عبد الرزاق قيراطمن الوعود الانتخابيّة التي أعلنتها حركة النهضة ونجحت في تحقيقها أنّها لن تغيّر نمط العيش الذي اعتاد عليه التونسيّون، ولن تتمسّك بفرض الشريعة على البلاد والعباد. وقد صرّح الغنوشي لإعلاميين في الغرب والشرق أنّ حزبه لا يخطّط لمنع النساء من السباحة بالمايوه (سواء تكوّن من قطعة أو قطعتين)، فتلك لذّة للناظرين كما أنّ الخمرة لذّة للشاربين، وقد رأيت بأمّ عينيّ تهافت التونسيّين قبل العيد بأيام على مراكز التسوّق الكبرى لاقتناء قوارير الخمرة المحليّة والمستوردة قبل أن يتوقّف التزويد بتلك المادّة الحيويّة بمناسبة عيد الأضحى حيث سيقتصر بيعها وشراؤها على السوق السوداء فيتضاعف ثمنها دون أن يؤثّر ذلك على نسق استهلاكها. فهنيئا لنا في تونس بهذه الحريّة التي وهبتنا أنهارا من خمر، ولكنّنا نطالب بأنهار أخرى من لبن ‘لم يتغيّر طعمه’، فهذه المادّة تختفي مرارا فجأة فيعجز الناس عن الوصول إليها وهي غذاء أساسيّ لأطفالهم. وقد اختفت مجدّدا قبل العيد فكنتُ أبحث مع الباحثين عن قارورة لبن، حتّى حملتني قدماي إلى مغازة حيّ المهرجان وهو من الأحياء الراقية، فوجدت الصفوف طويلة أمام البائعات اللاتي يستخلصن ثمن المشتريات، وظننت أنّ القوم جاؤوا مثلي للبحث عن الحليب فانشرح صدري وتنفّست الصعداء ولكنّي وجدت العربات قد ملئت قوارير من خمرة قدّروها تقديرا فصار صدري ضيّقا حرجا كأنّما أصعّد في السماء. تذكّرت ذلك الموقف، وأنا في بيت حماتي عندما عرّجت لزيارتها في ثاني أيّام العيد، وكانت تشاهد باهتمام بالغ برنامج ‘عندي ما نقلّك’ لعلاء الشابي على قناة التونسيّة. وفكرة البرنامج تقوم على دعوة شخصين بينهما نزاع ليتصالحا. وكانت حماتي تحبّ ذلك النوع من البرامج، خاصّة إذا كان الخلاف بين زوجين كما هو الحال يومها. كان الزوج بسلامته يتوسّل إلى طليقته لتصفح عنه وتعود إليه بعد طلاقهما الثاني، فرفضت مصرّة نظرا لما تعرّضت له من عنف شديد على يديه بسبب سُكره المتواصل. وفي خاتمة البرنامج، خرج علينا علاء الشابي بثوب الواعظين، كثعلب الشاعر أحمد شوقي، فأخذ يحصي شرور الخمرة وما تفعله بالمخمور معلّلا مواعظه بما حدث بين ضيفيه من البين والفراق. ولكنّ علاء لم يقنع أحدا بذلك الثوب أو المنطق وقد شاهدناه في برنامج حديث الناس بلباس الفتّان الذي يريد أن ‘يشعْلِـلَها’ بين ضيوفه ونجح في ذلك أيّما نجاح حين دعا البحري الجلاصي رئيس حزب الانفتاح والوفاء وهو معروف بتصريحاته المستفزّة عن المرأة والزواج، الأمر الذي أدّى إلى اندلاع خصومة بينه وبين بقيّة الضيوف وخاصّة ‘بنديرمان’ الذي تبادل معه الشتائم وكاد يوجعه ضربا…هذه النوعيّة من البرامج أصبحت تحتلّ مساحات كبيرة في قنواتنا التونسيّة، وصارت الخصومات والاستفزازات هدفا بحدّ ذاته تُبذل لإدراكه جميع الوسائل بما في ذلك الألفاظ السوقيّة مثلما حدث في برنامج