د. سعيد الشهابي
لو استطاع المهندس حمادي الجبالي تشكيل اول حكومة منتخبة بشكل مباشر بعد الثورة في تونس، لكان ذلك حدثا لا يقل أثرا في انعكاساته النفسية والسياسية على ربيع الثورات العربي عن سقوط حسين مبارك او زين العابدين بن علي وغيرهما من الديكتاتوريين. فالرجل ينتمي لحركة النهضة التي قضى الآلاف من اعضائها على مدى العقود الثلاثة شطرا من حياتهم في المعتقلات، سواء في عهد بورقيبة (الذي انتهى في 1987) او خلال الحقبة السوداء من حكم زين العابدين بن علي الذي اسقطته الثورة في 14 كانون الاول/يناير. ووفقا للقواعد الديمقراطية فالرجل هو الاكثر تأهلا لرئاسة الوزراء بعد فوز حزبه باكثر من اربعين بالمائة من المقاعد، واكثر من نصف عدد الاصوات، ومن حقه تشكيل حكومة ائتلافية مع اطراف اخرى اهمها ‘المؤتمر من اجل الجمهورية’ برئاسة المنصف المرزوقي الذي كان من ابرز رموز المعارضة في السنوات التي سبقت الثورة. لو حدث ذلك، وهو السيناريو الارجح، فسوف يكون بداية جيدة لمستقبل سياسي عربي تمارس الشعوب فيه حقها الطبيعي بشكل مباشر في الحكم والادارة بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية. وسوف تكون قوى الثورة المضادة قد خسرت معركة كبرى في حربها ضد الثورات العربية، وسوف يكون ذلك تكرارا لخسائرها السابقة. فتونس اصبحت تمثل في الوجدان العربي ‘شعلة الثورات’ التي اوقدها الشاب التونسي الشهيد محمد بوعزيزي، عندما احرق نفسه احتجاجا ليس على تصرف آني من شرطية مستخدمة من قبل نظام استبدادي، بل ضد استعباد بشر واسترقاق شعب واستضعاف أمة. وبصعود رمز اسلامي الى رئاسة الحكومة التونسية، الارض التي انطلقت منها حركة التغيير العربية الحديثة، سوف تتكرس ظاهرة وصول رموز المشروع الاسلامي الحديث الى رأس الحكم. وبذلك لن يكون مستبعدا وصول شخص مثل الدكتور محمد سعيد العوا او الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الى رئاسة مصر. وقد سبق ذلك صعود رموز حزب الدعوة في العراق الى مناصب مماثلة، في ظروف اخرى. وقبل اولئك جميعا كان الامام الخميني قد رفع راية المشروع الاسلامي بوضوح وبدون لبس او غموض. بل ان هذه العناصر جميعا اتهمت في وقت او آخر بانها ‘خمينية’ في اشارة لانتمائها للمشروع السياسي الاسلامي الذي تبلور بعد الثورة الاسلامية في ايران في 1979، الجبالي كان واحدا من رموز حركة النهضة التونسية الذين قدموا لمحاكمات عديدة في 1981 و1984، وحكم في 1992 بالسجن خمسة عشر عاما. في اطار النظرة الاستراتيجية لا يمكن فصل تطورات الثورة في تونس ووصول حركة النهضة الى الحكم بما تمثله من مشروع طالما اعتبره الغربيون معاديا لمشروعهم، ووقفوا مع الانظمة التي قمعته عقودا، عن صعود رموز الحركات الاسلامية في بلدان عديدة الى مواقع عليا في السلطة كما حدث في ايران وتركيا والعراق، وكما سيحدث في مصر وربما الدول الاخرى التي تشهد ثورات مماثلة. انها دورة طبيعية في مسلسل التطور البشري، عبر الزمان والمكان، عناصرها عديدة: ديكتاتورية فجة، ظلم واسع، مظلومون يطالبون بحقوقهم، غريزة فطرية ترفض الاستعباد والظلم، وارادة انسانية تتصدى لاسباب ذلك وتسعى للقضاء عليها. وقد عاش العالم العربي طويلا تحت هذه وطأة هذه الظروف منذ اكثر من ثمانية عقود، تحت هيمنة الاستعمار تارة وفي ظل الديكتاتورية حتى الآن. ولقد كانت الرغبة في التغيير عميقة وواسعة النطاق في كافة ارجاء العالم العربي، وشهد اغلب البلدان انتفاضات شعبية متواصلة في العقود الثلاثة الاخيرة خصوصا بعد ثورة ايران