«تولون.. الإسكندرية» رواية المصري إبراهيم صالح: عندما يسبح الروائي في بحر التاريخ

حجم الخط
0

صابر رشدي

عندما يُغلق المجال العام، ويُضرب حصار محكم حول الحرية، وتُحاط العوالم التي يمارس فيها الكاتب إبداعه بالحديد والنار؛ حتى لا يستطيع ممارسة دوره المفترض في الاشتباك مع الواقع، بكل تفاصيله، ومجابهته سردياً. ماذا عليه أن يفعل؟ ما ردة فعله، هل يبتعد؟ هل يذهب إلى الكتابة المجانية، والشروع في تسطير هذيانات تجلب جوائز معينة؟
هناك من يبتعد بالفعل، ويلجأ إلى الصمت، ومن يكتم أشياء يود البوح بها، وهناك من يحاول التمسك بحريته في القول والكتابة. آخرون يميلون إلى الموائمات، وتخفيض سقف الحرية، طوعاً، إلى الدرجة صفر. وثمة من يمضون إلى غايتهم بوسائل وأساليب ذكية، ويعرفون أن فن الأدب أدخر أبواباً كثيرة للعبور منها بأي حمولة حرية، يبوح فيها المبدع بما يريد.
في الأجواء الخانقة يتوافر عنصران: الرمز والتاريخ. فليكن باب التاريخ هو الملاذ، يمر منه من يريد، وفي جعبته ما يكفي من الرمز. اختيار حقبة معينة، تمثل نموذج مشابه للحاضر، كإحالة مرجعية، استقصائية إلى حد ما، هروباً من وصف الآني، والابتعاد عن مخاطره، المهم العثور على مقطع زمني جذاب، مشوق، يحمل داخله العناصر التي تتيح له النجاح، فالتاريخ حسب ماركس، دائما ما يعيد نفسه. تارة في شكل مأساة، والأخرى في شكل مزحة سخيفة.
إن الإبحار في الزمن ليس نزهة يراد بها الترويح عن النفس، لكنه محاولة لعرض حالة مشابهة للحاضر، بكل نتائجها، لتكون بمثابة إنذار، ودرساً، واستخلاصاً للعبر.  الكتابة خير من الصمت، حتى لو اتخذت لها أقنعة أخرى، وأحداثاً ملفقة، واعتمدت إشارات غامضة، وركنت إلى التخييل رفقة الوقائع الحقيقية. استعادة التاريخ، محاولة للتغلب على القلق، ولحظات الإحباط، خطوة إلى الأمام، إلى المستقبل، تعتمد الماضي، وتستلهم منه الأمل.
“تولون الإسكندرية”، بعنوان فرعي آخر هو “رحلة الأمير كمال الدين حسين”، رواية تاريخية، يعود من خلالها الروائي المصري إبراهيم صالح إلى الوراء قليلاً، ناظراً بتأمل لما جرى، ملتقطاً عدة مشاهد مؤثرة من العصر الحديث، إبان حكم الأسرة العلوية، حقبة مازالت تداعياتها ماثلة حتى هذه اللحظة، جالباً للقارىء شخصيات تستحق التوقف طويلاً أمام حيواتهم، ومصائرهم، من خلال اللعب بتقنية الزمن، تقديماً وتأخيراً، حتى يظن المتابع أنه يعاين شخصيات معاصرة، لكنها تعتمر طرابيش حمراء، وملابس تاريخية. المكان الرئيس الذي يمثل شاشة عرض تدور عليها دراما متكاملة هو السفينة “دارتينيان”، التي تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، لتعبر المسافة من ميناء تولون بفرنسا إلى ميناء الإسكندرية، تحمل على متنها الأمير كمال الدين حسين، بطل الرواية، شخصية يجب التوقف عندها، وقراءة سيرتها الذاتية بعمق، لكن يبدو أن تاريخ العالم يتسع للأشرار فقط.
يبدأ الراوي، المؤلف، بالفصل المعنون “تولون….” حيث كل الفصول مرقمة ولها عنوان: 7/8/1932 م.
