توماس فريدمان في العربية : الصدفة الاسوأ من الف ميعاد!
عبد السلام بنعيسيتوماس فريدمان في العربية : الصدفة الاسوأ من الف ميعاد!قدمت قناة العربية يوم الاثنين 30 تشرين الاول (اكتوبر) علي الساعة التاسعة مساء شريطا وثائقيا تحت عنوان: تقرير لتوماس فريدمان.. الجدار الفاصل. الشريط الوثائقي كما هو مبين من عنوانه لتوماس فريدمان الصحافي الامريكي الشهير الذي ينشر مقالاته في جريدة نيورك تايمز ، وتتم ترجمتها واعادة نشرها في بعض الصحف العربية، ويقال والله اعلم انه هو الذي حرر مقررات مؤتمر القمة للرؤساء والملوك العرب الذي انعقد في بيروت سنة 2002، تلك المقررات التي نصت علي استعداد الدول العربية للاعتراف والتطبيع الكامل والشامل مع اسرائيل، مقابل انسحابها من الاراضي التي احتلتها سنة 67، غير ان شارون الذي كان يراس وقتها الدولة العبرية رفض هذه القرارات، وقام باقتحام مخيم جنين، ودك مبانيه فوق رؤوس ساكنيه، وسحق النساء والاطفال والشيوخ تحت الجدران.. والبقية معروفة.توماس فريدمان حاول ان يبدو محايدا في الشريط المذكور، فلقد انتقل الي اسرائيل، والضفة الغربية وقطاع غزة، وتحديدا الي الاماكن التي يمر منها الجدار الفاصل الذي بنته اسرائيل ليعزلها عن الفلسطينيين، وترك الكاميرا تنقل لنا الصور المعبرة عن المعاناة الشديدة التي يسببها الجدار للفلسطينيين، واخذ تصريحات منهم ومن الاسرائيليين عن الجدار، وكذلك عن المعابر ومناطق التفتيش التي يقيمها الجيش الاسرائيلي امام الفلسطينيين، وقدم شهادات لهم تحدثوا خلالها عن الاذلال الذي يمارسه عليهم الاسرائيليون في المعابر، وعن الارض الفلسطينية التي اغتصبها منهم الجدار الذي، كما قال الكثيرون منهم، انه يقضي علي حلم بناء الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة..اذا كان توماس فريدمان قد حاول في شريطه الوثائقي ارتداء جبة المحايد والموضوعي في تناوله لملف الجدار الفاصل، فان المشاهد لهذا الشريط يخرج بخلاصة واحدة ظل يؤكد عليها معد الشريط ومقدمه، وحرص علي ان يخرج مقتنعا بها، باعتبارها حقيقة لا يرقي اليها الشك، كل من شاهد الشريط. وهذه الخلاصة تُخْتصر في كون منظمة حماس خصوصا، والشعب الفلسطيني عموما، هما المسؤولان عن اقامة اسرائيل لهذا الجدار.جميع الاسرائيليين، سواء المدنيين او العسكريين الذين ظهروا في الشريط، كانوا يتكلمون بلغة المجبرين علي تشييد الجدار، لقد كانوا يقرون بان بناء الجدار فعل شائن ويسبب المآسي للشعب الفلسطيني، وكانوا يبدون تعاطفهم مع الفلسطينيين، ولكن الاسرائيليين جميعهم كانوا يقولون في نهايات تدخلاتهم، انهم مرغمون علي بناء هذا الجدار، لانه، وفقا لكلامهم، الوسيلة الوحيدة التي تحميهم من الانتحاريين الفلسطينيين الذين يفجرون انفسهم في الباصات والمطاعم والملاهي الليلية الاسرائيلية..بنيامين نتنياهو قال في الشريط ما معناه ان بناء الجدار في مصلحة الفلسطينيين والاسرائيليين، ففي نظره لم تجلب العمليات الانتحارية التي يقوم بها الشبان الفلسطينيون اي فائدة لا للاسرائيليين ولا للفلسطينيين، وان الجدار سيتيح للشعبين امكانية التفاهم فيما بينهما لبناء السلام المنشود.لقد التقي توماس فريدمان بشبان فلسطينيين في مقر لتنظيم سياسي فلسطيني، وتحاور معهم، ورغم انهم كانوا غير ملتحين وغير منتمين لا لحركة حماس ولا للجهاد الاسلامي، فانهم صارحوا معد البرنامج ومقدمه برغبتهم في التحول الي استشهاديين، لان لا خيار امامهم سوي القيام بالعمليات الاستشهادية لاجبار الاسرائيليين علي الاقرار بحقوقهم.خاتمة الشريط تضمنت صورا لمخلفات عملية استشهادية قام بها شاب فلسطيني واودت بحياة 9 اسرائيليين، وبدت في الصورة مجندة اسرائيلية في ريعان شبابها، وتتمتع بمسحة واضحة من الجمال، ومن وسط الحشد الذي كان حاضرا في مسرح العملية، وفي خضم الرعب الذي خلفته العملية، تكلمت المجندة الاسرائيلية والدموع تنهمر من عينيها، عن اصدقائها الجنود الذي سقطوا جراء هذه العملية، ونقلت الكاميرا للمشاهد صورا من اطراف لجثث ممزقة ومقطعة بفعل التفجير، وكانت المجندة تخاطب الجمهور بلغة عاطفية ومؤثرة، وصور اطراف الجثث تتراقص علي الشاشة الصغيرة، امام انظار المشاهدين..