توماس دانفورد: العود الباروكي والأثر العربي في الموسيقى الكلاسيكية

للعازف الفرنسي توماس دانفورد أسلوب جميل في العزف على العود الباروكي، وعلاقة قوية تربطه بهذه الآلة الموسيقية التي أخذتها أوروبا عن العرب، وغيرت من شكلها وعدد أوتارها، وأوزانها ومقاييسها، بما يلائم الطابع الموسيقي الغربي، ولم يكن العود هو الآلة الموسيقية العربية الوحيدة التي اقتبستها أوروبا، بل سبقته في ذلك آلة الرباب، التي انتقلت أيضاً إلى أوروبا عن طريق العرب في إسبانيا، وكانت هي الأصل الذي نبعت منه الآلات الوترية، التي يتم العزف عليها بواسطة القوس، كالكمان والفيولا والتشيللو والكونترباص، لكن بالطبع اختلفت هذه الآلات كثيراً عن الأصل، وتطورت عنه بمراحل بالغة، جعلت من ذلك الأصل مجرد ذكرى قديمة باهتة، إلا أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للعود، فقد ظل حاضراً بقوة، ومحافظاً على وجوده في الموسيقى العربية، ولم يتحول إلى آلة فلكلورية تعمل في نطاقها المحدود جداً كالرباب، واكتسب صوته دائماً محبة الأذن العربية، وارتبط لدى المستمع العربي بأمهر العازفين في المشرق والمغرب على السواء، وفي أوروبا أيضاً استطاع العود أن يظل حاضراً، وأن يكون جزءاً من تاريخها الموسيقي الهائل، حيث ألف له عظماء الموسيقى الكلاسيكية مقطوعات منفردة، وكان عضواً في مجموعات العزف الصغيرة، كما صاحب الصوت البشري والغناء في بعض آريات الأوبرا، وبات علامة بارزة تميز حقبا موسيقية مهمة بأكملها، كعصر الباروك الذي امتد زمنيا من عام 1600 إلى عام 1750.
فعندما يرى المرء هذا العود الكبير بذراعه الطويلة، أو يسمع صوته الجميل المختلف بإحساسه عن بقية الآلات الوترية، يعرف على الفور أنه انتقل إلى زمن موسيقى الباروك، حيث يوجد يوهان سباستيان باخ، وجورج فريدريك هاندل، وأنطونيو فيفالدي، وغيرهم من الأسماء التي قد تقل شهرة، لكن موسيقاها لا تقل جمالاً، وبعضها قد يكون الأجمل، ويمكن وصف موسيقى الباروك من أجل تحديد أهم سماتها الفارقة التي تميزها عن غيرها، بأنها الموسيقى المزخرفة ذات الخطوط المتشعبة، التي يكثر فيها التنميق والتزيين، وإضافة الحليات والتدقيق في التفاصيل الفنية، وإتقان الصنعة، سواء في المقطوعات الصعبة، بما تحتوي عليه من تعقيدات قد تصد البعض عنها كموسيقى يوهان سباستيان باخ، أو في المقطوعات اللطيفة، وإن كانت لا تخلو من التعقيد أيضاً، التي يجدها المستمع سهلة وقريبة إلى نفسه، كموسيقى أنطونيو فيفالدي، وفي كل من الحالتين لا بد من إتقان الصنعة، بمعنى أن يكون الموسيقي صنّاعاً، وأن يكون عازف هذه المقطوعات صنّاعاً هو الآخر، هذه الموسيقى هي أكثر ما يعزفه توماس دانفورد، ويقدمها إلى الجمهور في حفلاته، وينقلها إلى الجمهور الأوسع انتشاراً من خلال ألبوماته الموسيقية أيضاً، وكأن هذا الفنان المولود عام 1988 ينتمي وجدانياً إلى عصر الباروك، وقد جذبته أكثر آلات ذلك العصر تفرداً، فكان العود تخصصه الدراسي في كونسيرفتوار باريس، وعشقه الكبير على ما يبدو، فهو يحتضنه بحب ورفق، وينحني عليه ليلامسه بخده، كما كان يفعل فريد الأطرش، ثم يحاوره بحنان ويرهف السمع للأنغام الصادرة منه ويهيم مع اللحن، فالعازف الماهر يعتمد على حاسة السمع كما يعتمد على مهارة الأصابع، ويمرر دانفورد أنامله على الأوتار بغير عنف أو قوة، وهو بالطبع يحكم السيطرة على آلته بشكل تام، لكنه لا يظهر هذا، ولا يستعرض قدراته بعلو وتكبر، بل يبدو متواضعاً غير متكبر، هادئاً في أغلب حالاته حتى في أوقات العزف السريع، ولا يبالغ في إشاراته الجسدية، ويكون منجذباً نحو العود طوال الوقت، ولا يكفيه أنه بين أحضانه، فتومئ رأسه باتجاهه بين اللحظة والأخرى كأنه على وشك أن يقبله.

لا يعزف دانفورد على آلة واحدة، فيقوم أحياناً بالعزف على عود ذي ذراع طويلة، ثم يضعه جانباً، ويمسك بآخر ذراعه أقصر وأعرض إلى حد ما، ومهما اختلفت أشكال هذه الآلة ومسمياتها أيضاً من لوت إلى آرشيلوت إلى تيورب، فإنها في النهاية آلة العود بمراحل تطورها في الغرب.

قد يحار المستمع العربي قليلاً عندما يصغي إلى صوت العود الباروكي للمرة الأولى، وعندما يرى شكله أيضاً، وربما يبدو له مظهره جافاً وأقل جمالاً وبهاءً من العود العربي بعد أن تخلص من نقوشه كافة تقريباً، واكتسب غرابة ما بفعل الذراع الطويلة والعدد الهائل من الأوتار، ما أحدث تغييراً في صوته ونغماته بطبيعة الحال، وقد يوحي ذلك التغيير بأنه مهاجر أكسبته الغربة لكنة مختلفة، وأعادت تشكيل فكره ووجدانه، لم يفقد رقته وشاعريته، لكنه تخلص من الضعف العاطفي المفرط، والحزن العميق، والنغمات الشجية التي تفيض بالأسى، وانفتح على أنواع مختلفة من الموسيقى، وذهب إلى مساحات شاسعة ليحلق في فضاء أرحب، وهو رغم كل ذلك، لم يتخفف من عاطفته الحارة، لكنه بات يعبر عنها بأسلوب آخر، قد يستغربه المستمع العربي، ويقول لماذا أستمع إلى هذه الآلة ولديّ العود الأصلي الثري بأنغامه الشجية، وقد يقول البعض أن هذه الآلة بعيدة عن العود وأقرب إلى الغيتار، أو إنها شيء ما تائه وحائر بين الاثنين، لكن عندما ينظر إلى هذا العود كآلة مستقلة بشخصيتها المتفردة، ويستمع إليه بتأن، ويحسن الإصغاء إلى صوته، دون أن يتوقع أو ينتظر منه أن يأتي بما يستطيع العود العربي أن يصنعه، حينئذ سيكتشف جمال هذه الآلة، وسيتفهم فرادة صوتها، وسيحن إلى هذا المهاجر الذي لا تزال في أعماقه نقطة عربية لا تمحى.
لا يعزف دانفورد على آلة واحدة، فيقوم أحياناً بالعزف على عود ذي ذراع طويلة، ثم يضعه جانباً، ويمسك بآخر ذراعه أقصر وأعرض إلى حد ما، ومهما اختلفت أشكال هذه الآلة ومسمياتها أيضاً من لوت إلى آرشيلوت إلى تيورب، فإنها في النهاية آلة العود بمراحل تطورها في الغرب، ومنها اللوت مثلاً، الذي يرجع وجوده إلى عصر النهضة كما يقال، ويستخدمه دانفورد في لعب بعض مقطوعات جون داولاند، الذي عاش في أواخر عصر النهضة وبدايات عصر الباروك، وألف لكل زمن موسيقاه، وبعيداً عن جون داولاند، فإن أغلب ما يعزفه دانفورد هو موسيقى باروكية خالصة بكل تأكيد، ومن خلال عزفه يمكن الاستماع إلى مجموعة كبيرة من المؤلفات الموسيقية، والتعرف على جوانب مختلفة من نتاج عصر الباروك الفني، وكذلك اكتشاف قدرات هذا العود في الأداء المنفرد، والعزف الثنائي مع آلات أخرى كالهاربسيكورد والفلوت الباروكي، أو مع مجموعة صغيرة، وكذلك مصاحبته للغناء الفردي، وعندما يذكر الغناء في عصر الباروك، يجب أن يذكر جورج فريدريك هاندل، الموسيقي الألماني الذي يعد من عظماء ذلك العصر، والذي اهتم كثيراً بفن الأوبرا إلى جانب مؤلفاته الموسيقية البحتة، وأبدع الكثير من الآريات التي يغنيها صوت الكونتر تينور من الرجال، وصوت الميتزو سوبرانو من النساء، واعتمد هاندل على العود في تلحينه لبعض هذه الآريات، ومنها آريا بعنوان Ombra mai fu التي يعزفها دانفورد مصاحباً لصوت ليا ديساندريه، أما العزف الجماعي فيرتبط باسم الموسيقي الإيطالي أنطونيو فيفالدي، الذي ألف أكثر من كونشيرتو للعود، ويبدع دانفورد في إظهار حيوية ورشاقة هذه الألحان السريعة إلى حد ما، سواء في لحظات الانفراد التام، أو الاندماج مع المجموعة بمزيد من المرح والانطلاق، أما الموسيقي الألماني يوهان سباستيان باخ الذي يعتبره البعض سيد عصر الباروك، فقد خصص دانفورد لمؤلفاته للعود ألبوماً كاملاً، وقد كتب باخ لهذه الآلة عدداً من المقطوعات، التي هي بلا شك صعبة ومعقدة للغاية كموسيقاه بشكل عام، لكن صوت العود وأسلوب عزف دانفورد يبسطها ويقربها بعض الشيء، ويساعد المستمع على الدخول إلى عالم باخ الموسيقي الشاسع، ومن الأسماء التي قد لا تكون معروفة بالقدر نفسه، ولا تحظى بالشهرة الكبيرة التي يحظى بها كل من هاندل وفيفالدي وباخ، هو اسم الموسيقي الإنكليزي جون داولاند، الذي يعزف له دانفورد مجموعة من الألحان الرائعة حقاً، بسحرها القديم المنبعث من الأزمنة البعيدة، ومن أجمل هذه الألحان قطعة بعنوان Lachrimae توضح بشكل كبير إحساس هذا العود وما يستطيع أن يعبر عنه من مشاعر، بالإضافة إلى قطعة أخرى بعنوان Toccata 1 للموسيقي النمساوي الإيطالي كابسبيرجيه.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية