انطاكيا ـ «القدس العربي»: من ضمن 81 ولاية تركية، تبرز تونجلي متفردة بخياراتها السياسية في كل استحقاق انتخابي، فهي تبدو الولاية الأكثر معارضة لحزب العدالة ذو الميول الإسلامية، وغالباً ما يحصل حزب العدالة الحاكم على أقل الأصوات فيها، من بين كل محافظات تركيا، ولعل أبرز النتائج الملفتة لها، كانت في استفتاء النظام الرئاسي عام 2017 في تركيا، حيث حاز اردوغان على أكبر كمية «لا» من محافظة تونجلي، بنسبة تصل إلى 80٪.
وفي الانتخابات المحلية الأخيرة، برزت تونجلي مجدداً، بانتخابها الحزب الشيوعي التركي بنسبة 33٪، الحزب الذي لا يكاد يظهر في أي من المحافظات التركية الواحدة والثمانين بوجود مؤثر، ولعل التركيبة الاثنية والطائفية الفريدة لتونجلي تفسر هذه الميول الرافضة بشدة لحزب العدالة التركي الاسلامي، إذ أن أغلب سكانها من الأكراد العلويين لا الأكراد السنة الذين يحصل حزب العدالة عادة على جزء من أصواتهم في محافظات جنوب شرق تركيا، كما أن انتماءهم للطائفة العلوية يجعلهم أكثر تحفزاً ضد حزب العدالة الذي كثيراً ما يبني دعايته الانتخابية وخطابه السياسي على أمجاد الدولة العثمانية، التي يمقتها بشدة العلويين الأتراك متهمينها بارتكاب مجازر بحق العلويين، وخاصة الخليفة العثماني السلطان سليم الأول، ياوز سليم، المتهم بارتكاب مجازر ضد العلويين في الأناضول، وحلب، قبل ستة قرون، لاعتباره أن العلويين ناصروا خصومه الصفويين، ولعل قضية إطلاق الحكومة التركية اسم السلطان سليم على جسر اسطنبول الثالث، تبرز مدى التوتر العلوي من سياسات حزب العدالة الحاكم، وتوضح أن العلويين الأتراك لا تعنيهم كثيراً الإنجازات الاقتصادية، والخدمات التي قدمها حزب العدالة، ومن بينها بناء هذا الجسر الثالث، الذي يربط شقي اسطنبول الأوروبي بالآسيوي، بل ركزوا على اسمه، في إشارة لطغيان الحسابات الأيدولوجية على الخدمية في النظر لحكومة حزب العدالة لديهم.
رئيس الحزب الجمهوري والمعارضة التركية، والذي هو أيضا ًعلوي ينتمي لمدينة تونجلي، انتقد بشدة تسمية الجسر آنذاك بهذا الاسم، وطالب بتغييره، وسانده أيضاً عدد من قادة حزبه والمثقفين العلويين، اذ قال حينها، عز الدين دوغان زعيم وقف «جيم» (جمع) العلوي في حوار مع صحيفة «مليت»، أن «إطلاق اسم السلطان سليم على الجسر خطيئة لا تغتفر»، أما كمال بلبل، وهو رئيس جمعية ثقافية للعلويين تدعى «بير سلطان عبدال»، فقد قال حينها في مهرجان أقيم في منطقة قاضي كوي، في اسطنبول، «أن تسمية الجسر هي نتاج الإسلام السياسي في سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية»
هذا النفور من أحزاب الإسلام السياسي دفعهم للتوجه نحو الأحزاب اليسارية في تركيا، فتجد أن القاعدة الأساسية للقوى اليسارية في تركيا، إضافة للأكراد اليساريين، تتركز في أوساط العلويين إن كانوا من الأتراك أو حتى من أصول عربية، كما الحال في محافظة هاتاي- أنطاكيا، ويبرز هنا اسم معراج أورال، القيادي في ميليشيا علوية من لواء الإسكندرون، وهو يقود تنظيماً يسارياً مطارد من قبل الحكومة التركية، ومؤيداً للنظام السوري، وهو متهم بارتكاب مجازر طائفية ضد القرى السنية كالبيضاء، في اللاذقية، خلال الحرب الأهلية السورية.
واذا عدنا لنتائج الانتخابات التركية فسنجد أن الحزب الشيوعي التركي حقق في تونجلي فوزاً بنسبة 33٪ من الأصوات، بينما لم يحقق في أي محافظة تركية أخرى أكثر من 1٪. وعادة ما تصوت تونجلي لحزب الشعوب الكردي اليساري التوجه أيضاً، أو حزب الجمهوري الذي ينتمي رئيسه لها، رغم أن هذه المدينة المعروفة تاريخياً باسم درسيم، تعرضت لمجزرة نفذها زعيم ومؤسس الحزب الجمهوري أتاتورك، بحقها عندما رفضت الخضوع لسياسات إعادة التوطين التي انتهجها، وبالرغم من اعتذار اردوغان التاريخي عن هذه المجزرة التي نفذت بالطائرات، إلا أن المدينة وبسبب تركز تركيبة إثنية مذهبية خاصة، ظلت الأكثر نفوراً من حزب العدالة والأقرب للأحزاب اليسارية المعادية للإسلاميين، فنفوذ حزب العدالة والتنمية فيها يكاد يكون الأضعف كما توضح نتائج انتخاباتها منذ عقود.