تتهادى دارتينيان مبحرة من أوروبا تشق سطح البحر، تبدأ رحلتها من ميناء تولون بجنوب شرق فرنسا، تمضي بإصرار وثبات فوق مياه عميقة ومظلمة وغامضة، يبلغ طولها حوالي الثلاثمائة متراً وترتفع عن مستوى سطح البحر بحوالي السبعين متراً، تتعدد طوابقها كما لو كانت مجمعاً سكنياً شاهق الارتفاع، مزودة بالمصاعد في مختلف الأرجاء لتسهيل حركة الرواد والركاب من السائحين والمسافرين، تفتح المصاعد على ردهات وممرات مطلية بلون الذهب. يمضي في الوصف حتى يصل إلى مكان الأمير، يقف كمال الدين حسين وبجانبه أحد الدراويش، مهيب الطلعة، نحيف وطويل يرفل في جلباب أبيض، يشع ضياء، يتطاير الجلباب، ويمتلئ بالهواء مع موجات الرياح المتوالية، تحيط أطرافه المتطايرة بكمال، تحتويه، وتغرقه في طياتها. يبدو الاثنان كما لو كانا شخصاً واحداً.
منذ اللحظة الأولى، تلتقط نبرة الوصف المتأنية جوهر شخصية البرنس كمال الدين حسين ابن السلطان حسين كامل وحفيد الخديوي إسماعيل ابن إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر. نحن نعاين صورة أمير، مؤمن بالتقاليد الصوفية، نفس نقية، للروحانيات دور في حياته يكشفه الكاتب مبكراَ. فقد بدء بالتاريخ الحقيقي، وعليه أن يملأ الفجوات، ويعيد صياغة هذا الماضي.
النقلة الثانية، نعرف من هي أم الأمير، إنها الأميرة عين الحياة، ابنة الأمير المغدور أحمد رفعت ابن إبراهيم باشا، نقلة تضيء لنا عالم غامضاً، مظلماً، تدور حوله أقوال متضاربة. حكايات القصور والملوك والأمراء. الطمع في السلطة، المؤامرات، الغدر، القتل. تروي عين الحياة لولدها كمال منذ كان صبياً قصة مصرع أبيها، الذي كان ولياً للعهد باعتباره أكبر أبناء إبراهيم باشا، ويحق له اعتلاء العرش بموجب فرمان الوراثة، عندما كان يحكم مصر عمه الوالي محمد سعيد، والذي كان يفضل عليه شقيقه إسماعيل. تحكي له عن العيون المنبثة في كل مكان، الأذان التي ترهف السمع وتنقل الكلام، تحكي له عن الأغوات والعبيد، والخدم الذين يقومون بهذه المهام. لقد أغرقوا عربة القطار بوالدها في نهر النيل، كان في ريعان الشباب، الثالثة والثلاثون، يريد الخديوي سعيد تمهيد الطريق لعمها إسماعيل، كي يصبح ولي العهد. إنها ألاعيب الحكم في كل مكان، وفي كل الأزمنة، في كل الحضارات، وعند كل الأمم والأنظمة: ملكية، جمهورية.. ألخ. صراعات ضارية، شهوة السلطة تفوق شهوة الجنس، فهي ستأتي بكل شيء: التحكم بمصائر البشر، النفوذ، الثروة، والجنس أيضاً.
يجوس الكاتب في أروقة الزمان، يقفز مجدداً إلى السفينة دارتينيان، يلقي الضوء على لحظات مودة، عاشها البرنس كمال الدين حسين مع الفرنسية سوزان، التي ألقت بنفسها في طريقه، بلباقة، لتصاحبه في رحلة العودة. بعد هذا المشهد، ندخل إلى عالم التصوف، تكية الدراويش الرابضة في سفح جبل المقطم بالقاهرة، نرى أتباع الطريقة البكتاشية، التي أسسها الشيخ خنكار محمد بكتاش في تركيا. أما الذي قدم إلى مصر فهو قبوغوسز، أخلص مريديه وأعلاهم منزلة لديه. جاء لينشر الطريقة، وتسمى بعبد الله المغاوري. كُتب على باب تكيته بأعلى الجبل، باللغة التركية:
إن دار العارفين هذه، هى مقام السلطان المغاوري.
صومعة عشاق الطريقة البكتاشية
دار الصدق والصفاء فادخل إليها بقدم الإخلاص.
وحين الولوج من الباب العمومي للتكية توجد لوحة أخرى من الرخام تحوي بيتين آخرين من الشعر:
يفتح هذا الباب العظيم مواجها للعرش الأعلى
حيث تفتح في وجه المؤمنين جنات النعيم
كلما يفتح هذا الباب يفتح باب السماء
ويقرأ الملائكة “بسم الله الرحمن الرحيم”.
منذ صغره، يذهب الفتى كمال الدين حسين، رفقة درويشه، الشيخ مصطفى، إلى هذه التكية، إلى عالم مصفى من الشوائب، لا يعلق به شيء من الدنايا. تخلص سالكوه من ضغط الشهوات، والتشبث بمغانم وملذات الحياة الدنيا. تدور حوارات بين الأمير والدرويش، تتذكر معها كلمات المؤرخ العظيم عبد الرحمن الجبرتي وهو يصف الجد الأكبر، محمد على باشا، مؤسس الأسرة العلوية أن: “من طبعه الحسد والشر والطمع، والتطلع لما في أيدي الناس وأرزاقهم، وهو محب للشوكة، ونفوذ أوامره، ولا يحب إلا من لا يعارضه ولو في جزئية، أو يفتح بابا يهب منه ريح الدراهم والدنانير، أو يدله على ما فيه كسب أو ربح.”
هذا الأمير شخصية مضادة تماماً، حجز جانب النقاء والزهد لنفسه نيابة عن آل محمد على باشا. إنه من طبقة أخرى لا تعبأ بهذا العالم، ولا بأبهة الحكم الفارهة كما سنكتشف لاحقاً، رغم وسامته، وتأنقه، واعتداده بنفسه.
على ظهر السفينة دارتينيان تدور حياة كاملة، تخضع لعناصر الزمن الثلاثة: الماضي، الحاضر، المستقبل. عبر القفزات المتوالية. وقائع تاريخية، ملوك ووزراء، أمراء وأميرات. أوربيون وأتراك، رموز استعمارية ومناضلون وطنيون، جمع كبير من الشخصيات المؤثرة التي عاشت هذه الفترة وتصدرت مشاهدها. تعقد حفلات، وتجري أحداث من نسج الخيال، حوارات دائمة، يطلع معها القارئ على كثير من الوقائع. نستمع إلى الأم، عين الحياة، دائما هي هناك، صوتها يسري عبر نسيج الرواية، تحكي للأمير عما جرى. يخبرنا إبراهيم صالح، بالكثير من خلالها، وهي تحكي لكمال أحوال الأسرة، تنصحه بحب جارف، وتجعله يقف على الحقائق الغائبة، والأسرار المحجوبة بفضل الخوف من العقاب. نستمع إليها وهي تحدثه عن لحظة فارقة في تاريخ هذا البلد:
“حين عجزت مصر يا كمال عن سداد ديونها قامت الدول الدائنة بإرسال مندوبيها ومراقبيها لفحص مالية الدولة، مستر جورج جوشن عن إنجلترا، والمسيو أرمون جوبرت عن فرنسا، نزلا مصر في العام 1876م، يفحصان في الدفاتر ويراجعان إيرادات ومصروفات القُطر، ارتبك إسماعيل صديق مفتش المالية، اعتراه الخوف وأحس بالخطر محدقاً، كل المصروفات تنفق بأمر الخديوي، تفوه ببعض الكلمات التي تمس الخديوي وذمته وقال لهما: إيش أكون… أنا عبد مأمور وأنفذ كل ما يقول الخديوي، وكل التجاوزات التي ترونها بأمره”.
