فُجِعَ الرأي العام الوطني والدولي بحادثة اغتيال المناضل محمد البراهمي أمام بيته في يوم الاحتفال بعيد الجمهورية. وبهذا النبأ الحزين، تأكّد للمتابعين وللمتفائلين ما كان قد نبه إليه الشهيد شكري بلعيد، من أن باب الاغتيالات والتصفية في تونس قد فتح على مصراعيه ولا راد لشره إلا حوار وطني صادق يؤسس للقضاء على العنف الذي تدحرجت إليه الحياة السياسية في تونس.
ويعلم الجميع من أنصار الشهيد محمد البراهمي ومعارضيه، أنه لم يحمل في يوم من الأيام بندقية ضد خصومه، ولم يلوح باستعمال العنف، ومع ذلك طالته رصاصات الغدر أمام بيته، لأنه خرج عن ‘النص’ وعلا صوته كاشفا خطورة المستنقع الذي تردت فيه البلاد التونسية، بعد سنتين من الثورة، إذ بدأت ملامح العصا الغليظة تتبلور في شكل قوانين وتضييقات وتهديد ظاهر وخفي واتهام لكلّ مَنْ يعارض أو يخالف. بات واضحا أن عمليتي اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي قد تمتا بتخطيط مسبق وفق أجندة سياسية مرتبطة بتطور الأحداث في البلاد. والجريمتان البشعتان مترابطتان، سواء في الهدف والغاية أو في طريقة التنفيذ، فقاتل البراهمي من جنس قاتل شكري بلعيد.. قد تختلف الأسماء.. وتتغير ألوان الدراجة
النارية وعدد الطلقات.. لكن المجرم واحد. قبل ايام قليلة، وفي خطوة مفاجئة أعلن السيد نور الدين البحيري عن معلومات جديدة في قضية اغتيال شكري بلعيد، وبشّر المواطنين بأنّ وزير الداخلية سيقدّم التفاصيل، وسيكشف تفاصيل أوفى عن الجناة و المخططين للجريمة. والسؤال الحارق الذي يطرح لماذا يعلن السيد نور الدين البحيري عن المستجدّات قبل وزير الداخلية؟ ألا يؤكد هذا السلوك أنّ التعاطي مع هذا الملف سياسي بامتياز يفرض مرور المعلومات إلى رئاسة الحكومة قبل عرضها على الناس؟ وما دخل الوزير المستشار في رئاسة الحكومة أصلا في مسألة هي بيد السلطتين الأمنية والقضائية؟ على أنّ الدور الموكول إلى وزير الداخلية خطير، فهو مطالب بأن يسرّع في نسق التحقيقات كي يكشف الجناة، خاصة أن صفته التي بها دخل الوزارة هي ‘مستقل’، ما يعني أن يكون هدفه الأول والأساسي كشف الحقيقة بصرف النظر عن تداعياتها السياسية المزلزلة، فتونس لا تتحمل مزيدا من القتلى. ولا أحد من العقلاء يريدها أن تتخبط في الدماء، وعلى السيد وزير الداخلية تحمّل مسؤوليته في هذا الوضع العصيب، وأن يثبت استقلاليته التي كانت شعار توزيره، وإلا فإنّ الاستقالة التي لا يعرفها وزراء الداخلية في تونس هي أشرف مخرج لهذا المطب السياسي والقانوني. صحيح أنّ تونس قبل الثورة وبعدها لم تعرف وزيرا للداخلية تحمل مسؤوليته كاملة وأعلنف شله في أداء مهمته، لكن الأمل في أن يغير السيد وزير الداخلية هذه الصورة يظل قائما، رغم أن الجامع بين كل وزراء الداخلية زمن بورقيبة وبن علي، وما بعد 14 كانون الثاني/يناير هو الخطاب الخشبي المعاد: ‘الوضع الأمني يتحسن’… ‘الأمور ممسوكة.. وكل شيء بخير’. لكن مثل هذا الخطاب الممجوج لن يجد صدى بعد جريمة القتل الثالثة التي تشهدها تونس، خاصة أنّ الشعب الذي تلقى جريمة قتل لطفي نقض باستغراب صامت، واهتز لمقتل شكري بلعيد، لا يمكنه أن يقف متفرجا على جريمة قتل محمد البراهمي، الذي لم يكن كافرا زنديقا، أو يساريا متطرفا، بل مسلما حقيقيا يؤدي فرائضه وينظر إلى الاسلام من زاوية السماحة والاعتدال. رصاصات الغدر استقرت في جسد محمد البراهمي وأردته أمام أفراد أسرته ولا راد لقضاء الله. لكن من حيث أراد مطلقوها من وراء الستار كتم الأفواه، أشعلوها نارا للثورة توقد من جديد ما لم تتحمّل السلطة مسؤولياتها وتسارع الى كشف الجناة قبل أن يهربوا هم أيضا.
‘ كاتب تونسي