لا يبدو أن الأيام القادمة ستحمل معها ضمانات للقطع مع جو التوتر الحاصل على الساحة السياسية في تونس. ولا يبدو أن هناك ما يؤشر إلى رغبة الاطراف الفاعلة في الانصراف إلى تحديد الأولويات المطروحة في هذه المرحلة، لا سيما تداعيات المسألة الأمنية والاقتصادية والسياسية.
فرغم أهمية الخطوة التي أقدم عليها زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بالإعلان عن القبول بمبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، كمنطلق للحوار الوطني ولحل الأزمة السياسية في البلاد، إلا أن هذا الإعلان الذي كان لا بد أن يكون بداية للأفعال والدخول مباشرة في التجسيد العملي لمضمون مبادرة الاتحاد، ظل في حدود الأقوال. زد على ذلك البيان الذي أصدرته الحركة مباشرة بعد إعلان زعيمها، الذي جاء ملفوفا بالغموض بشأن نقطة أساسية في مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، والمتعلقة بالاعتراف بفشل حكومة علي العريض والقبول بتشكيل حكومة إنقاذ وطني مستقلة عن الأحزاب السياسية، على أن يستكمل المجلس التأسيسي الاستحقاقات المتبقية في آجال محدودة، بالإضافة إلى رفض بعض قيادات الحركة لهذا القرار، مما يفتح أبواب التساؤل حول جدوى هذا التصريح الذي اعتبره الكثير محاولة للجم الأفواه المطالبة بإقالة الحكومة لا غير.
في هذه الاثناء وقعت حركة الإنقاذ، التي تكونت اثر اغتيال القيادي محمد البراهمي، بمختلف مكوناتها الحزبية والجمعياتية والنيابية في جملة من الأخطاء، إذ انساق هذا التيار وراء ترويج خطاب اندفاعي وشعارات عامة وعناوين كبرى تتمحور أساسا في حل المجلس التأسيسي والحكومة. وهو ما انعرج بهذه الجماعة عن الهدف الأساسي المتمثل في الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة، تمكن المواطن التونسي من إنهاء الفترة الانتقالية والدخول إلى مرحلة الاستقرار الديمقراطي. وهذا التسويق الخاطئ أعطى حركة النهضة الفرصة لانتقاد هذا المطلب، واعتباره استهدافا للشرعية، ولهذا فإن الساحة السياسية في تونس مفتوحة على جدال سياسي عقيم بين الثلاثي الحاكم، الذي يصر على البقاء في سدة الحكم بحجة أنهم الأطراف التي رشحها الشعب في انتخابات 23 تشرين الاول/أكتوبر 2011. وبين معارضة لم تمتلك بعد الآليات الصحيحة لتمرير مطالبها وعدم ترك ثغرات للخــــصوم، رغـــــم عــدالة مطالبها، من دون أن ننسى طبعا الحلــــقة الوسطى في هذا المخاض، ونعني الاتحاد العام التونسي للشغل، الــــذي يتقمص دور الوسيط لتـــقريب وجهات النظر، وهذا الدور ليس بالأمر الحديث على المنظمة النقابية الوطنية التي طالما كان لها حضور قوي زمن المخاطر، كما في الأزمات والصراعات السياسية والانقسامات.
وفي الواقع فإن المشهد السياسي الراهن في تونس اليوم يلفه الغموض والشك والترقب والحذر، في ظل تراجع الإحساس بالتفاؤل، وتواصل أمد الأزمة والمضي قدما في لعبة الهروب وكسب الوقت، ما من شأنه أن يزيد الوضع تعقيدا ويعمّق أزمة الثقة القائمة والشكوك في حقيقة نوايا وإرادة الترويكا التي تصر على البقاء في السلطة وتتجاهل المزالق التي تتجه نحوها البلاد. كما قد تسقط المعارضة في فخ الانقسامات وتضارب المطالب وفقدان اللحمة، التي نجحت في تأسيسها منذ الاغتيال الذي استهدف الشهيد شكري بلعيد.
ولهذا ومع انطلاق أسبوع الرحيل منذ مساء السبت 24 اب/اغسطس بساحة بارو أمام مقر المجلس التأسيسي، للمطالبة برحيل الحكومة بدعوة من جبهة الإنقاذ وبمآزرة شعبية كبيرة، وما سيُرافق ذلك من تصعيد متوقع للحراك السياسي والشعبي. لا بد أن تعي مختلف الأطراف السياسية الحاكمة والمعارضة أن الأزمة السياسية الخانقة في البلاد بلغت شهرها الثاني، وتحديدا منذ جريمة الاغتيال التي استهدفت في ذكرى عيد الجمهورية النائب محمد البراهمي. وهو ما يحتم التعجيل في الجلوس الى طاولة الحوار وتدارس الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تنتظر حلولا في أقرب الآجال. كما لا بد أن يدرك الجميع أن حل الأزمة لا بد أن يكون منطلقه وجوهره من الداخل، وأن الحلول لن تأتي من أي طرف أجنبي. كما لا بد أن يتم دعم كل القراءات الرصينة للواقع والإقرار بالإخفاق وانسحاب الأحزاب الحاكمة والمعارضة إلى الصف الخلفي والاستعداد للانتخابات المقبلة، وترك المجال لحكومة مستقلة ومتفق على أعضائها. وقد يبدو هذا الحل ذا كلفة سياسية كبيرة للترويكا، ولكن أي تأخير في الإجراء والقرار قد يترتب عليه مزيد من التعقيد وتأزم الوضع في البلاد وانزلاقها في متاهات نحن في غنى عنها .
‘ كاتبة تونسية