بلا مجاملة على قناة حنّبعل حيث (جُلِب) وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقاليّة بصفته ‘مواطنا مثقّفا’ كما قيل لنا فكان نصيبه من الثقافة أن أسمعه الممثّل لطفي العبدلّي ما يكره باللفظ والإشارة. فانسحب سمير ديلو غاضبا بعد أن لقّن العبدليّ درسا في الأخلاق جعله يكمل البرنامج مذموما مدحورا، خاصّة أنّ الصحفي لطفي العماري تعاطف مع الوزير ووبّخ بدوره الممثّل الذي كان عليه أن يحترم الحضور والجمهور فلا يلوّث المقام بذلك القول السوقيّ المنحطّ. هدنة وفراغوأخيرا وضعت الحرب أوزارها أو لعلّها هدنة ظهرت ملامحها بعد الثالث والعشرين من أكتوبر. قبل ذلك الموعد الرهيب تحدّثت فضائيّاتنا التونسيّة طويلا عن انتهاء الشرعيّة وتوقّع البعض أو خطّط لإخراج الجماهير لتطالب بطرد الرؤساء والنوّاب. واستعدّ الجميع ليوم النزال، وعزمتُ بدافع الفضول على الذهاب إلى شارع الحبيب بورقيبة لأواكب الحدث على الأرض، غير أنّ المعركة لم تقع، والشرعيّة لم تسقط. وكانت ساحة الوغى هذه المرّة في باردو أمام قبّة المجلس التأسيسيّ، حيث خرج البعض للاحتفال بذكرى أوّل انتخابات ديمقراطيّة… لا حوادث ولا مصادمات إذن، والنتيجة ركود يشبه خيبة الأمل في القنوات التونسيّة التي لم تجد مادّة للاحتجاج على الحكومة. فاستنجدت بموضوع الخرفان الرومانيّة التي استوردتها شركة اللحوم للضغط على أسعار الأضحية. وأعدّت تقارير تشكّك في سلامتها من الأمراض. ونبّهتنا تلك القنوات (الحريصة على سلامتنا) وحذّرتنا تلميحا لا تصريحا من عواقب اقتناء تلك ‘الخرفان المريضة’..لكنّ التونسيّين احتفلوا بعيدهم (رغم الداء والأعداء). أمّا أنا وحتّى لا أعود فارغ اليدين، فهرولت في ذلك اليوم إلى إحدى قاعات السينما لمشاهدة فيلم المخرج التونسيّ شوقي الماجري، عسى أن أجد في الشاشة الكبيرة ما يفرّج عنّي هموم الشاشة الصغيرة. مملكة النمللم أذهب إلى السينما منذ مدّة بعيدة بسبب ضيق الوقت وكثرة المشاغل المهنيّة والأسريّة. وقد استبشرنا خيرا عندما تولّى السيّد محمّد عبّو وزارة الإصلاح الإداري وزفّ إلينا خبر عزمه على مراجعة توقيت العمل بنظام الحصّتين، وفهمت مع أغلب التونسيين حينها أنّنا مقبلون على العمل بنظام الحصّة الواحدة كما في أغلب البلدان العربيّة. ولكنّ الوزير استقال، وبقيت دار لقمان على حالها… وظلّت الأسرة التونسيّة في صراع مع الزمن، فلا يلتقي أفرادها إلاّ ليلا حول مائدة العشاء قبل أن يذهب الطالب إلى واجباته والزوجة العاملة إلى مطبخها، والزوج إلى شأنه. وقد استمعت إلى موظّفة في برنامج إذاعيّ تَذكر نادرة وقعت لها حين تفطّنت ذات صباح إلى ابنها يحلق ذقنه، فاستبشرت قائلة:’ما شاء الله ولدي صار رجلا، وهو يحلق ذقنه!’ فأجابها الابن ساخرا:’ إنّي أفعل ذلك منذ ثلاث سنوات يا أمّي.’إنّ متغيّرات العصر تدعونا إلى مراجعة أنظمة العمل والدراسة في اتجاه يخفّف الأعباء على الناس ويمنحهم وقتا إضافيّا للأسرة والترفيه. وفي هذا الاتجاه لا بدّ من قرارات ثوريّة تنطلق من شعارات بسيطة تحدّد بدقّة وظيفة الإنسان بحسب المكان الذي يتواجد فيه. فتكون المدرسة للدراسة والمكتب للعمل والبيت للأسرة. وتلك قسمة منطقيّة عادلة، ولكنّ تطبيقها يبدو بعيد المنال، فالطالب يعود من مدرسته وعليه واجبات كثيرة تحبسه في غرفته وتجبر وليّ أمره على القيام بأعمال ليست بالضرورة من اختصاصه حين يصدّر له المعلّمون فروضا تثقل كاهل الأسرة وتجعل العلاقة بين المعلّم والمتعلّم والعلم شديدة التوتّر… إنّها ‘قسمة ضيزى’ جعلتنا نهجر المسارح وقاعات السينما حتّى صارت مشاهدة فيلم خارج البيت حلما كثيرا ما نفشل في تحقيقه.وكذلك كان فيلم مملكة النمل حلما رافق المخرج شوقي الماجري سنوات طويلة قبل أن ينجح في إنجازه بمساعدة المنتج نجيب عيّاد.نجح الماجري أيضا في إحراج جمهوره فأبكاه. ولم أكن قادرا على إمساك دموعي أمام هيبة ما شاهدت وما سمعت.. استطاع المخرج أن يقدّم القصّة الفلسطينيّة بصدق فنّيّ يحرّرها من نمطيّة الخبر المكرّر على أسماعنا في نشرات التلفزيون. فكانت شاعريّة الصورة والحوار مفتاحا للقلوب التي تحجّرت على مرّ الزمن بفعل ذلك التكرار الإخباريّ وبسبب الاتفاقات التي تراكمت لتهميش القضيّة ودفنِ ذاكرتها تحت غبار الزمن وخلف ملفّات النفاق السياسيّ التي تراكمت عليها… وفهمت السبب الذي منع الفيلم من المشاركة في مهرجان ‘كان’ الأخير، فأقْـصِيَ عن المسابقة الرسميّة، لا لحرمانه من السعفة الذهبيّة أو الفضيّة أو أي جائزة رمزيّة أخرى فحسب، بل لحرمانه من الوصول بمعاناة الشعب الفلسطينيّ إلى ذلك الجمهور ومَنْ يحضر معه من النخب المثقّفة ومن الإعلاميّين المؤثّرين. إنّها الرقابة التي تتحكّم فتبيح ما تشاء وتمنع ما تشاء. وحجّتهم أنّ الفيلم يحتوي على مشاهد صادمة. وفي هذه صدقوا إلى أبعد حدّ، فكيف لهم أن يتحمّلوا مشاهدة الجرائم التي يرتكبها الجيش الإسرائيليّ وهو يقتل الأطفال ويدفنهم تحت ركام المدارس المنهارة على رؤوسهم بقصف طائراته المتوحّشة، أو يحبس النساء الحوامل ويجبرهنّ على وضع فلذات أكبادهنّ بين جدران المعاقل المظلمة.كان مشهد جليلة وهي تضع مولودها سالم مؤثّرا إلى أبعد حدّ، ولكنّ موت سالم برصاص جنديّ إسرائيليّ أشدّ تأثيرا وإيلاما.إنّه البطش الإسرائيليّ الذي لا ينجو منه أحد، فحتّى الفرس ‘موج’ قتلت بالرصاص، وكان مشهد جنازتها شديد الوطأة والحرقة، ولكنّ صوت الزغاريد التي انطلقت مع موعد الدفن نزل علينا بردا وسلاما… ‘مملكة النمل’ قصيدة حالمة بحجم الحلم الفلسطينيّ. ومشهد العرس تحت قنابل العدوّ، ومشهد الولادة في ظلمات السجون، وصوت الزغاريد الذي ينطلق فرحًا وحزنًا، كلّها توقظ في وجداننا اسم فلسطين وتبشّر بسلام آت يعيد لها بهاءها.كاتب تونسي[email protected]