الشريط المذكور كان مترجما من الانكليزية الي العربية، لقد اعد سنة 2004 لفائدة قناة امريكية وقدم فيها لاول مرة. الانطباع الذي سيخرج به المشاهد الامريكي الذي ليس علي المام بتفاصيل الملف الفلسطيني وخلفياته، هو ان اسرائيل ضحية، والشعب الفلسطيني جلاد. انه يجبرها علي بناء الجدار الفاصل، ويرغمها لكي تمارس عليه القمع والبطش والاضطهاد.الجمهور الامريكي ليس لديه الوقت لكي يسأل عن الاسباب التي ادت الي ظهور حركة حماس واستقطابها لقطاع واسع من افراد الشعب الفلسطيني، وان ذلك ناتج عن وصول العملية السياسية الي الطريق المسدود، وان القيادة الفلسطينية المعتدلة قدمت لاسرائيل كل التنازلات الممكنة من اجل اقامة سلام عادل مبني علي اسس الشرعية الدولية، ولكن الدولة العبرية ظلت ترفض باصرار كل عروض السلام المقدمة اليها من طرف العرب والفلسطينيين، وتمعن في مواقفها اليمينية المتطرفة الي ان انتج سلوكها في الجهة المقابلة تشددا فلسطينيا..توماس فريدمان يتحدث في الشريط عن اختيار الشعب الفلسطيني لحماس ومساندته لخطها الاستشهادي، وكانه فعل نتج للحظة تلك التي كان يصور فيها البرنامج، وصدر بشكل تلقائي واختياري لدي الفلسطينيين، وانهم المسؤولون لوحدهم عنه وعن تبعاته بما في ذلك هذا الجدار الذي بنته اسرائيل ليفصلها عنهم.يتجاوز فريدمان حقيقة كون الانتفاضة الفلسطينية بدات في منتصف الثمانينات بشكل سلمي، وان اطفالها كانوا يرمون الجنود الاسرائيليين فقط بالحجارة، ونتيجة لذلك كان العشرات منهم يسقطون شهداء وضحايا الرصاص الاسرائيلي، وكان الاعلام الاسرائيلي يصف آباء الاطفال الفلسطينيين الذين استشهدوا بكونهم آباء بلا رحمة ولا قلوب، لانهم يرسلون ابناءهم للموت برصاص الجنود الاسرائيليين.. فالاسرائيلي في نظر نفسه، وفي نظر الذين يساندونه، دائما بريء، وضحية، والفلسطيني في المقابل، دائما مذنب ومعتد، ولذلك فانه يستحق ما يمارس عليه من حصار بالجدار، او من قتل بالرصاص، او من استيلاء علي ارضه، وتجريف لها، ورفض للاقرار بحقوقه التي تكفلها له المواثيق الدولية.يعلم توماس فريدمان الشحنة التي تحتويها كلمتا جدار وفاصل لدي الرأي العام الامريكي، انهما مرتبطتان في ذهن المواطن الامريكي بجدار برلين، وبالشمولية والنظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية والقمع الذي كان ممارسا علي شعوب ذلك النظام، كما ان كلمتي الفصل والجدار تذكران الجمهور الامريكي بنظام الفصل العنصري الكريه الذي كان سائدا في جنوب افريقيا، والذي نددت به البشرية جمعاء، وقاطعته الي ان اجبرت القائمين عليه علي التخلي عنه ونبذه. ويبدو انه خوفا من ان يرتبط اسم الجدار الفاصل في اسرائيل لدي الرأي العام الامريكي بالعنصرية والقمع والاضطهاد الممارس علي الشعب الفلسطيني من جانب اسرائيل، كما كان الامر مع جدار برلين في اوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي، والفصل العنصري في جنوب افريقيا، فان فريدمان، وهو المعروف بولائه المطلق للدولة العبرية، بادر لانجاز هذا الشريط، ووضبه وادخل عليه التحسينات الضرورية لكي يبدو جدار الفصل الاسرائيلي جدارا لا علاقة له بما سبقه من جدران. انه جدار مغاير لكل الجدران بنسبة 180 درجة، فلقد انشئ بسبب عنف وعدوانية الفلسطينيين، وان اسرائيل التي شيدته ضحية من ضحاياه، وانها تحتمي به مجبرة من ارهاب الفلسطينيين، وانه مشروع ضروري لانجاز السلام وتامين التعايش بين شعوب المنطقة..اذا كان المثل العربي يقول ان الصدفة خير من الف ميعاد، فان توقيت بث هذا الشريط كان عشية اليوم الذي اعلن فيه عمير بيرتس وزير الدفاع الاسرائيلي وكبار قادة جيشه عزم اسرائيل توسيع عملياتها العسكرية في قطاع غزة، وربما اعادة احتلال اجزاء كبيرة منها، وقتل المئات من الفلسطينيين، وتدمير ممتلكاتهم وتحويل حياتهم هناك الي جحيم اقوي من الجحيم الحالي حيث يعيشون..الصدفة في هذه الحالة اسوأ من الف ميعاد. فنحن نعتبر بحسن نية قناة العربية فعلا قناة عربية، وان بثها لشريط توماس فريدمان عشية الاعلان عن عزم اسرائيل اعادة احتلال قطاع غزة، كان مجرد صدفة محضة، وان العربية لم تكن تنوي اعداد مشاهديها العرب نفسيا لكي يتقبلوا ما سيحل بالشعب الفلسطيني من دمار، وان يلقوا باللائمة علي حركة حماس والفلسطينيين لانهم هم الذين يتسببون لانفسهم فيما يلحقهم من قتل وتدمير من طرف الاسرائيليين، فـ العربية بريئة وفريدمان ايضا بريء، المذنبون ربما هم الفلسطينيون.صحافي من المغرب[email protected]