بالطبع، كل من طالع حوليات هذه الفترة، وقرأ أحداثها، يعلم مصير هذا الرجل. ويعرف تماما ما فعله الخديوي إسماعيل، بعدما وصلته الوشايات، وأطلعته على ما قاله أمام تلك اللجنة. لقد كان القرار سريعاً وقاسياً: التخلص من إسماعيل صديق، خنقاً، ودفنه بمكان مجهول على شاطئ النيل، هناك، في أقاصي الصعيد، بعدما صادر أمواله وعقاراته، واتهمه بسوء التدبير، وجمع الأموال بطرق غير شرعية. وعين مكانه حسين كامل ناظراً للمالية.
يدخل أيضاً على خط الحكي حسين كامل، والد كمال، يقص عليه ملابسات توليه الحكم، وكيف صار سلطاناً على مصر. أو بالأصح، يخبرنا المؤلف، بطريقة ذكية، الحكاية كلها، على لسانه. يحدثنا عن سفر الخديوي عباس في العام 1914م، إلى الأستانة، وعن كراهية الإنجليز لعباس، وعن قيام الحرب العالمية الأولى في هذا العام، انتهاز فرصة غياب عباس، وعرض العرش على حسين، مؤكدين له أن الخديوي لن يسمح له بالعودة مرة أخرى، وأن عليه أن يقبل الحكم. لقد استقدموا زعيم الطائفة الإسماعيلية أغا خان محمد سلطان لزيارة مصر، للضغط على المصريين باحتمالية تنصيبه ملكاً عليهم، وانتهى الأمر بإعلان الحماية البريطانية على مصر، لتزيل بذلك الوجود الشرعي للخلافة العثمانية. صار السلطان الذي بلا سلطات، يستأذن المندوب السامي في كل كبيرة وصغيرة، كأنه موظف لديهم وليس حاكما لمصر، مكروها من الشعب، حيث جرت محاولات كثيرة لاغتياله، يمرض ويتعرض للاكتئاب، يهرب إلى أرجاء المحروسة مبتعداً عن إذلال الإنجليز له.
في مشهد تاريخي تعرض السلطنة على كمال الدين، يذهب إليه حسين رشدي باشا رئيس الوزراء، وممثلاً للوكالة البريطانية، وسعد باشا زغلول بصفة ودية، فلم يكن بالوزارة. يرفض كمال حكم مصر رغم أحقيته في العرش، يضغط سعد باشا، حتى لا يفرض الإنجليز شخصاً آخر، ربما يكون إنجليزياً هذه المرة وتصبح مصر ولاية خاضعة لهم. يستعطفه حسين رشدي أن يقبل: حتى لا يذهب السلطان لمن لا نريد. شخصكم الكريم محط إعجاب وإجماع الكل. يضغط سعد باشا، بعد أن يكتب كمال رسالة مهذبة بالسماح له بخدمة بلاده وهو على حاله، بعيداَ عن العرش. يتساءل سعد زغلول مندهشاً: من ذا من البشر يرفض عرش السلطان؟
يلجأ سعد باشا، ونلجأ معه إلى “لو” صار كمال هو السلطان، لكن حظ مصر السيء يحرمها من أنبل أبناء محمد على وأغزرهم علما، وضميراً، وقرباً من الله. العارف بتضاريس مصر ودروبها كمستكشف شهير ورحالة دؤوب. جاب صحاريها وأماكنها النائية.
ويدخر إبراهيم صالح مفاجأة فنية إلى نهاية الرواية، حين نكتشف أن السفينة دارتينيان تقل جثة كمال الدين حسين عائدا إلى مصر. وأن ما كان يدور من حوارات ولقاءات كان يدور داخل عالم أثيري، أرواح الشخصيات. ذاهبة، آيبة، تتحرك داخل عالم نوراني يخص كمال الدين حسين، نقاء بللوري يليق بهذا الأمير الجليل، وكتابة مشحونة بغنائية رقيقة، نجح من خلالها في جعل هذا العمل ممتعا، شائقاً، يستحق القراءة، والتقدير.

إبراهيم صالح: “تولون.. الإسكندرية”
دار النسيم، القاهرة 2021
178 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية