تونس بين صعوبات الدّاخل والتوتّر الإقليمي: الآمال والرهانات

لطفي العبيدي
حجم الخط
0

تونس أكثر الجوار تضرّرا من الحرب في ليبيا

النظام الذي وضعه أعضاء المجلس الوطني التأسيسي أرهق الدولة ومؤسّساتها، وعمّق ما يطرأ على المشهد السياسي من صعوبات، خاصّة مشكلة غياب التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية برأسيها. والمتاهات السياسية التي تعيشها تونس تعود في جزء منها إلى مثل هذا النوع من الأنظمة السياسية الذي يحتاج إلى مراجعة وتعديل بمثل ما يحتاجه القانون الانتخابي. وفي الوقت الذي تكشف فيه صناديق الاقتراع عن ثورة حقيقية بعناوين آليات الديمقراطية الشرعية، تتصدّى المنظومة السياسية والبيروقراطية السائدة منذ عقود لهذا المسار، وتتحرّك الواجهات الإعلامية والسوق المالية والحزبية للدولة العميقة لتمنع التغيير، وتوقف رغبة فئة كبرى من التونسيين في التحرر من ربقة الاستبداد العتيق أو المقنّن بديمقراطية شكلية بعد الثورة، والقطع مع مختلف أشكال الاستفراد بالسلطة التي تجسّدت في عائلات مالية وواجهات سياسية استمرأت الدولة وعمّقت نفوذها واستفادت تاريخيا، ولم تهتمّ بمصالح الشعب ومطالبه الحيوية.

وتصرّ الحكومات المتتالية على اتّباع نفس السياسات التي كانت قبل ثورة كانون الثاني/يناير 2011 وهي تُبقِي على الخيارات نفسها وتشتغل على خطاب الأزمة بشكل مستمرّ كأداة لإدارة الحكم على نحو أوصل الناس إلى الإحباط. ويزداد شعورهم بتبخّر آمالهم التي تقاسموها أثناء هبّتهم الشعبيّة التي أسقطت نظام الحزب الواحد، وانسداد الأفق وتفاقم الفقر والبطالة وضعف المقدرة الشرائيّة واستفحال الفساد ينهض دليلا على خيبات الاقتصاد والسياسة وفشل الأحزاب السياسية وعجزها عن تقديم بدائل حقيقية تزرع الأمل بالتغيير. وما يزيد المشهد ريبة أنّ مافيا الفساد ما زالت ترغب في التسلّل من جديد إلى الحكم والقضاء على المسار الديمقراطي بدعم قوى خارجية ومال سياسي فاسد في الداخل ممّن يرفضون الديمقراطية التي فُرضت عليهم فرضا، وغُبنوا بهذا المشروع التحرّري، وبواقعية سياسية مغايرة لأفكارهم التقليدية وما تربّوا عليه طيلة عقود. فهُم لم يعرفوا العدل واحترام القانون والشفافية في تسيير الدولة على نحو مركّب المنفعة والمصالح والانتهازية والتموقع ضمن معسكر الفساد السياسي والمالي والإعلامي، ومناصرة دولة الفئات المتنفّذة والاقطاعية السياسية وواجهاتها الإعلامية التي تلهث وراء الارتزاق والتكسّب.

خارج لعبة المحاور

تونس تستحقّ الأفضل وترجو أن لا يخذلها العالم ولا يدعمها في تجاوز محنها الاقتصادية والاجتماعية. وهي ككلّ دولة عربية تحتاج التغلّب على التاريخ السّلطوي الذي يبدو صعبا بسبب تجذّر المصالح وتفاعل العائلات السياسية والاقتصادية التي تجمعها رابطة منافع وثيقة تشكّل جوهر الدولة العميقة. ولا بأس أن يتعلّم شعبها في كلّ مرّة، فالمراحل الانتقالية يمكن أن تطول، والأهمّ تفادي الهزّات الكبرى وترسيخ الديمقراطية الحقيقية ووطنية الدستور داخل المؤسسات وفي أذهان الناس بدرجة أولى. ومثل معظم دول العالم تضرّرت تونس اقتصاديا جراء وباء كورونا، ومن المرجّح أن تزيد مخلّفاته في تدهور الوضع الاقتصادي وتفاقم الصعوبات الاجتماعية في الوقت الذي لم تنفرج فيه الأوضاع في ليبيا، الدولة التي كانت تربطها بتونس تعاملات تجارية هامّة وتستقطب نسبة لا بأس بها من اليد العاملة التونسية في كافة المجالات.

