ما زالت تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس تجابه مطبات مختلفة، جراء توالي الأزمات، وسط شح الامكانات المالية وارتفاع المديونية، ما أدى إلى اندلاع اضطرابات عنيفة في الجنوب، طيلة الأيام الأخيرة. ويجوز القول إن تداخل الأزمات، معطوفا على تراجع الثقة في الأحزاب، قللا من وهج النجاح المؤكد في الحرب على جائحة “كوفيد-19” التي نجح التونسيون في السيطرة عليها، بالرغم من اهتراء البنية التحتية الصحية، وضآلة الامكانات. لكن ما أن بدأ نسق الحياة يعود إلى وضعه الطبيعي حتى اندلعت أزمة سياسية حادة زعزعت الحكومة ووهبت المعارضة منصة مريحة لمهاجمتها، وصلت إلى حد التلويح بسحب الثقة منها وإسقاطها برلمانيا. ووجد المتربصون برئيس الحكومة الياس الفخفاخ فرصة للتشكيك في نظافة يديه، عندما اعترف في مقابلة تليفزيونية بأنه يمتلك 20 في المئة من أسهم شركة خاصة تعمل في مجال البيئة. وفتش الخصوم عن الشركة ليكتشفوا أنها فازت بصفقة مع الدولة، بعد تسمية الفخفاخ في منصبه، في إطار مُجمع شركات تعمل في المجال البيئي.
مناكفات فجرية
وفيما كان رئيس الحكومة يستعد لعرض حصاد الأيام المئة الأولى من عمل حكومته على أعضاء البرلمان الخميس، تحولت الجلسة إلى ما يُشبه المحاكمة، واستمرت إلى الرابعة فجرا. وأكدت كتلتا حزب “قلب تونس” (يمين) و”ائتلاف الكرامة” (سلفي) المعارضتين، عزمهما على تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في “تضارب المصالح بين تولي رئاسة الحكومة وامتلاك أسهم في شركة تعقد صفقات مع الدولة”.
غير أن المعارضين ليسوا أكثر نظافة، فرئيس حزب “قلب تونس” نبيل القروي سبق أن سُجن في قضايا فساد وتهرب ضريبي، كما أن وزراء في الحكومة السابقة برئاسة يوسف الشاهد كانوا يجرون خلفهم ملفات عدة تتعلق بشبهات فساد. من هنا كانت الحملة على الحكومة تستهدف تصفية حساب مع الفخفاخ، الذي اعترض على ضم أعضاء من “قلب تونس” إلى حكومته. وبذلك شكلت الجلسة البرلمانية السخنة فرصة لحزب “النهضة”، الذي يسيطر على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان، وأكبر عدد من الوزارات، لـ”تأديب” رئيس الحكومة، بحسب تعبير عضو في الحزب، لإصراره على رفض إدماج “قلب تونس” في حكومته.
والأكيد أن الفخفاخ لم يرد الانصياع لطلب “النهضة” كي لا يصبح رهينة لديها مثلما كان سلفُهُ يوسف الشاهد. بهذا المعنى دلت المداخلات النارية الموجَهة للحكومة، في جلسة البرلمان الخميس، على أن قضية امتلاك أسهم في شركة متعاقدة مع الدولة، لم تكن سوى مطية للإطاحة بالحكومة، بعدما تعذر ذلك في جلسة سابقة، إذ شفع للفريق الحاكم نجاحه في السيطرة على جائحة “كوفيد-19”. ومن المساهمين البارزين في ذلك النجاح وزير الصحة النهضوي عبد اللطيف المكي، الذي أكد مرارا تمسُكه بالتضامن بين أعضاء الحكومة.
سحب الثقة وارد
وأقرَ النائب النهضوي سمير ديلو بأن خطوة سحب الثقة من رئيس الحكومة واردة “إذا ما ثبت أنه مورط في ملف تضارب المصالح” فيما أعلن النائب المثير للجدل ياسين عياري أنه
تقدم بشكاوى إلى القضاء ضد الفخفاخ، بشبهة “تضارب مصالح” أيضا. أما رئيس الحكومة الذي استغرق خطابه في البرلمان تسعين دقيقة، فركز في جلسة الحوار مع أعضاء البرلمان، على نفي الاتهامات الموجهة إليه، مؤكدا أنه قدم لـ”الهيأة الوطنية لمكافحة الفساد” جردا بممتلكاته إثر منحه ثقة غالبية النواب يوم 27 شباط/فبراير الماضي. وأوضح أنه استقال أيضا من مجلس إدارة الشركة التي كان يمتلك أسهما فيها.
