محمد الفاضل البشراويكان الحديث عن الانقلابات العسكرية في العهدين السابقين حكرا على السلطة القائمة دون سواها. لكن الثورة ولاعتبارات مغايرة تماما جعلت الحديث عن الانقلابات العسكرية أمرا سهلا إلى حد ما. ولا فائدة هنا في التذكير بكل ما قيل في الموضوع منذ قيام حكومة الباجي قائد السبسي إلى اليوم، لأن هدفنا في هذه السطور إنما هو البحث في المدلولات الحقيــــقية لظاهرة الانقلاب، واستخلاص النتائج اللازمة لهذه المدلولات وربطها بمستقبل الصراع السياسي، في ظل غياب شرعية السلطة المؤقتة وسوء أدائها الذي قد يعصف بالبلاد في أي لحظة نحو المجهول، ويفقد ثورتها كل ما تميزت به عما هو حاصل في ليبيا أو في غيرها من البلاد العربية، حيث الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي الصريح.
إن الجيش التونسي ليس مرشحا لأن يتدخل في الشأن السياسي أو لأن يقوم بأي شكل من أشكال الانقلاب، وذلك لانعدام الأرضية التاريخية ولكون التوقعات تحول كلها دون أن يفكر إنسان عاقل في استدراج الجيش إلى مغامرة غير محسوبة وغير مجدية على أكثر من صعيد.
أما كون الأرضية التاريخية لا تدفع في هذا الاتجاه فلاعتبارين أساسين:
أولهما أن تونس كانت ولا تزال مستثناة من جميع مظاهر التدخل العسكري في الشأن السياسي التي عرفتها البلاد العربية إثر الاستقلال، والتي ظهرت سواء للانقلاب على بعض الأنظمة الملكية أو لتكريس الوجاهة النضالية التي كانت بعض الحركات المسلحة قد تميزت بها قبل الاستقلال، والتي رغبت بعض الأطراف في استثمارها بشكل أو بآخر بعد خروج المستعمر. فالجيش التونسي ليست له تقاليد في الحكم، سواء على الطريقة الانقلابية الصريحة أو على الطريقة المقنّعة التي تنخرط فيها بعض القيادات العسكرية مع بعض القيادات المدنية للاستفراد بالسلطة والاتفاق على غير ما يرتضيه الشعب وعلى غير ما يقره القانون. والاعتبار الثاني هو أن المؤسسة العسكرية الحديثة في تونس لا تملك امتيازات فئوية خاصة تجعلها تحرص على حمايتها بالتدخل في السلطة، ولا هي بالتالي قادرة على جلب الطامعين والراغبين في المال والنفوذ والذين بإمكانهم أن يدعموها في أي محاولة للاستيلاء على الحكم. فالذي استفرد بهذه الامتيازات وبهذا الدور بعد الاستقلال إنما هو الحزب الحاكم في نسختيه البورقيبية (الحزب الاشتراكي الدستوري) والنوفمبرية (التجمع الدستوري الديمقراطي)، وقد كان له من الامتيازات ما لم تختص به أي فئة أخرى في البلاد، كما أن له تاريخا في الإغراء وجلب الزبائن من الأنصار وحتى من المعارضين بما يجعله أقدر الفئات على احتكار السلطة وتوزيعها على كامل الهرم الإداري والمؤسساتي. ولو كان للمؤسسة العسكرية امتيازات فئوية حقيقية تخشى ضياعها لما اصطفت منذ الوهلة الأولى إلى جانب الثورة والمستضعفين.
ولم تكن المحاولات الأولى لإنشاء الجيش النظامي التونسي قبل الاستعمار، ولا سيما في عهد مصطفى باي الذي حكم من سنة 1835 إلى سنة 1837، قد أفلحت في استمالة القلوب وتجنيد أبناء الحاضرة حسب نظام القرعة، إذ رفض عامة الناس في تلك الفترة تجنيد أبنائهم بهذا الجيش الذي استمر في الاعتماد بشكل شبه كلي على أبناء الانكشارية وأحفادهم الذين تعربوا وتتونسوا بالكامل، ولم يعد ثمّة ما يميزهم عن غيرهم سوى انتسابهم إلى المذهب الحنفي. أما الفترة الاستعمارية فتميزت باستئثار فرنسا بحقيبتي الدفاع والخارجية، ولم يكن فيها جيش حقيقي إلا الجيش الفرنسي، وانحصر دور عسكر الباي في الحراسة الشخصية. كما تركت المؤسسة العسكرية الفرنسية أثرا سيئا لدى الأهالي، ليس لكونها كانت أداة احتلال فحسب بل لأن التونسيين المجندين لديها بالقرعة أو حتى المتطوعين كان يُلقى بهم في الجبهات الأمامية لأشرس المعارك خارج البلاد. وكان الناس يستقبلون نبأ تجنيد أبنائهم في هذا الجيش باللطم والعويل لانقطاع أملهم في عودة المجندين أحياء أو أمواتا. وأما كون التوقعات لا تدفع أيضا في اتجاه الانقلاب العسكري فلأنها سلبية كلها وبدون استثناء:
وأولها، أن تولي الجيش السلطة في هذه الفترة بالذات لا يعني سوى الاستمرار في الحكم المؤقت مع استبدال الحكومة المدنية الحالية بحكومة عسكرية.
وثانيها، أن الموقف الشعبي الذي ستقابل به هذه الحكومة العسكرية إنما هو الرفض والعصيان لافتقاد الشرعية، ولأن التوجه العام إنما هو نحو الديمقراطية المدنية وليس نحو حكم عسكري استثنائي يكون أسوأ ما قد يحصل للبلاد بعد الاستقلال.
وثالثها، أن هذا الجيش لن يكون سيد الموقف وإنما سيكون خاضعا في جميع سياساته للأطراف الداخلية والخارجية صاحبة التأثير، بل قد يؤدي دخول العسكر حلبة الصراع السياسي إلى انقسام البلد وتدخل القوى الأجنبية بحيث لن يبقى له من السلطة إلا ما قد تمنحه إياه هذه القوى.
ورابعها، أن هذا التدخل يعني نقل الصراعات السياسية إلى صفوفه وإشغاله بها على حساب مهامه الأصلية، وهو ما يعرض وحدته المميزة إلى التصدع والانشقاق.
وخامسها، أنه في حال تفاقم الوضع الأمني الإقليمي فإن الجيش سيجد نفسه محاصرا في مربع الانكسار قائما على أربع جبهات: مدنية داخلية ومدنية خارجية وعسكرية داخلية وعسكرية خارجية.
وسادسها، أن الاقتصاد لن ينجو البتة من الانهيار، فالأنظمة العسكرية غالبا ما تركز على القضية الأمنية وتعليق الحريات وتلجأ في الاقتصاد إلى سياسة التقشف والاكتفاء الذاتي وحتى إلى استخدام بطاقات التموين إذا لزم الأمر. وتداعيات ذلك على الصعيد الاجتماعي ستكون حتما أسوأ مما حدث في ظل النظام السابق.
وسابعها، هو أن اتخاذ واجهة مدنية لمثل هذا التدخل لا يغير من الأمر شيئا بل قد يضيف إليه عاملا جديدا من عوامل الاختلاف والصراع. وقد أدى ذلك في الجزائر التي عاشت تجربة شبيهة إلى مقتل الرئيس المدني الذي جيء به للقيام بهذا الدور (محمد بوضياف 1992). وعلى العموم فإن مجرد انزلاق الجيش في النزاعات الداخلية وانحيازه إلى فئة دون أخرى يحوله إلى طرف من أطراف النزاع ويفقده أهليته لأن يكون الملاذ الأخير لحل النزاعات ويجعله يتخلى عن هذا الدور للقوى الخارجية التي لن تتأخر ولو لحظة واحدة عن التدخل وفرض أجندتها على البلاد. وإن كان لا بد هنا من العودة إلى الاتهامات التي وجهت للمؤسسة العسكرية بالانقلاب سواء بالتصريح (أي باستخدام لفظ الانقلاب كما ورد على لسان الشابي أو الراجحي) أو بالتلميح (كأن يذهب مسؤول كبير في الحكومة المؤقتة إلى القول أكثر من مرة بأن الثورة لا تؤدي بالضرورة إلى قيام نظام ديمقراطي من دون استثناء حالة الانقلاب العسكري) فالموقف الأنسب للمؤسسة العسكرية هو تجاهل جميع هذه الأقوال لأن الرد عليها رغم صبغته القضائية يقحمها في الإرباك، بل والنزاع السياسي الحاصل في البلاد وينزل بها من موقعها المتعالي إلى مواقع الصراع الداخلي، ولا يعفيها من تداعيات سلبية إضافية بإشغالها عن مهامها الأساسية ونقل الانقسام الواقع حول المسألة إلى صفوفها الداخلية.
صحيح أن هناك خيارين رئيسيين للالتفاف على الثورة وقرصنة المشروع الديمقراطي: الاعتماد على العسكر أو الاعتماد على القوى الأجنبية. بيد أن كل ما ذكرناه يدفعنا إلى استبعاد الخيار الأول والبحث بكل جدية في الخيار الثاني، لأن زمن التبعية لم يخبرنا أحد من المسؤولين المؤقتين أنه ولى بلا رجعة منذ اندلاع الثورة. ونحن لسنا بحاجة في هذا الصدد إلى أن يبوح لنا أحد بأجندته الحقيقية إذ تكفينا التصريحات الواردة من إسرائيل، بؤبؤ العين الغربية، التي تؤكد فيها خشيتها في تونس (ومصر) من أطراف دون أطراف وتتهم فيها أحزابا دون أحزاب. إن من الأطراف والأحزاب التي لم تذكرها إسرائيل من هو قادر في نظرها على مقايضة السيادة الوطنية بكرسي السلطة والاستمرار في الخضوع للإملاءات الغربية لصالح فئة ما رأت، كما كان يرى غيرها من قبل، أنها خُلقت للحكم والتسلط وأن تحقيق الغاية لا يمر فعلا إلا عبر العواصم الأجنبية.
تونس ليس بها تقاليد في أن يتدخل العسكر في السياسة أو أن يحصل فيها الحاكم على تصريح من العسكر، وإنما بها تقاليد تعود إلى عام 1881 هي أولا: ان الحاكم فيها لا بد أن يحظى برضا القوى الأجنبية. وثانيا: ان الدوائر المحيطة بهذا الحاكم لا بد من تطهيرها بشكل دوري من العناصر المستقلة والمتصلبة تجاه مظاهر التدخل الأجنبي. وثالثا: تكريم العناصر اللينة أو العميلة وتخصيصها بجميع صنوف الامتيازات جيلا بعد جيل ما بقي الأبناء على خطى الآباء والأجداد في خدمة مصالحهم وخدمة من هو أقدر على تلبية هذه المصالح ولو كان ذلك على حساب الكرامة وعلى حساب الوطن.’ أستاذ في الجامعة التونسية