سليم عزوز
ثكلتك أمك أيتها ‘الحيزبون’.. من أراد أن يقف على معنى ‘الحيزبون’ فليستعن بمترجم مصري، فلن أشتغل ‘مغسل موتى’ و’ضامن جنة’، كاتب ومترجم!
ثكلتك أمك، وكان الثكل بعد أن يتزوج عليك زوجك مثنى وثلاث ورباع، لترى العذاب، وتتقطع بك الأسباب، ليكون الثكل نتيجة القهر، وكيد الضرائر!
لقد شاهدت عبر فضائية فرنسية، امرأة تونسية تحرض فرنسا على احتلال تونس، لحماية علمانية الدولة، بعد النجاح الذي حققته حركة النهضة في الانتخابات، ولم تكن مشاهدتي لهذا التلفزيون الفرنسي تمت مع سبق الإصرار والترصد، فلست فرانكفونيا، فأنا ثقافتي فنزويلي، لتقارب الشبه بيني وبين الزعيم هوغو تشافيز، الذي قال البعض أنني أشبهه شكلا، فرددت عليهم بأنه هو الذي يشبه لي.
فاللقطة التي جمعت بين التونسية والمسؤول الفرنسي شاهدتها عبر لقطات مصورة منتشرة على الانترنت، ومعظم مشاهدتي لخالدة الذكر ‘هالة مصراتي’ كانت بنفس الطريقة، وهي طريقة رائعة لأنها تمثل أرشيفاً مهماً لمن فاتتهم بعض المواقف المهمة لرجالات الشاشة الصغيرة ونسائها، وبعد نجاح الثورة في مصر وتنحي الرئيس المخلوع، شاهدنا كثيرين منهم يتحولون، وكنا قد سمعنا عن أدائهم المزري في أيام الثورة، ولم يكن لدينا وقت لمتابعتهم، حتى عمرو أديب، الذي كان وأفراد أسرته ضمن الطاقم المتخصص في تلميع الرئيس المخلوع وأفراد أسرته، ظهر في لقاء تلفزيوني باكياً، بكاء الفرحة، لأنه انتصر أخيراً بسقوط الديكتاتور الذي أعطى أوامره وقال لا أريد ان أرى هذا الولد.’أولاد الحلال’ قطعوا الطريق على الجميع ووضعوا لقطات لمواقف هؤلاء قبل الثورة وحينها، وبعضهم وضع المواقف المتناقضة قبل وبعد الثورة لكثير من المذيعين والمذيعات في لقطات جامعة، أشاهدها من باب التسلية في أوقات الفراغ، وهي أفضل من مشاهدة الفضائيات الكوميدية، التي وجدت شحاً في مجال الكوميديا تقوم بالتغلب عليه ببرامج النكات الفجة، و’الشقلبة’ أمام المشاهد لانتزاع ابتسامته انتزعاً.
اللقطة الخاصة باحدى قنوات التلفزيون الفرنسي أرسلها لي احد الأصدقاء التونسيين، وقد انتشرت بعد ذلك انتشار النار في الهشيم، وانتشار صور حسني المخلوع وهو نائم للمحكمة (بالعرض)، ويقوم ببطولة فيلم (اعمل ميت)، وهذه اللقطة هي لناشطة تونسية، وناشط وناشطة مهنة جديدة منتشرة في الفضائيات، بعد ان راحت علي مهنة (المحلل السياسي)، وقبل الثورة وضعت احدى الفضائيات تحت اسمي لقب الناشط السياسي، فأيقنت على الفور أن مراسلها في القاهرة طارق الشامي يريد ان يقول أنني (خالي شغل)، وبعد الثورة أصبح مصطلح ناشط رائج في الفضائيات، وأصبح الناشطون والناشطات الأحياء منهم والأموات، أكثر عدداً من المتعطلين عن العمل في الوطن العربي!
هدية الصديق التونسيباعتباري ‘ناشطا’ قديما فقد سعدت بهدية الصديق التونسي، التي تمثلت في لقطة تضم ‘ناشطة’ زميلة في عالم النشاط والجودة، وهي تتحدث مع وزير فرنسي، قيل انه وزير الخارجية، وباعتبار ان ثقافتي ‘فنزويلي’ فلا اعرف من المسؤولين الفرنسيين سوى الرئيس ساركوزي، والسيدة طليقته، التي أعجبتني لأنها وقفت بجواره حتي تمكن من النجاح في انتخابات الرئاسة ثم تركته، ولم يمثل لها قصر الاليزيه غواية من أي نوع، فهي لا ترفع شعار ظل رجل ولا ظل ‘حيطة’، أي جدار، وهو الشعار الذي ترفعه العوانس في الوطن العربي.
الناشطة التونسية، تشبه من حيث الشكل الناشطات في غير تونس، لا اعرف ما هو السر في عدم وجود ناشطة جميلة، ومؤكد لو ان جمانة نمور دخلت في درب النشاط والهمة كنا سنشاهد زحاماً من قبل الجميلات ليكون هدف كل واحدة منهن ان تفوز بلقب ‘ناشطة’، ولا ادري كيف هو في ‘وجداني الصعيدي’ وثيق الصلة بلقب ‘مطلقة’ و’أرملة’. جئت إلى القاهرة منذ ربع قرن من الزمان نازحاً من جهينة، التي قال عنها بلدياتي العلامة محمود الربيعي في احد كتبه أنها كانت قرية وتحولت إلى مدينة بعد ذلك، لكن ما لم يقله انها لا تزال حتى الآن تحمل طباع القرية!
وعندما كنت في قريتي لم تكن فيها بطبيعة الحالة امرأة شيوعية، لكن ارتبط في وجداني ولا اعرف من أين جاء هذا، بأن المرأة الشيوعية لابد وان تكون ‘منكوشة الشعر’، ولا تهتم بمظهرها، ولا تتعامل مع الماء إلا في المناسبات الوطنية، واعلم أنها نظرة رجعية، وقبل ان تغضب مني القارئات، أعدكم أنني نويت والنية لله أن اعرض نفسي على طبيب نفسي، لعلي أجد عنده علاجاً لهذه الحالة المستعصية.
لم تكن الناشطة التونسية في اللقطة إياها.. ‘منكوشة الرأس’، لكنها كانت ‘منكوشة’ الفكر، وقد طالبت المسؤول الفرنسي بإعادة احتلال تونس من اجل حماية علمانية الدولة، وذلك بعد نجاح حركة النهضة بنسبة 40 في المئة من عدد المقاعد في انتخابات المجلس التأسيسي، والغريب ان المسؤول أعطاها درساً في الوطنية بليغا عندما قال لها ان تونس بلد مستقل، وليس من سلطته التدخل في شؤونه الداخلية.
الوزير الفرنسي تصرف بذكاء فالتدخل الفرنسي لم يتوقف في الشان التونسي، والمال الفرنسي كان حاضراً، كما كان حاضراً أيضاً المال الخليجي، كل يريد ان يحتكر المستقبل في الخضراء، لكنه رأي انه إذا تماهي مع اختنا في الله ‘الناشطة’ فانه سيقوم بحشد الشارع التونسي ضد بلاده، وليس في مصلحة فرنسا ان تدخل في قطيعة مع الشارع، وهي التي تريد ان تبقي على الدبلوماسية الناعمة في السيطرة والاستحواذ، لبقاء نفوذها في دول المغرب العربي، فلا تترك فراغاً تتمدد فيه الولايات المتحدة الأمريكية.
نظرت الي وجه ‘الناشطة’ ففوجئت بان رمشاً لها لم يهتز حتى والوزير الفرنسي يزايد عليها، وكنت أتصور انها ستقول يا أرض انشقي وابلعيني، ولا بأس فقد ورد في الأثر: اذا انتزع الحياء من الأرض فانتظر الساعة.
خطاب النهضةلست مبتهجاً بما حصلت عليه حركة النهضة في الانتخابات التونسية، فأنا مهتم بالحركة فكراً وممارسة، ضمن اهتمام قديم بحركات الإسلام السياسي، وقرأت ما تيسر من الإنتاج الفكري للشيخ راشد الغنوشي القديم والحديث، ووقفت على ان له خطابين، احدهما عنوانه (لا بأس) والثاني عنوانه (البأس الشديد)، وان كان في الآونة الأخيرة، ونظراً لوجوده في (المنفي الانجليزي) صار الخطاب الأول هو المعتمد لديه، وهو ما تأكدت منه من خلال الاستماع الي أحاديثه الكثيرة في قناة ‘الحوار’ قبل الثورة.
بالمناسبة ففي زحمة الربيع العربي نسيت هذه المحطة، واكتشفت أنه لم يعد لها وجود على جهاز تلفزيوني.. هل أفلست وتوقفت؟.. أم ان عفريتاً من الجن أطاح بها من عندي؟.. لا اعرف!
فضائية ‘الحوار’ كانت تمثل لي استراحة محارب بعد مشاهدة أي حلقة من حلقات ‘الاتجاه المعاكس’ والبرامج التي تقلده على الفضائيات، ان شئت الدقة فقل استراحة مشاهد، فهي تقدم وجبة دسمة، بحوارات هادئة، وكان الغنوشي احد نجومها.
لا أستطيع القول ان الغنوشي تطور، فالخطابان متوازيان، أحدهما ليس صالحاً للإعلان الآن، وليس هذا هو الموضوع، فلا يستطيع احد في بلد مثل تونس أن يعلن الخطاب التقليدي، أو ان يستدعي خطاب جماعة الإخوان في مصر وينشره، وفي الوقت الذي قال زعيم حركة النهضة بعد نجاحه انه لن يفرض زياً على التونسيات، فهذا يدخل في إطار الحرية الشخصية، كان الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية ومن قبل ان يمكن له يقول انه سيلقي القبض على كل من تلبس ‘ مايوها’، ولا نعرف هل هو يطلب منصب رئيس الجمهورية، أم يتقدم لشغل وظيفة ضابط في شرطة الآداب؟!. ما علينا، فالعنوشي سيحرص على تقديم ما يجعله نموذجاً لا يقل في الانفتاح عن أردوغان في تركيا، وان خالف قناعته الشخصية.
ومهما يكن فعلينا احترام إرادة الشعوب، مع ان تجربتي الشخصية في هذا المجال لا تسر فقد خذلتني الجماهير في المرتين اللتين احتكمت إليها فيهما، الأولي عندما خضت الانتخابات وانا تلميذ على موقع ‘ألفة الفصل’، وسقطت وسط ذهول المدرسين والسيد ناظر المدرسة، والثانية عندما خضت الانتخابات البرلمانية في سنة 2005، وكتبت عشرات المرات أنني سقطت بإرادة الناخبين.. ربما كان من الأفضل لتكريس زعامتي السياسية ان أقول انني سقطت بالتزوير، وكنت سأجد كثيرين يصدقونني، وقد تمنحني الولايات المتحدة الأمريكية حق اللجوء السياسي.
لكن ‘الناشطة التونسية’ ظهرت في التلفزيوني الفرنسي واحتقرت إرادة التونسيين، وبدلاً من أن تذهب لتعمل بينهم لعلها تحوذ ثقتهم في المستقبل، ذهبت لتطلب الاحتلال بسهولة ويسر وكأنها تطلب ‘يد عريس’، ولم تشعر بالخجل والوزير الفرنسي يقول ان تونس بلد مستقل.
مثل هذه اللقطة التي تم الترويج لها عبر مواقع الانترنت ستكون مهمة ان هي كانت ضد احد في نيته التحول، كما تحول عمرو أديب وغيره، لكن من الواضح ان صاحبتنا تحب الاحتلال حباً عذرياً لا رجعة فيه، ولهذا فهي تقوم باستدعائه، بدون خجل أو وجل.
ثكلتك أمك يا ناشطة يا بنت ‘حوا وادم’. أرض جوالحكم الذي صدر بإلغاء قرار السلطة في مصر بوقف قناة ‘الجزيرة مباشر’ هو انتصار لحرية الرأي وللثورة المصرية قبل ان يمثل انتصاراً للسلطة.
القرار المتعسف بمنع منح تراخيص للفضائيات الجديدة في مصر، جاء ليحول الفضائيات القائمة بالفعل إلى ‘سبوبة’، لا نعرف من هو السمسار الذي كان وراء صدور هذا القرار سيئ السمعة؟
صحافي من مصر[email protected]