د. ياسين الحلواني عندما يقع التطرق إلى التعديات السافرة على مقدسات الشعب والتحذير من مخاطرها، ينادي دعاة ‘العلمانية’ و’الحداثية’ بضرورة حماية حرية التعبير من مخاطر التضييق.. وعندما انتظم معرض الكتاب في أول دورة له بعد الثورة تغيب عنها المراقبة، حذرت وأدانت نفس المرجعيات الكتب الدينية ووضعتها كلها في خانة ‘السحر’ و’الشعوذة’، وكأن هذا التحذير لا يدخل في خانة التضييق على حرية التعبير. عندما قام بعض الحداثيون بإنجاز بعض العروض الفنية حول برج – ساعة ساحة 7 نوفمبر 1987 بالعاصمة، اعتبرها المحللون والدارسون والإعلاميون عملا فنيا يرتقي لمستوى الإحداثية.. وعندما قام السلفيون باستعراض مماثل، لكن باعتبار رموزهم وقننهم الخاصة، حول البرج نفسه، لم تر فيها القوى الديمقراطية والحداثية والتقدمية والتعددية سوى ‘غزوة المنقالة’ وإساءة للـ’معلم’ وتعدي على المعايير والقوانين. وفيما تفرض ما تسمى بـ’المعاير الدولية’ أن يكون الطفل محميا حتى سن 18 سنة، بموجب اتفاقية تمضي عليها العديد من الدول، نجد أن الولايات المتحدة ترفض الإمضاء المذكور، بل وتذهب أبعد من ذلك بالحكم بالإعدام على شباب سنهم 16 سنة. فيما يجعل من هذه الاتفاقية محاولة واضحة لتمديد مشبوه في طفولتنا وصنع أطفال في أعمار طويلة عاجزة عن تقرير مصائرها وتحمل مسؤولياتها وهو ما نراه اليوم في مجتمعاتنا.وعندما اعتقلت مجموعة من المتظاهرين الذين اعتدوا على الناس والممتلكات في سيدي بوزيد، اضرب نائبان في المجلس الوطني التأسيسي عن الطعام وقاما بالضغط على القضاء من أجل الإفراج عنهم وهو ما كان لهم فعلا تحت تغطية إعلامية في مشهد ‘نصر عظيم’.. ولكن عندما أضرب السلفيان عن الطعام، ممن أوقفوا في حادثة السفارة الأمريكية، لم يعرهم أحد مجرد اهتمام وتجاهلهم السياسيون والحقوقيون والإعلاميون والمجتمع المدني حتى أدركهم الموت.وعندما أعلنت أحزاب معارضة عن الإضراب العام، عوض إتحاد الشغل، والذي كلف البلاد رقما ضخما، هلل له الجميع واعتبره حقا شرعيا ودعت له جل وسائل الإعلام وذكرت بموعده صباحا مساء. وعندما أعلن الحزب، الذي يدعون أنه حاكم، عن اعتزامه تنظيم تظاهرة مساندة للشرعية، التي أصبحت محل تهكم من الجميع، قام إعلام العار بتنظيم حملة تخويف ممنهجة على مدى أسبوع كامل من هذه التظاهرة وانعكاساتها على البلاد والعباد.وعندما عرض صورة طفلة ترتدي الحجاب، اعتبر الإعلام أن ‘الحادثة’ اعتداء على الطفولة ومس بخصوصيتنا وهويتنا ‘التونسية’ وغزو ‘وهابي’… ولكن عندما عرضت تظاهرة التلاميذ في مواقف راقصة ذات إيحاءات جنسية ومخلة بالحياء، اعتبرها إعلامنا ‘الشريف’ و’النزيه’ تعبيرات فنية وإفراغ شحنات شبابية.. كلها نماذج من ازدواجيات كثيرة جدا في المعايير.qmnqpt