يستعد الشعب التونسي لخوض غمار انتخابات حرة وشفافة لإختيار اقدر الناس على تسيير شؤونه بعد أن أشبع مغالطات رقمية وتشريعية في التعامل مع صناديق الإقتراع طيلة عقود، وربما منذ الخطاب الحماسي للرئيس بورقيبة الذي ألقاه بمدينة القصرين عشية انتخاب رئيس الجمهورية عام 1959 والذي قال فيه:’ إن هذه الثقة التي ستمنحوننا إياها يوم الإنتخاب بعملية بسيطة تتمثل في وضع الأوراق التي تحمل اسمي أو التي تحمل اسم الكتلة التي رشحناها لصناديق الإنتخاب’. وبمعنى آخر ‘ لا تعترفوا إلا بي وبجماعتي ما دمنا أحياء واحذروا أن تتفشى التعددية بين ظهرانيكم وتتبناها أجيالكم’. وسرعان ما استوعب ‘حزب الدستور’ هذا الدرس وطبقه كأحسن ما يكون التطبيق ونجح في أن يجعل من الإنتخاب سيئة من سيئات السياسة في البلاد ثم سلم المشعل ‘لحزب تجمع بن علي ‘ الذي زاد الشرخ عمقا بوضع قوانين معرقلة للحياة السياسية ومشجعة على الممارسات المعادية للحرية في جميع مراحل الإنتخابات. ولا مناص هنا من أن يدقق المؤرخون في الأسباب والمسببات التي حالت دون تمكين التونسيين من ممارسة حقهم في الديمقراطية منذ الإستقلال رغم الإنتفاضات المتعاقبة التي قاموا بها ضد نظامي بورقيبة وبن علي والتي انتهت في آخر الأمر بثورة شعبية عارمة أطاحت بهما وببقاياهما. وفي انتظار كل ذلك وبالرجوع إلى مقترح القانون الأساسي لشهر اذار/مارس 2014 المتعلق بالإنتخابات والإستفتاء المعروض على أنظار المجلس التأسيسي للنقاش والمصادقة، لا بأس من تقديم ملاحظات واقتراحات في محتوى البعض من فصول هذا المشروع مساهمة منا في تحقيق انتظار الشعب بأن يكون الإنتخاب عاما وحرا ومباشرا وسريا ونزيها وشفافا كما نص عليه الفصل الثاني منه. الفصل 18: اقتصر في شروط الترشح لعضوية مجلس نواب الشعب على الجنسية والعمر والتمتع بالحقوق ويمكن إضافة الشهادة العلمية الجامعية ضمانا لجودة العمل البرلماني. الفصل 19: يذكر كلمة ”الوالي’ في حين أن الدستور الجديد عوضها بـ’رئيس الجهة’. الفصل 20: اقتصر في قبول الترشحات على القوائم وتغافل عن الأشخاص بما يعني أن الناخب لن يتعرف على نائبه وكأنه سيصوت على ادماج جمعية أو مؤسسة صغرى ضمن مؤسسة كبرى أي على ذوات معنوية لا تشعر ولا تتكلم ويصعب التفاعل معها انسانيا. الفصل 35: حجر على عضو المجلس استعمال صفته في الإشهار بأنواعه وندعم ذلك بمنعه من استغلال صفته تلك لقضاء شؤونه لدى العامة والخاصة. الفصل 36: تغافل عن ذكر وجوب تعويض النائب الذي يعفى أو يستقيل عند تكليفه بمسؤولية جديدة ولم يشر إلى تطبيق مقتضيات أي فصل آخر معني بالموضوع. الفصل 64: كلف الهيئة الإنتخابية والهيئة العليا المستقلة للإتصال السمعي والبصري بتحديد حصص البث الإذاعي والتلفزي لحملات المترشحين. ونود هنا لو يتم القطع مع الماضي في هذا المجال، بالتخلي عن التدخلات الفردية المملة والكرتونية في أغلبها وتعويضها بمنابر حوار خاصة بكل دائرة يواجه فيها المترشحون بعضهم البعض طيلة ساعة من الزمن حتى يتبين للناخبين أنجعهم وأقدرهم على الدفاع عن مشاغلهم. وكذلك الشأن بالنسبة إلى رئيس الجمهورية. الفصل 78: بالغ في محاصرة تحركات المترشحين بطلب ‘مسك قائمة في التظاهرات والأنشطة والملتقيات المنجرة مؤشر عليها من قبل الهيئة’، وكأن الأمر يتعلق بمتابعة إدارية لنشاط جمعية والحمد لله أن لم يقع التأكيد على وجوب توفير تسجيلات سمعية بصرية لكل التدخلات. الفصل 127 : ترك للهيئة الإنتخابية حرية إعتماد ‘الحبر الإنتخابي’ الذي لا نراه من ناحيتنا مجديا ولا معبرا وينبغي التخلي عنه دفعا للشكليات التي تؤرق المضمون علاوة على تكلفته وتلويثه لأصابع المقترعين. الفصل 128 : يطرح اشكالا في التعرف على الناخب الأمي المطلوب مساعدته وذلك في غياب بطاقة خاصة به. ويتجه اقترحنا هنا بان يحضر المعني بالامر من يشهد بذلك ويتم تسجيل إسمه بالسجل الإنتخابي. الفصل 140: مكن الهيئة من إعادة الإنتخابات أو الإستقفتاء في مكاتب الإقتراع أو الدوائر الإنتخابية التي الغيت فيها النتائج والأفضل أن يكون ذلك بأمر من المحكمة المختصة لما للموضوع من حساسية. الفصول 147 إلى 163 الخاصة بالباب السادس بعنوان ‘الجرائم الإنتخابية’ تحتاج إلى مراجعة جذرية انطلاقا من الإسم الذي ينبغي تعويضه بـ’التجاوزات الإنتخابية’ وصولا إلى العقوبات المالية والاخرى السالبة للحريات التي اعتمد فيها المشروع صرامة لا تتماشى والحدث الإنتخابي الذي يشبهه الشعب بالعرس الديمقراطي. الفصل 168: (إنتقالي) إشار إلى إصلاح ما ورد بالفقرة الأولى من الفصل 43 الخاصة بتزكية ترشح رئيس الجمهورية والحال ان الأمر يهم الفصل 38 وكان من الأجدى أيضا القول ‘إلى حين صدور قانون’ عوضا عن ‘خلافا لما ورد ‘لأن هذا المعنى يثبت محتوى الفصل الإنتقالي ويشرع نهائيا للتزكية بعشرين نائبا من المجلس الوطني التأسيسي في كل الإنتخابات الموالية والحال أن مهمة هذا الأخير قد شارفت على الإنتهاء.