والأرجح أن العلاقة المتوترة بين رئيس الحكومة وحزب “النهضة” وبين الأخير وحزبين آخرين في الائتلاف الحكومي، قد تؤدي إلى إنهاء الشراكة أصلا، لاسيما بعد تفاقم الخلاف على مضمون “وثيقة الاستقرار والتضامن الحكومي” لكن من دون سقوط الحكومة بالضرورة. وكان يُؤمل أن تكون الوثيقة مرجعية لتحقيق التآزر بين أعضاء الحكومة وإخضاعهم لواجب الانضباط. إلا أن الجدل حول الوثيقة أفضى إلى انكسار الجرة بين “النهضة” وحزب “حركة الشعب” (قومي) المشارك في الحكومة، وامتناع “النهضة” عن التوقيع على الوثيقة. وفسر رئيس الحزب راشد الغنوشي رفض التوقيع بقوله “لأننا لسنا متضامنين، في انتظار الوصول إلى تضامن حقيقي قائم على أرضية مشتركة”.
والأقرب إلى الظن، وسط توتر العلاقات بين مكونات الحكومة، أن تُحفظ الوثيقة في الأدراج، خصوصا أن رئيس الجمهورية قيس سعيد متفقٌ مع رئيس الحكومة على رفض تغيير مكونات الائتلاف. وفي حال سقوط الحكومة الحالية ستُعاد العهدة، حسب الدستور، إلى رئيس الجمهورية ليكلف شخصية أخرى بتشكيل الحكومة.
صفيح اجتماعي سخن
تجري هذه التجاذبات والمناكفات على صفيح اجتماعي سخن، جراء تفاقم الأوضاع المعيشية، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على تفشي جائحة “كوفيد-19” التي احتاج التصدي لها إمكانات ليست دائما مُتاحة في بلد قليل الثروات الطبيعية. وفي هذا السياق توقع الفخفاخ في خطابه الخميس، أن يزيد عدد العاطلين عن العمل 130 ألفا في الفترة المقبلة، مع تراجع النمو الاقتصادي إلى أكثر من 6 درجات سلبية. وفيما استطاعت الحكومة في الأشهر الأخيرة توزيع بعض المساعدات النقدية والعينية على الأسر المعوزة، فإنها لن تكون قادرة على ذلك مستقبلا، لأنها استخدمت تقريبا جميع مصادر التمويل الذاتي الممكنة.
وفي ظل انحسار الاستثمارات الخارجية وإلغاء الموسم السياحي وصعوبة الحصول على قروض خارجية، لن تتمكن الحكومة من المحافظة على فرص العمل في الشركات الكبرى، أسوة بالناقلة الجوية “الخطوط التونسية” وشركات الفوسفات والأسمدة الكيميائية. ويتوقع خبراء اقتصاديون تكاثر الحركات الاحتجاجية في الفترة المقبلة نتيجة لإجراءات الضغط المختلفة على النفقات الاجتماعية، وصعوبة تأمين رواتب الموظفين والعمال، ومعاشات المتقاعدين.
رفض التداين؟
وكان الفخفاخ تعهد بإنهاء التوجُه إلى الصناديق الدولية للاقتراض منها، مؤكدا أن الدولة ستعتمد على الموارد الداخلية. غير أن خبراء شككوا في جدوى هذا الخيار، لأن المصارف المحلية محدودة الأرصدة، فيما تلجأ المصارف العمومية إلى الدولة لمعاودة رسملتها عندما تمرُ بصعوبات وتشح السيولة. ومن أسباب نزف المالية العمومية وجود أكثر من مئة منشأة عمومية مفلسة، تتولى الدولة حاليا دفع الرواتب لعمالها، لكنها لا تستطيع خوصصتها أو إصلاحها، لأن النقابات تعارض تلك الخطوة بشدة. وأبصر البلد في الأيام الأخيرة موجة جديدة من الاضطرابات والمواجهات العنيفة بين الشباب العاطل عن العمل وقوات الأمن في مدينة تطاوين ومدن جنوبية أخرى، ما يدل على توتر الوضع الاجتماعي. ومن غير المستبعد أن تندلع حركات احتجاجية هنا وهناك مع تزايد نسب الفقر وتجميد الانتداب في القطاع العام. وتعهد رئيس الحكومة، على إثر الانتقادات الموجهة للسلطات على التعاطي الأمني مع احتجاجات منطقة الكامور، بأن قوات الامن لن تتدخل لقمع الاحتجاجات، وإنما سيقتصر التدخل على “حماية المؤسسات العمومية وممتلكاتها لتفادي حدوث الفوضى” على ما قال.
التجارة الموازية مع ليبيا
لا يمكن فصل الأوضاع الاجتماعية الملتهبة في صيف الجنوب القائظ عن أوضاع الحرب في ليبيا، وغلق الحدود المشتركة منذ اندلاع أزمة “كوفيد-19”. وكانت المناطق الحدودية مصدر عيش لحوالي 1 مليون تونسي، بشكل مباشر أو غير مباشر، قبل إقفال أبواب الرزق في وجوههم، مع أنه ليس لتلك الأسر من بديل سوى التجارة الموازية. وتُقدر نسبة المتعاملين في الأسواق الموازية، التي أطلق عليها التونسيون تسمية “أسواق ليبيا”، بـ50 في المئة من إجمالي المنتوجات المُروجة في السوق. غير أن رجال الأعمال، الذين باتوا أكبر الخاسرين من هذا الوضع، يؤكدون أن حصة السوق الموازية من اقتصاد البلد أكبر من ذلك بكثير. وفي محافظتي تطاوين ومدنين الجنوبيتين تشكل السلع المهربة قطب الرحى في الاقتصاد المحلي، إلى جانب الانتاج النفطي الضئيل. وكثيرا ما أبصرت حقول النفط، وخاصة حقل الكامور حركات اجتماعية لمطالبة الشركات بتوظيف المزيد من أبناء المنطقة، ما جعل بعض تلك الشركات يُفكر في مغادرة البلد.
وتُعتبر السياحة رئة تنفس أخرى للاقتصاد التونسي، ويُؤمل أن تساعد إعادة فتح الحدود البرية والبحرية والجوية أمس السبت، في إنعاش الدورة الاقتصادية وزيادة الاحتياطي من العملة الصعبة. غير أن اشتراط خضوع الوافدين للحجر الصحي قد يُقلل من عدد السياح، وخاصة الجزائريين الذين كانوا يُمضون إجازاتهم السنوية في تونس، ووصل عددهم إلى 1 مليون سائح. كما كان يفد عليها أيضا مليون سائح ليبي سنويا. والأرجح أن قسما منهم في الأقل سيعود بالرغم من مُنغصات الخضوع لبروتوكول التوقي من الجائحة. وتعززت الآمال باستئناف تدفق السياح، بناء على شهادة المجلس العالمي للسفر والسياحة الجمعة، التي صنفت تونس “بلدا آمنا وجاهزا على الصعيد الصحي لاستقبال الوافدين والسياح بكل أمان”.
موسم هجرة الأطباء
وعلى الرغم من أهمية هذه الشهادة تظل نقطة الضعف في المعركة مع الجائحة متمثلة في تدهور البنية التحتية للمستشفيات، ونقص الدواء، بالنظر لأسعاره الباهظة، وقلة المعدات الثقيلة، ومن بينها أجهزة التصوير المغناطيسي، بالإضافة لتجميد التوظيف في القطاع العام. وحملت هذه الظروف القاسية ما يزيد عن 900 طبيب شاب على الهجرة إلى أوروبا أو الخليج سنتي 2018 و2019 بحثا عن مناخ عمل أفضل. ويتوقع خبراء أن يرتفع عدد الأطباء المهاجرين إلى 1700 طبيب، فضلا عن أساتذة الجامعات والمهندسين وقواد الطائرات. ويعسُرُ احتواء هذه الموجات من المهاجرين، مع تضاعف نسبة التداين الخارجي، التي زادت من 30 في المئة من الناتج المحلي عند اندلاع “ثورة الكرامة” في 2011 إلى قرابة 72 في المئة حاليا، وهي نسبة مرشحة لمزيد من الارتفاع.
ولئن تعهد رئيس الحكومة أمام أعضاء البرلمان الخميس، بأن نسبة التداين الخارجي لن ترتفع في الفترة المقبلة “لأن الحكومة ستعوّل على تعبئة الموارد الذاتية للدولة والتوجه أكثر نحو التداين الداخلي وترشيد النفقات” فإن تلك العبارات أقرب إلى الأماني منها إلى الخيارات العملية، بالنظر لنضوب الموارد الداخلية، خصوصا بعد ثلاثة أشهر من الحرب الشاملة على الجائحة.
انتظار واستعلاء
عبارة قصيرة، أطلقها رئيس الحكومة باللسان المحلي، أثناء إلقاء خطابه أمام البرلمان، سرعان ما وجهت الأعناق بعيدا عن قراءة التحديات الاقتصادية والصحية، لتغرق في تحليل دلالات تلك العبارة. قال الفخفاخ ما معناه إن من يأمل بتشويه سمعته والنيل من نزاهته بحشره في قضايا فساد “يبطى شوية” (أي عليه الانتظار) وهي عبارة لا تُقال في خطاب رسمي. ورأى خصومه في استخدام تلك العبارة استعلاء واعتدادا بالنفس انتقدوه عليهما بكلام لاذع.
يبقى أن هذا حديثُ مجالس النخبة ووسائل الإعلام الراكضة خلف القطارات التي لا تصل في التوقيت المحدد لها. أما ما لا يحتمل الانتظار، فهو نقص الغذاء والدواء لدى شرائح اجتماعية واسعة لا تقلُ نسبتها عن 20 في المئة من السكان، وهي مرشحة للزيادة إذا لم يتم إنقاذ القطاعين التجاري والسياحي في “معمعان صيف أضحى يتقد” على ما قال يوما الشاعر عمر بن أبي ربيعة في قصيدة مشهورة.