التي اسقطت عرش الطاووس وكادت تتحول الى مصدر الهام للجماهير العربية للثورة ضد انظمة القهر المدعومة بدون حدود من الغرب الحريص على حماية ‘اسرائيل’ على حساب الحقوق العربية والاسلامية. وقد عانت الحركات الاسلامية التي تأسس اغلبها قبل ثورة ايران وتعمق وجودها بعد تلك الثورة، من الاضطهاد الذي تضاعف بعدها وبلغ حدودا غير مسبوقة. وتحت مرأى الغرب، وبموافقته الضمنية وربما دعمه الامني والسياسي والعسكري، تواصل قمع الشعوب بذريعة التصدي لما اعتبره الغربيون ‘تطرفا’ و’اصولية’ و’خمينية’. واكتظت السجون بالنزلاء واستشهد الكثير من شباب الامة ونشطائها في غرف التعذيب، وسيق الآلاف الى السجون بعد محاكمات صورية تفتقد لادنى معايير العدالة. وكانت الحركة الاسلامية في تونس واحدة من هذه الحركات الطليعية التي وجهت لها اصناف التهم منذ المحاكمات الاولى في 1981. واتهم زعماؤها وعلى رأسهم الشيخ راشد الغنوشي بعلاقات مع ايران، شأنه شأن بقية الاسلاميين في مصر والمغرب العربي ودول الخليج. كان الغربيون يرون في الحركات الاسلامية امتدادا للثورة الاسلامية وتهديدا لمصالحهم وخطرا على الامن الاسرائيلي. في مقابل ذلك تعمقت انظمة الاستبداد، وبلغ العالم العربي مستويات هابطة جدا من الديكتاتورية والقمع، بينما كانت دول العالم الاخرى تتحول نحو الحرية والديمقراطية. ففي امريكا اللاتينية كانت الشعوب تثور ضد الانظمة المدعومة من امريكا، في السلفادور وتشيلي وغواتيمالا وغيرها، بينما كانت شعوب افريقيا تعمل من اجل التحول من استبداد انظمة ما بعد التحرر الوطني باتجاه الديمقراطية والمجتمع المدني الذي يحترم مواطنيه. يومها كان الظلم الغربي يسعى من خلال دعمه الاستبداد لحماية نظامين فاسدين بشكل أساسي: نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا ونظام الاحتلال الصهيوني في فلسطين. ذلك الدعم ساهم في بلورة مواقف دولية على مستوى الشعوب تتصدى للنظامين. وفي 1991 سقط النظام العنصري في جنوب افريقيا، فتحركت واشنطن بهدف الحفاظ على امن ‘اسرائيل’ لفرض مشاريع تسوية جائرة من خلال مفاوضات اثبتت الايام عقمها، ابتداء باتفاقات اوسلو ومؤتمر مدريد وصولا للمفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والكيان الاسرائيلي. وبعد عشرين عاما اتضح خواء مشاريع التسوية التي تبنتها الولايات المتحدة وظهر فشلها الكامل في السنوات الخمس الاخيرة بعد حرب 2006 ضد لبنان وحرب 2008 ضد غزة. وفي ظل الهيمنة السياسية والعسكرية الامريكية، خصوصا بعد حربي الكويت والعراق، بدا وكأن الامور قد حسمت الى الابد لصالح المشاريع والانظمة الامريكية. ومن المؤكد ان الحربين الاخيرتين ونتائجهما ساهمتا في توفير ظروف نفسية وسياسية مختلفة، ووفرتا مناخات انطلقت فيها الثورات في مطلع هذا العام. جاء ذلك بعد عقود ثلاثة دب اليأس خلالها في نفوس الكثيرين، وبدت مشاريع التغيير مستعصية على التحقق في غياب الدعم الدولي وتحالف الانظمة العربية بشكل منقطع النظير على رفض الاصلاح والتغيير. من هنا يسجل للثورة التونسية شرف السبق في ميادين ثلاثة: اولا التنظير والتقعيد لنظرية التغيير القائلة بان الشعب مصدر التغيير، فاذا اراد الحياة الكريمة يوما استطاع تحقيقها (بارادة إلهية ربطت التغيير بالظرف الخارجي للانسان بتغييره الداخلي)، ثانيا: التأكيد العملي لمقولة استحالة اصلاح انظمة الاستبداد من داخلها (وهذا ما أكده زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي في محاضرة القاها في شهر حزيران/يونيو الماضي بالمنتدى الفلسطيني بلندن في الذكرى الثلاثين لتأسيس الحركة)، ثالثا: ان صناديق الاقتراع يجب ان تكون مصدر شرعية الحكم، وليس القهر وادوات القوة واجهزة الامن وممارسات التعذيب. هذه المعطيات الثلاثة يجب ان تكون منطلقات لبقية الشعوب الراغبة في التحرر من الاستبداد والديكتاتورية، وان الاعتبارات الاخرى لبقاء الانظمة التي لا تستند لشرعية شعبية والحكومات التي لا تتمخض عن صناديق الاقتراع، ليس لها قيمة سياسية او اخلاقية، بل انها تجسيد لقيم الشر والعدوان والطغيان، ويجب اسقاطها بكافة السبل المشروعة.
امام هذه الحقائق التونسية اصبحت الثورات الشعبية الاخرى امام امتحانات صعبة، منها: اولا ان عليها مواصلة طريق التغيير عن طريق الحراك الشعبي السلمي المتواصل، وهذا كفيل باسقاط انظمة الجور، فدماء الشهداء الذين يسقطون برصاص الانظمة لها قوانينها الفاعلة واهمها انها تتفاعل لتحقق التغيير المنشود برغم انوف الطغاة وداعميهم، ثانيا: ان التغيير قد يطول ولكنه سوف يتحقق، لان الشعوب اقوى من الطغاة. ولذلك مطلوب عدم استعجال النتائج، وعدم الهرولة وراء سراب ‘الحلول الوسط’ و’التسويات’ و’الواقعية’ و’العقلنة’، فتلك جميعا من اساليب الثورة المضادة التي تهدف للقضاء على كافة الثورات العربية، ومن ضمنها ثورة تونس التي تعيش هذه الايام هاجس ‘التدخل الناعم’ من خلال دعم بعض الفئات المحسوبة على النظام السابق، واثارة التشكيل والاضطراب الداخلي على اسس دينية وايديولوجية. ثالثا: الاعتماد على الذات، وعدم السعي لاختصار الطريق باستدعاء الاجانب للتدخل، لان ثمن ذلك باهظ، وآثاره سلبية على هوية الثورة والنظام السياسي الذي يتمخض عنها. فثورة تونس غذتها دماء الشهداء التي كانت كافية لاسقاط نظام بن علي الذي طالما تفرعن واستبد ونكل بالاحرار وتصرف حتى لكأن الرئيس وجد ليبقى الى الابد. ان التدخل الاجنبي، ايا كانت اهدافه ودعاواه خطر على الثورة، خصوصا انه هو الذي دعم الديكتاتوريين وما يزال يفعل مع من بقي منهم. رابعا: ان من الخطر الكبير على الثورات التوقف في منتصف الطريق، بدعوى تصاعد التضحيات او عدم ملاءمة الظروف الاقليمية او ان امريكا والغرب لا يريدون التغيير، او ان القوى الاقليمية متوحدة في رفض تغيير النظام. انها وساوس شيطانية تروجها قوى الثورة المضادة، وتهدف للنيل من عزيمة الثوار. وكما يقال فان ‘نصف ثورة يساوي هلاك أمة’، وهذا ما حدث في ثورة فلسطين عندما سعى بعض اطرافها لاستبدال منطق الثورة بمشروع سياسي خاض متاهات المفاوضات عشرين عاما ليعود بعدها الى المربع الاول. في هذه الاثناء حدثت حربان اثبتتا للعالم جدواهما كبديل اكثر واقعية وعملية وثمرة من دهاليز ‘اللعب السياسي’. خامسا: ان الثورات تتعرض في كافة مراحلها للمؤامرات، في البداية لمنع حدوثها بشراء المواقف والاقلام والذمم، وبعد انطلاقتها بالقمع الرهيب بما في ذلك الغزو والاحتلال، ومع اشتدادها بالترهيب والاستعانة بالغرب لحصارها واستهداف رموزها، وقبيل انتصارها بترويج مقولة ‘الحوار’ لوقف الحراك الشعبي واستبدال لغة الثورة بلغة ‘السياسة’ والغاء ظاهرة الشباب الذين يواجهون الدبابات وقبضاتهم التي تهتز في الهواء بالهتافات الثورية العنيدة، بالايدي التي تمتد لمصافحة الطغاة والتطبيع معهم، وبعد انتصارها بالتشويش عليها بدعم عناصر معادية للثورة او محسوبة على الانظمة البائدة، بالمال والاعلام، كل ذلك لوقف عجلة التغيير واحتواء تطلعات الجماهير. سادسا: استيعاب حقيقة مهمة وهي ان للثورة منطقا مختلفا تماما عن منطق السياسة، فهي محكومة بارادة شعوب عزلاء، وتصميم شباب لا يملكون سوى قبضات ايديهم التي تهتز في الهواء تحديا، وافواههم التي تطلق الشعارات المضادة للاستبداد. بينما اللاعب السياسي يمارس دوره وفق حسابات دقيقة للربح والخسارة، ويخضع نتائج تحركاته لتلك الحسابات. السياسيون ينظرون للثورة ونتائجها من منظورهم السياسي، فيخضعونها للحسابات السياسية وموازين القوى والمنطق الرياضي الدقيق. وهذا امر مغاير للثورة ومنطقها الذي لا يخضع لاي من تلك المعايير. فالانظمة الحاكمة تملك من اسباب القوة المادية ما لا تملكه الجماهير، وتحظى بدعم الدول الغربية وانظمة القمع الاقليمية، ولديها وسائل الاعلام وابواق الدعاية والمناصب والمال، بينما الطرف المعارض لا يملك من اسباب القوة المادية شيئا، ويفتقر الى ادنى مقومات ‘اللعب السياسي’. يضاف الى ذلك استحالة اصلاح الانظمة من داخلها لان كياناته مصوغة بما لا يسمح بالنيل منها او احداث اي تغيير حقوقي في بنيتها. الانتخابات التونسية التي اجريت مؤخرا خطوة اولى على طريق اقامة نظام ديمقراطي عصري، وسوف يتمخض عنها مجلس تأسيسي يكتب دستورا دائما للبلاد، بديلا للدستور الذي فرضه النظام السابق، وسوف يتم تشكيل حكومة ائتلافية برئيس وزراء من اكبر الكتل الفائزة، وهي حركة النهضة. انها بداية ايجابية لمرحلة ما تزال غامضة بسبب ما تبيته لها قوى الثورة المضادة. وما اللغط الذي اثير بعد اعلان النتائج حول فوز مجموعة ‘العريضة الشعبية’ بزعامة الهاشمي الحامدي، رئيس قناة ‘المستقلة’ المثيرة للجدل، الا مؤشر للمخاطر المحدقة بالثورة. وجاء اعلان الهيئة العليا المستقلة لانتخابات المجلس التأسيسي التونسي بالغاء فوز ست قوائم لمجموعته خطوة حاسمة للمفاصلة مع القوى المتهمة بعلاقات مع النظام السابق. وقد اتهم رئيس المجموعة بعلاقات مع التجمع الدستوري بزعامة زين العابدين بن علي، وتردد انه مدعوم من قبل السعودية التي قيل انها كانت تدعم قناته الفضائية. الامر المؤكد ان الشعب التونسي قد اختار من يعتقد انهم مهدوا للثورة الشعبية بنضالهم الذي تواصل عقودا، ولم يتراجعوا يوما عن ذلك النضال برغم القمع المتواصل. مع ذلك لا بد من الاشارة الى ان التيار الاسلامي الذي يتوقع ان يكون له دور في التجربة التونسية الجديدة، سوف يكون تحت المجهر من قبل القوى المعادية للثورة التي وقفت ضد الاسلاميين واتهمتهم بالعمالة تارة والتخلف اخرى، والعداء للغرب والديمقراطية ثالثة. مطلوب من القائمين على التيار العمل وفق منظورهم الذي طرحوه امام ناخبيهم، فهم مصدر قوتهم وحمايتهم وشرعيتهم. ومع ضرورة الاخذ بعين الاعتبار مواقف القوى الخارجية فمن الضروري التمسك بثوابت الثورة والاصلاح والحفاظ على الانتماء والهوية، وتحاشي اساليب المسايرة التي كثيرا ما تكون على حساب المبدأ والموقف. التكتيك امر مطلوب، ولكن الاستراتيجية يجب ان تحظى بالاولوية وعدم التفريط بها لانها صمام امان للثبات والاستمرار. مطلوب من القادة الجدد استيعاب حقيقة اخرى وهي ان نظامهم الديمقراطي سوف يستهدف من قبل قوى الثورة المضادة بشكل مستمر، ولذلك فهم مطالبون بالتحالف مع القوى الثورية والاصلاحية في الدول العربية، ضمن الممكن، وتعميق الشعور بالانتماء للامة وقضاياها، والتعاطف مع ضحايا الاستبداد في بقية الدول العربية. لقد قطعت تونس شوطا على طريق بناء نظام ما بعد الثورة، ولكن استهدافها ما يزال خطرا قائما، وعلى القادة الجدد التحلي باليقظة والحذر.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن