مما لا ريب فيه أن العديد من المعوّقات تعترض عملية استكشاف مساحات وسيطة بين طرفي المعادلة السياسية اليوم بالبلاد، حيث يشكل عنصر فقدان الثقة في الآخر أهم حلقاتها .. فالجميع يتهم الجميع بالانقلاب!!… من الواضح أيضا أن فكّ المعادلة السياسية المستعصية يتوقف عن مدى استعداد جميع الأطراف في الانخراط في ذهنية التفاوض وتمثّلها بالكامل وما يترتب عنه من تقديم تنازلات متبادلة ضمن دائرة المتاح سياسيا بعيدا عن منطق موازين القوى الافتراضية وعن محاولات إعادة استنساخ الفيروس الخبيث الذي قوّض العملية الانتقالية برمتها حتى قبل انطلاقها : فيروس الأغلبية/الأقلية القاتل… وفق خارطة سياسية شديدة التحول والتغير فأغلبية أو أقلية الأمس ليست ذاتها اليوم حيث يشكّل المجلس الوطني التأسيسي سوى ضلع من أضلاعها… 1 ـ ما ينبغي التمسك به لإنجاح أي توجه توافقي في المستقبل لابد من التمسك بعدد من الثوابت أهمها : – الحفاظ على البناء المؤسساتي والأجهزة الفقرية للدولة من إدارة ومؤسسة أمنية وعسكرية وسلطات محلية وجهوية . – العمل على تحييد الاقتصاد عن المحرقة السياسية..فانهيار الاقتصاد يعني في ‘الخيار الشمشوني’ سقوط المعبد الكبير على رؤوس الجميع . 2 ـ ما ينبغي فهمه : رحلة البحث عن الممكن السياسي تفترض ضرورة إعادة توليد ما يعتمل في دواخلنا بشكل فردي أو جمعي من تساؤلات عديدة … – ألم يكن من انتهاج مقاربة الأغلبية/الأقلية في العمل التأسيسي اقترافا لخطأ سياسي قاتل تحوّل تدريجيا إلى ورم سرطاني سريع الانتشار يهدد اليوم الدولة في وجودها وديمومتها ؟ – ما تبقى للمجلس الوطني التأسيسي من قيمة اعتبارية في الوجدان الجمعي ؟ – من الناحية الواقعية، هل لازال يشكّل المجلس الوطني التأسيسي سلطة أصلية أم أن السلطات التي تفرعت عنه – من حكومة ورئاسة – قلبت المعادلة رأسا على عقب ليتحول المجلس من قاطرة إلى عربة مجرورة تابعة وخاضعة للسلطة التنفيذية ؟ – هل يمكن اختزال الدولة في مؤسسة المجلس الوطني التأسيسي فقط وأنّ أي دعوى لإسقاط هذه المؤسسة تفضي ضرورة إلى تداعي الصرح المؤسساتي للدولة ؟ – إن كان ذلك صحيحا كيف يمكن تفسير استمرار الدولة بعد 14 يناير 2013 ؟ – هل يمكن اعتبار سيناريو الحشد والحشد المضاد حلاّ للخروج من الأزمة ؟ – هل أن تشكيل حكومة جديدة دون حركة النهضة ممكن؟ – هل يعدّ استبدال السلطات المحلية الحالية بأخرى – غير محددة الهوية والمرجعيات- خطوة في اتجاه الضغط السياسي أم مقامرة غير محسوبة أم محاولة ممنهجة للتفكيك المؤسساتي للدولة ؟ – ألا تعزز هذه الخطوة الموقف السياسي لحركة النهضة والترويكا الحاكمة عموما؟ 3 ـ الهامش السياسي الممكن والمتاح: مقترحات تمت صياغتها دون ترتيب تفاضلي أو زمني اعتبارا لخصوصية المرحلة القادمة التي تفترض أن يكون التحرك شاملا في جميع الاتجاهات وفى نفس الوقت. – التزام المجلس الوطني التأسيسي بإعلان انتهاء أشغاله وحلّ نفسه مع نهاية المصادقة على الدستور في أجل أقصاه 23 أكتوبر القادم والتفرغ حصريا في المهمة التأسيسية دون غيرها – الدستور والمجلة الانتخابية – – ضرورة الاسراع بالدعوة لعقد جلسة عامة استثنائية طارئة لتشكيل حكومة جديدة تترأسها شخصية وطنية غير متحزبة. – الإسراع بالسماح بتكوين هيئة مستقلة من الخبراء صلب المجلس الوطني التأسيسي تتمتع بصلاحيات تقريرية توكل لها مهمة إجراء التعديلات النهائية على مسودة الدستور في مدة أقصاها شهر من تاريخ مباشرة أعمالها فعليا ..يتم اختيارها على قاعدة تصويتية متساوية -صوت لكل كتلة – . – الإسراع في استكمال مسار تشكيل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على أسس من شأنها استعادة الثقة بين جميع الأطراف …. فاعتبارا للوضع الاستثنائي الجدّ حرج التي تمرّ به البلاد لما لا يتمّ التوجّه مجدّدا لدعوة رئيس هيئة الانتخابات المتخلّية لترؤس الهيئة الحالية وذلك بعد استشارة المحكمة الإدارية؟ خطوات نوعية كفيلة إن تم الاستجابة لها بأن تبعث بشعاع الأمل الأخير في إمكانية بعث الروح من جديد في العملية الانتقالية المحتضرة.