدم الإقدام على مثل هذه الخطوة، من دون التوصل إلى حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الدائر منذ عقود.

المشاهد المباشرة التي نقلتها حتى التلفزيونات الرسمية للدول المطبعة، وظهور ممثلي الدولتين بمظهر مثير، جسدت الحالة التي بلغتها عواصم، لم تعد تكثرت لأي شيء. الملايين تابعوا عبد الله بن زايد، تائهاً، شارداً، مغيباً، لا يدري كيف وأين، وعما يوقع؟

تهكم كثيرون من رجل أبو ظبي، وهو يستدعى مسؤولة تنسيق مراسم التوقيع، مشيراً لها إلى الوثيقة، مستفسراً عما عليه فعله. المشهد تواصل مع اختلاس بن زايد النظر إلى ورقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قام بالربت على كتفه، دون اكتراث لاستفساره، وعندها قام رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو من مقعده، وأشار لابن زايد إلى موضعين في الورقة، وشجعه على التوقيع.

ظهور وزير الخارجية كطالب مدرسي، يسترق النظر خلسة لورقة زميله أثناء الامتحان، كان محل استهجان، وبدى وكأنه فشل في فهم بنود الاتفاقية، أو تحديد الأماكن التي يجب عليه التوقيع فيها، وذهبت تأكيدات أنه لم يكن يدري أصلاً فحواها.

وفَضح الأمر علناً مسؤولون إسرائيليون، سربوا لوسائل الإعلام معلومات، أن وفد البحرين القادم للتطبيع، لم يعرف كافة بنود اتفاقية التطبيع، حتى بعد وصوله إلى واشنطن.

جلسة التوقيع التي وصفها كثيرون بالمسرحية السيئة الإخراج، تواصلت مشاهدها المضحكة على حد وصف تعليقات منتشرة، بعد التوقيع، من دون التزام بإجراءات التباعد الاجتماعي، التي تهكم عليها الأمير الأردني علي بن الحسين شقيق الملك عبد الله، منتقداً قلة المسؤولية.

جذب الثنائي عبد الله بن زايد، وعبد اللطيف بن راشد الزياني، وزيرا خارجية الإمارات والبحرين على التوالي، الأنظار مجدداً بعد مراسيم التوقيع. غادر دونالد ترامب الرئيس الأمريكي وحده مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، تاركين خلفهما مسؤولا البلدين المطبعين، الإمارات والبحرين في الباحة مع الجمهور.

وانتقد كثيرون الموقف المحرج الذي صار فيه ممثلا أبو ظبي والمنامة، في حفل التطبيع، واعتبر كثيرون أن ترامب ونتنياهو حققا مبتغاهما، وحصدا نتائج اتفاق التطبيع، وتركا المطبعين خلفهما بمسافة، بعد أداء دوريهما المطلوب منهما، واستنفدا المهمة التي أوكلت لهما.

وتمثل الاتفاقات انتصاراً دبلوماسياً مهماً لترامب، الذي ظل يتوقع خلال فترة رئاسته التوصل لاتفاقات تحل مشكلات مستعصية مثل برنامج كوريا الشمالية النووي، لكن تعذر الوصول لحلول حاسمة.

وحتى الآن لم يتمكن المحللون والمراقبون من تحديد أوجه الاستفادة التي حصدتها الإمارات والبحرين، فكل الادعاءات التي رُوج لها، دحضت قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به في بياناتهما الرسمية.

وما تزال سلطات الاحتلال الإسرائيلي تؤكد أنها لم تقدم أي تنازل فيما يتعلق بمخططات الضم، وأن كل ما حدث حتى الآن تأجيل، وليس إلغاء. وتتماطل واشنطن أيضاً في منح أبو ظبي المقاتلات التي تحلم بها، في ظل التزام الولايات المتحدة الأبدي، بتحقيق  تفوق حليفتها تل أبيب في مجال التسلح.

وتذهب التحليلات من رصد مكاسب الاتفاق، أن التطور الجديد، يتجسد في نقطة وحيدة، وهي ترسيم علاقة ظلت لسنوات سرّية، بين إسرائيل، وبعض دول الخليج، ومعها توطيد كامل للعلاقات.

كما تعدّ الاتفاقية الإماراتية – البحرينية – الإسرائيلية، نتيجة طبيعية، ومتوقعة لسلسلة من الإشارات والمقدمات، التي ساقتها كلاً من أبو ظبي والمنامة، للدلالة على رؤيتهما وفهمهما المغاير، لما يجب أن تكون عليه العلاقات الخليجية، والعربية مع إسرائيل. وشهدت السنوات الأخيرة حضورا إسرائيليا ملحوظا في مختلف الفعاليات والمؤتمرات الاقتصادية والرياضية، في الإمارات، والبحرين على حد سواء، كما في مؤتمر صفقة القرن (خطة ترامب للسلام) الذي استضافت أعماله العاصمة البحرينية المنامة في حزيران/يونيو 2019 ودعمته الإمارات.

يضاف لذلك التعاون الأمني والعسكري الواسع بين أبو ظبي وتل أبيب، تمخض عنه شراء الإمارات برمجيات تجسس إسرائيلية، وتواجدهما في مناورات عسكرية مشتركة مع بلدان أخرى.

موت المبادرة السعودية

يُكرس الإتفاق الصورة الذهنية السلبية للمحور الخليجي (الإمارات – السعودية – البحرين) في الشارع العربي، وهو المحور المتهم بالتنازل عن الثوابت العربية – وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي – والانزياح عن قضاياه المركزية. وهو ما يبدو جليا وظاهرا من مجمل التغطيات الإخبارية والمواقف المجتمعية المنددة بالاتفاق من مختلف الدول العربية، مثلما كشف عن ذلك البيت الخليجي للدراسات والنشر. ويشدد باحثو المركز في ورقة تحليلية أنه رغم الترسانة الإعلامية الوازنة التي يمتلكها الإماراتيون إلا أنها تبدو عاجزة وتتموضع في موقف الدفاع والتبرير لعقد الاتفاق.

ويستطردون أن الحديث لا يدور عن الروح فقط، فالجانب العملي مهم أكثر. ويرى الخبراء أن مقدمة الاتفاق تتضمن، وإن لم يكن بكلمات صريحة، إعلاناً عن نهاية خطة السلام العربية. حتى وإن كانت تظهر في اجتماعات الجامعة العربية كأمر اعتيادي تؤكد بنوده الخطة، فإنها لفظت أنفاسها.

وتنوّه عدد من القراءات المتابعة للملف، أن ما سمي خطة السلام الإسرائيلي، مع الإمارات والبحرين، ستكون الأساس، للاتفاقات المقبلة مع دول أخرى، تقف في الطابور، وتستعد لولوج المنتدى التطبيعي.

وتصب تصريحات عدد من المسؤولين الإسرائيليين أن الرياض تحديداً ليست بعيدة عن الانضمام لحليفتها أبو ظبي، والمنامة التي تشير التسريبات أنها تلقت ضوءاً أخضر من شقيقتها الكبرى للمضي في المسار.

وجاء آخر تأكيد حول مضي السعودية نحو تل أبيب، على لسان يوسي كوهين رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي الذي صرح علناً أنه يتوقع أن يشهد توقيع الرياض على اتفاق مماثل قريباً.

ويجد الأمير محمد بن سلمان المتورط في فضائح ومشاكل عدة، نفسه منقاداً نحو نهج حليفه محمد بن زايد، وتقديم عربون وفاء لترامب مقابل دعمه وتخفيف الضغوط المسلطة عليه.

وفي السياق جاءت تأكيدات الرئيس الأمريكي، أنه أجرى محادثات شخصية مع ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز، ومع ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، بشأن انضمام المملكة لاتفاق السلام، وقال إن دولاً عربية أخرى ستلحق قريبا بركب ما سماه السلام مع إسرائيل.

وتتجه الأنظار نحو الدول الأخرى التي تلحق بقطار التطبيع العربي الإسرائيلي، منها الخرطوم التي لا يجد ساستها، حرجاً في تأكيد إمكانية الانضمام للمحور التطبيعي.

ويتعزز الموقف من الخرطوم بعد اللقاء الذي جمع يوم 3 شباط/فبراير الماضي، بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، وعبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي في السودان، وعقد في العاصمة الأوغندية عنتيبي. وصرحت المصادر الإسرائيلية، أن مسؤولي البلدين اتفقا على بدء الحوار من أجل “تطبيع العلاقات”. وتم الترتيب اللقاء بواسطة الإمارات العربية المتحدة التي لعبت دور الوسيط.

خيانة القضية

لم تتأخر السلطة الفلسطينية في تأكيد رفضها لتطبيع العلاقات بين الإمارات والبحرين مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، واعتبرت ذلك “خيانة للقدس والأقصى والقضية الفلسطينية، واعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل” من قبل الدول المطبعة. ويظهر الصف الفلسطيني مُوّحداً ضد خطوة أبو ظبي والمنامة، خاصة بين حركتي فتح وحماس، وهو ما تأكد في بيان عن اتصال هاتفي بين محمود عباس وإسماعيل هنية.

وتشدد القراءات المتابعة للملف أن الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه تيار التطبيع، ترويجهم أن ذلك يساهم في تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط، بدون حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولا تزال عدد من العواصم العربية متشبثة بالرغم من الضغوط المفروضة عليها على تأكيد نظرتها أن حل القضية لن يتم دون تحقيق تطلعات الفلسطينيين وتأسيس دولتهم ذات السيادة وعاصمتها القدس وفق المقررات الأممية والاتفاقات السابقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية