تونس: الحكم في زمن الكوليرا

حجم الخط
0

حكـيم بالـطيفة بعد مرور ثمانية أشهر على تشكيل الحكومة التونسية بقيادة حزب النهضة الإسلامي، تجد البلاد التونسية نفسها في وضع لا تحسد عليه والجزاء بعضه من جنس عمل الساسة أو عجزهم عن العمل: غلاء فاحش للأسعار.. ‘غزوات سلفية’.. عنف لفظي وتعذيب جسدي لموقوفين.. مصادرة حق الاحتجاج السلمي.. تغليب للحل الأمني.. تقييد لحريات الإعلام.. شلل بعض المرافق الخدماتية الأساسية.. عجز عن تلبية الاستحقاقات الملحة للثورة.. من ذلك العدالة الانتقالية والتنمية الجهوية والتشغيل في المناطق المهمشة والمحرومة في البلاد.. وخطر تفشي الأمراض والأوبئة والفيضانات بسبب تراكم الأوساخ والنفايات… وكـأن الذي فيها لا يكفيها. ختامها كوليرا فلأول مرة منذ ثلاثة عقود، شهدت تونس عودة ظهور بكتيريا الكوليرا. يأتي ذلك في وقت تراكمت فيه القمامة في في الشوارع والأزقة وانتشرت فيه المصبات العشوائية بشكل يهدّد صحة المواطن، الأمر الذي دفع برئيس الحكومة إلى التساؤل بنبرة الواثق من نفسه خلال زيارة ميدانية: ‘أين هي الحكومة ؟’.. تصريح فاجأ التونسيين واستغله الخصوم السياسيون ولعل رئيس الحكومة على حق، فحكومته انشغلت باتهام فلول النظام السابق وبسبب قلة خبرتها، بدا للعيان في منحى آخر، أن الحكومة عاجزة عن ايجاد حلول عاجلة للشلل المتكرّر الذي أصاب المرافق الخدماتية الأساسية للتزويد بالماء والكهرباء ممّا أدى إلى خسائر بشرية ومادية وتسبب في العديد الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات وقطع طرق من قبل مواطنين مغلوبين على أمرهم طفح كيلهم وفي الانتظار يهدّد تسرب جزء كبير من الفضلات المنزلية والصناعية في قنوات تصريف المياه في المدن الكبرى بفيضانات خطيرة وخسائر في الأرواح مع بداية تهاطل أمطار فصل الخريف المعروفة باسم ‘غسالة النوادر’ والتي تكون غزيرة جدا وفي وقت وجيز. تاه الحق عن صاحبه..وفي منحى آخر مثير للتساؤلات، تأخرت تونس في سن قانون العدالة الانتقالية رغم أنه من الاستحقاقات الملحّة للثورة مما فتح المجال أمام ممارسات مرفوضة من قبيل انفراد السلطة التنفيذية بالقرار وإعفائها عددا من القضاة بوازع التطهير في مهمة كان يجب أن تضطلع بها هيئة مستقلة مستقلة ماديا وإداريا وبعيدة عن أي تجاذبات حزبية وحسابات سياسية. هذا التباطؤ من شأنه أن يفرغ مفهوم العدالة الانتقالية من محتواه كما يحذر حقوقيون.. لكن الحكومة تفضل الترويج لفكرة ضرورة الفصل بين ‘العدالة الانتقالية والعدالة في الفترة الانتقالية’. ويضيق المواطن ذرعا بها في انتظارِ عودة الحق التائه إلى صاحبه من خلال الكشف عن ملفات البوليس السياسي وكل المتورطين في إطلاق الرصاص في ما يعرف بملف شهداء الثورة وجرحاها ومحاسبتهم حتى تهدأ الأنفس وتطوى صفحة الماضي وحتى لا يكون هذا الملف سببا في غياب الاستقرار في البلاد. ‘لوعثرت بغلة في العراق…’ على صعيد آخر، تشكل المناطق المهمشة في تونس بؤر احتقان من الدرجة الأولى تزداد حدة مع طريقة تعاطي الحكومة معها مما يعمق لدى مواطني هذه الجهات الإحساس بالغبن والقهر.. معظم هذه المناطق لم تنل حظها من المشاريع العمومية التي تمس المشاغل الحقيقية للمواطن وكان نصيبها التهميش والتجاهل من جديد، فانتفضت مجددا على غرار مدينة سيدي بوزيد مهد الثورة.. وبدا جليا فشل الحكومة في ايجاد حلول عاجلة لهذه المناطق المقصيّة بعيدا عن الحلول الأمنية والاتهامات بأن من يقفون وراء هذه الاحتجاجات هم ‘تجمعيون وباعة خمر وتجّار مخدرات’.. تعميم مرفوض وظالم على حد قول سكان المنطقة وأوصاف ‘لم يعرفها مواطنو سيدي بوزيد حتى في في عهد بن علي’.. لا شك أن أهالي هذه المناطق مسيّـسون ولكنهم غيرُ محزبين، هاجسهم الأول والأخير قوت يومهم.. ضف على ذلك أن أغلب قيادات حركة النهضة تقر اليوم سرا بأن حساباتها بشأن سيدي بوزيد كانت خاطئة وتعترف بأن التنمية كان لا بد أن تنطلق من هناك.. ولعل لهذا السبب من المرتقب وفق مصادر في صلب الحركة أن يهب إليها وزير التنمية كرجل إطفاء بدفاتره للقاء المواطنين قريبا مع الوالي ‘لبحث ما هو ممكن وما هو غير ممكن بلغة الأرقام’. حجّة القوة في مواجهة قوة الحجّة وتفاديا لأي خطاب اعلامي ‘مُغرض ينال منها’ في ظروفها العصيبة، عمدت الحكومة بقيادة النهضة بعد صراع طويل مع الإعلام إلى فرض منطقها بحجّة القوة وليس بقوة الحجّة وانتهجت سياسة وضع يد خطيرة على وسائل الإعلام العمومي وشبه العمومي في ظل غياب هيئة مستقلة وذلك من خلال تعيينات مسقطة.. وتعيب الحكومة على وسائل الإعلام مغالطة الرأي العام من ذلك تصوير المحلات مقفلة في ساعة مبكرة في سيدي بوزيد إيهاما بأن الإضراب العام الذي دعا إليه اتحاد الشغل وجد استجابة واسعة.. وتتهم الحكومة وسائل الإعلام بقيادة حملات فبركة تهدف إلى الحط من قيمة مؤسسات الدولة ورموزها.. وأيًا كانت دوافع الحكومة مبرّرة إلا أن قطاع الإعلام لا يجب البتة أن يخضع لهوى الساسة وسلطة الدولة بأي شكل من الأشكال بل إلى هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي البصري تعنى بمشاغل الإعلام وتضع حدا لتجاوزاته.. دون أن يكون للحكومة في تونس مستشار مسؤول عن الاعلام كما هو الحال اليوم فمردود المؤسسات الإعلامية ما عاد يقاس بمدى محاباتها للسلطة.. فهذا التمشي يمهّد بشكل لا يخطىء لنظام ديكتاتوري.. هذا بالاضافة إلى أن ما يُمارس ضد الصحافيين بين الفينة والأخرى من اعتداءات لفظية وجسدية وسط سكوت مريب من السلطة بات يفهم على أنه تحريض وتشجيع على أفعال مستهجنة .’مسلمة نعم ولكن غير مستسلمة’.. وبعيدا عن الملفات الحساسة والعالقة التي لم تجد لها حلا عاجلا، تُــتهم الحكومة بقيادة النهضة، بالسعي المدبر لتسويق فكرة التكامل بين الرجل والمرأة بما تحملها هذه الفكرة من تأويلات كبديل لمبدأ المساواة الأمر الذي اعتبر استنقاصا صريحا للمرأة ولحقوقها التي تضمنها مجلة الأحوال الشخصية.. رئيس حزب النهضة اعتبر الانتقادت في هذا السياق ‘معركة سياسية واهية ومزايدة حزبية ضيقة’، فخرجت المرأة التونسية في عيدها للتأكيد على أن لا عودة إلى الوراء فيما يخص مكتسباتها وأنها ‘مسلمة نعم ولكن غير مستسلمة’.. وأن نواب المجلس التأسيسي ‘تمت إنابتهم لغير ذلك من أمور دنياوية ملحة’.النهضة : ‘ المقدسات.. لها الدستور يحميها’ وقد تشكل قضية احترام المقدسات التي تسعى حركة النهضة إلى ضبطها ضمن نص قانوني في الدستور مشروعا آخر لتقييد الحريات في تونس، الأمر الذي من شأنه أن يمهد تدريجا وفق حقوقيين وخبراء دستوريين لديكتاتورية الدولة الدينية في اجهاض صريح لمشروع الدولة المدنية التي نادت به الثورة التونسية.. ومن شأن هذا النص القانوني أن يفتح الباب على مصراعيه أمام تأويلات عدة ليس لها لا أول ولا آخر وقد تصبح حقا يرادُ به باطل لما له الأثر البالغ في اغتيال حرية الفكر والتعبير وتكمييم الأفواه وتشجيع التشدّد والانغلاق في المجتمع.. فالتنصيص في الدستور التونسي عام 1959 على أن دين الدولة هو الإسلام لم يمنع التجاوزات والانتهاكات بحق الإسلام والمسلمين في تونس.. دون أن نغفل عن أن القانون الجزائي كاف وشاف مع كل ما يحتويه من ضمانات في هذا السياق. الغزوات السلفية.. ووسط صمت حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم، ووسط صمت شبه مطبق للمكونات الأساسية الأخرى للائتلاف الحاكم، استشرى عنف السلفيين بالبلاد من خلال ‘غزوات’ أطلقت حربا بلا هوادة ضد جامعيين ومثقفين ومواطنين وفعاليات ثقافية وحقوقية ومنابر مساجد صودرت بالقوة.. وطال عنف السلفيين إسلاميين معتدلين على غرار الشيخ عبد الفتاح مورو القيادي البارز في حركة النهضة الذي تم الاعتداء عليه بكأس خلال ندوة فكرية في القيروان من قبل أحد السلفيين.. وطال العنف ايضا عددا من عناصر حركة النهضة نفسها في مدينة سيدي بوزيد منذ أيام في حوادث متكررة اعتبرها البعض ‘نتيجة منطقية وطبيعية لسياسة مهادنة مع السلفيين توختها الحكومة’.. ‘السلفية المنحرفة’ ولئن كانت هذه السلفية تحارب ‘الدولة العلمانية الكافرة’ بكل مظاهرها وتسعى ‘لإرساء الشريعة الإسلامية في دولة خلافة’ فإن سلفية من نوع آخر بدأت تظهر للعيان وهي ‘السلفية المنحرفة’.. هذه السلفية التي تختلف عن المنهحين العلمي والجهادي وتستخدم العنف والبلطجة لتحقيق مآرب أفرادها الذين يطيلون اللحى والسلفية منهم براء.. ومن الواضح أن ممارسات بعض السلفيين ترسي نواة إرهاب فكري في المجتمع التونسي المعروف بتسامحه واعتداله، مجتمع بات يخشى من أن يصبح فيه العنف باسم الإسلام قاعدة للتعامل بين الأفراد. وبالنسبة لأحد قياديي حركة النهضة رفض الكشف عن إسمه، مهادنة الحكومة لم تكن فقط مع السلفيين بل كانت أيضا مع اتحاد الشغل واليسار، غير أن الحركة تدرك جليا اليوم خطر السلفيين الكبير.. قيادي النهضة ورغم هذا الاقرار، عبر عن رفض حركته للسلفية بشقيها العلمي والجهادي في تونس مؤكدا أن ‘لا خيار أمام الحكومة إلا التحاور معها’ معلّلا الأمر ‘باحتكام بعض عناصر التيار السلفي للسلاح واقامتها معسكراتِ تدريب في الداخل’.’لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين’ متاعب الحكومة الحالية متواصلة خاصة مع الترويكا الهشة المكونة لها والتي لم تر النور إلا بناءً على حسابات شخصية، أثبتت دون أن تدع مجالا للشك هرولة الساسة بشكل أعمى إلى السلطة، وهذا ما قد يفسّر من حين لآخر تواتر تصريحات أشبه بنيران صديقة من حزبيْ التكتل والمؤتمر المشاركيْـن في السلطة ضد حركة النهضة ولكنها لا تنفي مسؤوليتهما المباشرة أيضا فيما آلت اليه أمور البلاد.. والأكيد أن عجز النهضة عن معالجة الكثير من المسائل الملحة والذي يتحمل مسؤوليتهُ الثالوث الحاكم مرده الخوف من المواجهة وقلة الخبرة السياسية أو انعدامها وهذاما يستوجبُ القطع مع مبدأ الولاءات لصالح الكفاءات في التعيينات لتفادي شلل المرافق الأساسية وسوء والإدارة والتسيير.. فحزب النهضة الذي يقود الائتلاف تم انتخابه لخدمة الوطن وليس مصالح الحزب وعليه فهو مطالب بتحقيق الأهداف التي انتخب من أجلها عاجلا قبل التفكير في الانتخابات المقبلة من ذلك الحسم في مسائل قد تهدد سيادة تونس كـتغلغل التطرف فيها والتشدد باسم الدين.. والمؤكد أن الجزم المتسرّع من قبل قياديي النهضة بأن الحركة ستحكم لسنوات طويلة أمر في حكم الغيب ولن يكون كذلك إلاّ بتزكية من الشعب من خلال اقتراع ديمقراطي نزيه لم تحدد رزنامته بعد ولن يكفله إلا تصحيح المسار مسبقا من أجل عدالة انتقالية مقنعة مصحوبة باحترام شامل للحريات الأساسية والقطع التام مع ممارسات العهد البائد… فالمؤمن لا يلدغ من جُحرٍ مرتين’.’ صحافي تونسي في قناة فرانس24

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية