أنيس بن رجب العبيديلو سألت تونسيا اليوم عن سبب نزوله للشارع يوم الرابع عشر من شهر كانون الثاني من سنة 2011 لأجاب بان خروجه كان لإسقاط الدكتاتور ونظامه الاستبدادي الذي جثم على قلوب أبناء شعبه لعقدين ونيف وانه تمنى الحرية والديمقراطية وسئم الذل وعصى البوليس التي طالما ظلت مسلطة عليه. إذ أنه لم يتساءل يومها للحظة عن الانتماء الإيديولوجي لمواطنه الذي خرج معه للشارع صارخا في وجه نظام زين العابدين بن علي ‘ارحل’. كان يومها الهدف واحد تساقطت أمامه كل الإيديولوجيات والانتماءات وتوحدت الأجساد والأصوات والقلوب لأجل ذلك. وتناقلت وكالات الأنباء العالمية تلك الصور الخالدة للشارع الرمز شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس وهو يحتضن آلاف التونسيين الرافعين لشعار الحرية والكرامة.
ذاك الشارع نفسه تحول في الأسابيع الموالية للثورة لأقورا مدينة يونانية.
فخلال حكومتي محمد الغنوشي الأولى والثانية انتصبت في شارع الحبيب بورقيبة حلقات نقاش سياسي أضفت عليه حركية لم يعهدها أبناء العاصمة من قبل. إذ أن المواطن العادي المتابع لتلك الحلقات قد يفهم ذلك على أنه باب من أبواب فهم الفعل السياسي الذي ظل لسنين حكرا على فئة قليلة من أبناء الشعب وقد يفهم أيضا أنها تحمل رسائل تعبوية للشعب من أجل التحضير للاعتصام الأول والثاني اللذان اسقطا حكومتا الغنوشي لكن المختص في الشأن السياسي والعارف بمختلف العائلات الفكرية المكونة للمشهد السياسي في تونس يدرك أن الخطاب رغم وحدة مضمونه كان يختلف من حلقة نقاش إلى أخرى فلا الشكل كان ذاته ولا المرجعية هي نفسها ويتحسس بسط الرداء الإيديولوجي من خلال رسائل خفية حملها هذا الخطاب أو ذاك عن وعي أو عن غير وعي. هذه الرسائل وان تخفت في طيات الخطاب في البدء إلا أنها ومع حكومة الباجي قائد السبسي واقتراب موعد انتخابات المجلس التأسيسي سيطرت على الخطاب كله ومرت من مرحلة التخفي إلى مرحلة العلنية ونقلت إلى المشهد السياسي التونسي صراعات عاشتها الجامعات التونسية في سنوات السبعين من الألفية الماضية وذلك مرده أن النخبة التي أصبحت تشكل المشهد السياسي في تونس ما بعد 14 كانون الثاني هي نفسها من كانت بالأمس تحرك الصراعات إيديولوجية داخل الحركة الطلابية.
هذه النخب لطالما كانت تمارس سياسة من داخل الصالونات فظلت متقوقعة في برجها العالي بعيدة عن هموم الشعب ومشاغله ففاتها الركب وبقيت تعيش رومنسيتها السياسية وتجتر أفكارا تجاوزها الزمن فلم تُعِدْ قراءة ذاتها وزادها تواجدها في ظل الدكتاتورية غورا في الانطواء وتعظما للأنا النرجسية بداخل رموزها وحينما سمح لها واقع الثورة بالظهور من جديد لم تنزل من عليائها بل ظلت تمارس الفعل ذاته وجرت وراءها الشارع السياسي وأدخلت الشعب في تجاذبات ايديولوجية كان ويظل في غنى عنها وتحولت المنابر الإعلامية إلى مسارح لصدامات فكرية وايديولوجية بين الفرقاء وطرحت على عامة الناس لأول مرة مصطلحات فكرية وسياسية كان يجهلها لسنين طويلة كالعلمانية واللائكية والهوية وغيرها من المفاهيم التي أصبحت كثيرة التردد على أَلْسِنَةِ العامّة دون إدراك لمقاصدها. فالشعب الذي ظل الوطن لديه منصهرا في شخصية الزعيم في عهد الرئيس بورقيبة وفي شخص صانع التغيير في عهد الرئيس الفار زين العابدين بن علي كان مغيبا تماما عن الحياة السياسية مما خلق عنده نوعا من الفقر في الثقافة السياسية وجد نفسه فجأة أمام أشكال مختلفة وألوانا متعددة من الأطياف والتيارات السياسية جعلته كقطعة صلصال بين يدي الأحزاب والنخب تشكل منه ما تريد وتحركه كيفما شاءت بانتهازية متغوّلة فخلقت الفرقة بين أبنائه وزرعت الفتنة والتشكيك بينهم وراحت كل فئة تقوم بإقصاء الأخرى فهذا يكفر ذاك وذاك ينعت هذا بالرجعي وكل يرسم الوطن كما بدا له في خياله لا كما هو واحد يجمع الكل ودخل جميعهم في دوامة حادت بالثورة عن أهدافها وتحولت من ثورة من أجل الحرية والكرامة إلى ثورة نفخت في جثة الايديولوجيا التي سقطت في الغرب من سنين الروح لتبعثها من جديد في أبشع صورها ألهت الجميع عن واقع بائس انكشف بعد 14 كانون الثاني 2011 لتونس طالما سوق لها النظام البائد بأنها جودة الحياة ورفع الغطاء عن تونسيين يعيشون في العراء بلا جدران تقيهم قرّ الشتاء وحرارة الصيف وعن تونسيين يقتاتون من أعشاب الغابات فهل أن الايديولوجيا ستطعم من كانت بطنه خاوية من الجوع أو ستوفر المنزل للذي يبيت في العراء فليس همُّ تلك الفئات علمانية النخب أو إسلاميتها إنما حلمهم أن يجدوا في وطنهم ما يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف.
إن شعب تونس المنهك من الدكتاتورية التي فقرته وجوعته وحكمت على شبابه بالبطالة وبالهجــــرة الســــرية لا يقـــدر اليوم على تحمل الاستنزاف الذي تفرضه عليه هذه النخب السياسية الانتهازية فهذا الشعب بحاجة إلى لم شتاته وإلى كل أبنائه وإعادة ترميم بيته بتأسيس أعمدة صريحة متجذّرة في أصالته ومنفتحة على الآخر تجعل منه قادرا على الصمود في وجه أعاصير الأزمات التي تعصف بالدول في كل مرة. ‘ حقوقي تونسي