ومن العيب أنّ بعض الدول المحورية الفاعلة في الملف الليبي وخاصّة الإقليمية منها دعّمت الفوضى ودفعت للانقلاب على اتّفاق إنهاء المرحلة الانتقالية واجراء انتخابات عامّة، وقوّضت جهود السلام التي قادها غسّان سلامة بما أفضى إلى تقلّص حظوظ التسوية السياسية ولا بوادر لتوحيد المبادرات الدولية بشأن ليبيا تحت المظلّة الأممية، وتعدّدها يُربك الخيار السياسي ويبعثر مسارات الحلّ. وفي الأثناء تحافظ الدبلوماسية التونسية على خطّها السويّ خارج لعبة المحاور، وتؤكّد على أنّ الحلّ يجب أن يكون ليبيّا-ليبيّا. وهي من أكثر دول الجوار تضرّرا من الفوضى والحرب التي تدور رحاها في القطر الليبي، وتتطلّع تونس أن يكفّ الجميع عن تزييف المواقف والدّفع نحو التخريب، وأن تكون الدعوة إلى إعادة هندسة المشهد الليبي صادقة عبر تسهيل إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ودعم توحيد مؤسسات الدولة المنقسمة وابعادها عن التجاذبات السياسية بعد إعادة هيكلتها، والأهمّ رفع اليد عن الأطراف التي تبحث عن العسكرة واكراه السلاح وسياسة الأمر الواقع والزامها بالحلّ السياسي والمدني بعد أن انكشف بوضوح صراع المحاور حول الجغرافيا الليبية.

 والخطوات التي أقدمت عليها رئاسة الجمهورية عبر جمع الفرقاء ومحاولة توحيد الصفّ وجسر هوّة الخلاف تصبّ في هذا الاتّجاه بنيّة خالصة تجاه الأشقّاء وأمنيات صادقة بأن يعمّ السلام والوفاق في هذا البلد. مثلما تتمنّى للجزائر السيطرة على الوباء وعودة الحياة إلى مجراها الطبيعي بأفق التعاون المتبادل على نطاق واسع ووفق رؤية استراتيجية أكثر عمقا في التكامل الاقتصادي والتجاري البينيّ، وهو ما تحتاجه دول المغرب العربي منذ عقود.

ومع استمرار الدعم الإقليمي والدولي لطرفي الصراع خدمة لمصالح جيوسياسية تفسّرها الأدوار التنافسية لهذه القوى على الأراضي الليبية فإنّ السيناريوهات السياسية تضيق في الوقت الذي يحاول الجميع أن يجد له مكانا داخل ليبيا بما يتناسب مع طبيعة مصالحه. وهي مسارات مُخيّبة للآمال أدخلت البلد في متاهة حقيقية قد لا تنذر ببوادر إيجابية ما لم يتوصّل الليبيون أنفسهم إلى توافق ذاتي وتصالح وطني بإرادة صادقة عابرة للفتنة القبلية وللانقياد الخارجي. وقد تكون كلّ المبادرات بلا معنى ما لم تتوقف المعارك وتُعطى فرصة أخرى للخيار الدبلوماسي يتحمّل فيه المجتمع الدولي مسؤولياته بما من شأنه أن يضع حدّا للتدخلات الخارجية ويفتح أفقا جديدا نحو حلّ سياسي يكون مقدّمة لإنهاء الصراع ودخول مرحلة الاستقرار الأمني والهدوء السياسي أملا في ترتيب البيت الداخلي وإعادة توحيد البلاد وقطع الطريق أمام مشاريع التقسيم وأطماع الاستنزاف.

ثورات الشعوب

من الطبيعي أن تثور الشعوب وينفجر مخزون غضبها الذي راكمته لعقود لكن الأهم أن تحافظ على أوطانها من الانهيار التام وأن تتجنّب تفكّك الدولة وتدمير كافة هياكلها. وثمّة ثقافة سياسية جديدة تتطوّر في المنطقة رغم عسر الولادة، وهي حتما ترغب في القطع مع المستبدّين العسكريين والمافيات الأسرية والجماعات الطائفية التي نهبت الأوطان وكرّست التخلّف ولم تقدّم ثقافة بنّاءة بمثل ما ينشده الفاعلون في الساحات في لحظة تاريخية عظيمة من تاريخ الأمّة العربية تتكرّر بين الحين والآخر ويتمّ فيها التركيز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكبرى التي تفضي إلى تحقيق التقدّم والنهوض الحضاري على قواعد ادراك ثاقب ووعي جماهيري متقدّم يعلم أنّ مثل هذه الرهانات لا تتحقّق إلّا بكنس مكبّلاتها وطيّ صفحة الأنظمة السياسية العاجزة التي تجنح إلى التقليص من فضاء الحرية في مناخ الفساد والتسلّط. ويبقى استيعاب “مفهوم الدولة” شرطا أساسيا وجوهريا يفضي إلى تمثّل مهمّات الإصلاح الحقيقية بروح وطنية جامعة وتشاركية سياسية لا تتجاوب مع ثقافات ما قبل الدولة مؤشّر التقوقع الطائفي والمذهبي والعشائري، أو أيديولوجيا ما فوق الدولة كالإسلام السياسي والقومية الأيديولوجية وتشكيلات الأممية الشيوعية التي أثبتت جميعها أنّها مجرّد اندفاع دغمائي وراء زعامات انتهازية تسعى لتحصيل مكاسب سياسية. ومثل هذه المطالب تبعث على ضرورة تحويل اهتمام النّاس من التركيز على “الحاكم الفرد” إلى الاهتمام ببرنامج الحكم وكيفية إدارة الدولة، على نحو مداخل فلسفة الحكم وتقييماتها التي تتطلّب مناقشة الأفكار والرؤى والمشاريع وليس جدل الأشخاص وسجال الزّعامات.

وما يهدّد التجربة التونسية التي تحظى باحترام شعوب المنطقة ممّن يتطلّعون للحرّية والتخلّص من الاستبداد والأمنوقراطية ذلك المنحى التصاعدي للأزمة الاقتصادية والمالية التي تنعكس سلبا على الواقع الاجتماعي لفئات المجتمع الواسعة، في وقت لم تضف فيه الأحزاب الحاكمة شيئا يُذكر في ما يخصّ القدرات المؤسّساتية أو كفاءة التسيير الإداري عبر تنظيم مهامها وتطوير آلياتها وفق منطق مغاير لواقع الأمس. وكلّ المعطيات تُشير إلى تراجع مؤشر الإنتاج الصناعي والايرادات الجبائية وارتفاع خدمة الدّيْن الخارجي، وركود النشاط المنجمي وقطاع الطاقة، فضلا عن تراخي الدولة في إيجاد حلّ للاقتصاد الموازي الذي خلق منافسة شرسة للمؤسسات، ينضاف إلى ذلك اختلال الميزان التجاري وتفاقم ظاهرة التوريد العشوائي للمنتجات الصناعية وغيرها وتآكل القدرة التنافسية لأغلب القطاعات وتوقّف جزء هام منها أثناء فترة الحجر الصحّي العام. وما لم تستوعبه أغلب المكوّنات الحزبية أنّ التونسيين لم يعد يُغريهم خطاب الوهم والتناحر الأيديولوجي والمعارك الهامشية، بل يهمّهم الالتفاف حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها الأولويات الجوهرية في ذهن الذين يرغبون في تنمية عادلة وتحقيق مطالب الثورة.

بدل التكامل والانفتاح البيْني تعمّقت المشاكل وغابت البدائل الواقعية لتطوير الحياة السياسية والاقتصادية بما يعيد النبض لمشاريع التنمية والاندماج في المنطقة التي لا تستقرّ على حال منذ عقود. ومن المؤسف أن تتوفّر المقوّمات التاريخية والبشرية والجغرافية والثقافية ويكون العامل السياسي بما يحمله من ضغائن وأزمة ثقة من أبرز العوائق التي تعطّل تجربة التكامل الاقتصادي بين الدول العربية. ورغم امتلاك الوطن العربي الثروات الطبيعية والمالية والكفاءات البشرية والمواقع الجغرافية الاستراتيجية وترابط شعوبه باللغة والدين والتاريخ القومي المشترك تعاني معظم دوله الصعوبات الاقتصادية وتلجأ لصندوق النقد الدولي الذي يكبّلها بإملاءات مجحفة ويصادر قراراها السياسي والدبلوماسي بعد اغراقها بالديون. ومن رحم هذا المشهد وقتامته تتّضح ملامح مرحلة جديدة في الدفاع عن قيم الحرية وحقوق المواطنة ضمن راهن الفعل السياسي والاجتماعي الذي يبدعه المواطن العربي في ساحات الغضب وميادين الرفض والاحتجاج من حاصل امتداد طبيعي ومنطقي بعد حالة الانسداد التي أنتجها النظام الرسمي، الأمر الذي يبشّر بفتح آفاق بديلة كفيلة بتعبيد مسارات جديدة نحو مستقبل أفضل تصنعه الجماهير التي أخذت زمام المبادرة. وستكسر بالتّأكيد قيود الوصاية والاستعباد بحثا عن منحى مغاير يتجاوز التخمين والارتجال ويبحث عن اتّجاهات جوهرية وتجذّرٍ مؤسّساتي حقيقي له وزن في الواقع ضمن إرادة واعية يدرك أصحابها أنّ التغاضي عن النقائص والفشل لم يعد مقبولا بعد تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وغياب المشروع النهضوي التحديثي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية