تونس ـ لندن ‘القدس العربي’ ووكالات: واصل ساسة تونسيون أمس الأحد تشكيل حكومة وحدة وطنية بينما عاد التوتر الأمني ليخيم على العاصمة وضواحيها بعد هدوء نسبي استمر يومين.
هذا وقد تعزز الاحد الاعتقاد بوقوف انصار الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وراء مناخ الفوضى والانفلات الامني الذي تشهده البلاد منذ فراره الجمعة مع اعتقال اثنين من اقاربه.
ودارت معارك حقيقية بعد ظهر أمس الأحد بين ميليشيات مسلحة تتمركز في مبان بوسط العاصمة وقوات الجيش والشرطة بالقرب من وزارة الداخلية وملحقاتها.
وحتى الان تعمل الميليشيات المسلحة على اثارة الذعر ليلا في العاصمة وضواحيها والعديد من مدن البلاد من خلال القيام بأعمال نهب واعتداءات على المواطنين.
واتهم القضاء للمرة الاولى أمس الجنرال علي السرياطي المدير السابق لأمن الرئيس التونسي المخلوع وعدداً من مساعديه بـ ‘التآمر على الامن الداخلي’ في تونس.
وعلمت ‘القدس العربي’ أن الجنرال علي السرياطي وعددا من مساعديه عرضوا أمس الأحد أمام القضاء بموجب المواد 62 و68 و69 من القانون الجزائي.
واوضح مصدر مسؤول ان السرياطي، احد ابرز مساعدي بن علي، ومن معه ‘تم توقيفهم في بن قردان’ (550 كلم جنوب العاصمة) حين كانوا يحاولون الفرار الى ليبيا غير البعيدة.
كما افاد شهود ان الجيش التونسي اعتقل ليل السبت الاحد قيس بن علي ابن اخ الرئيس المخلوع في مدينة مساكن (130 كلم جنوب العاصمة) مع عشرة اشخاص آخرين كانوا ‘يطلقون النار عشوائيا’ من سيارات للشرطة.
وذكر شاهدان ان احد افراد هذه المجموعة المسلحة قتل خلال عملية الجيش، واكدا انهما تعرفا على قيس بن علي ابن اخ الرئيس المخلوع من بين المعتقلين.
وكانت مجموعة من الشبان ابلغت قوات الشرطة بالامر حين شاهدت ثلاث سيارات للشرطة تسير بسرعة كبيرة ويطلق منها مشبوهون النار في شكل عشوائي.
وعزز هذه الاتهامات ما يتردد في الايام الاخيرة عن تورط اعضاء في الجهاز الامني لبن علي في اعمال النهب والفوضى في محاولة منهم لاشاعة مناخ من الفوضى والذعر يشجع على عودته.
وامام هذه التهديدات تم تشكيل لجان وطنية من المواطنين لحماية المساكن بصورة تلقائية اولا ثم بناء على دعوة الاتحاد العام التونسي للشغل (النقابة الوحيدة). وقال مصدر مطلع على اساليب النظام السابق ‘لا ينبغي الاستهانة بقوة الامن الرئاسي الذي كان يقوده الجنرال السرياطي ويضم الالاف من الموالين لبن علي’. وكان لجهاز الامن الرئاسي اليد الطولى على باقي القوى الامنية كما كان مرهوب الجانب من المواطنين.
كما سمع دوي إطلاق نار خارج مقر الديمقراطي التقدمي المعارض بالعاصمة.
وقال الحزب ان الشرطة اوقفت عربة تقل مسلحين وصفهم بأنهم أجانب وان أعيرة نارية اطلقت. وقالت الشرطة ان اثنين من المشتبه بهم الذين القت القبض عليهم بعد مطاردة المسلحين الى مبان سكنية قريبة يحملان جوازات سفر سويدية. كما القت الشرطة القبض على تونسي.
وتمركزت الدبابات أثناء النهار حول تونس العاصمة ووقف جنود لحراسة المباني العامة بعد إطلاق النار من سيارات وحوادث هروب جماعي من السجون يوم السبت أسفرت عن مقتل عشرات السجناء.
وبدأ المواطنون الذين قال بعضهم انهم بدأوا يشعرون بعودة الحياة الطبيعية خلال ساعات النهار في بناء حواجز من فروع الأشجار وصناديق القمامة لإغلاق شوارعهم وحماية ممتلكاتهم مع اقتراب موعد حظر التجول ليلا.
وقال رجل في وقت سابق من أمس ‘خرجنا إلى الشوارع وارتدينا قمصاناً بيضاء حتى يمكننا التعرف على بعضنا البعض. وأخبرنا الشرطة في المنطقة اننا هنا واننا نلبس ملابس بيضاء ـ حدث هذا اثناء حظر التجول. جئنا مستعدين.. أحضر بعضنا العصي وجمعنا الحجارة.’وقال طاقم تلفزيون رويترز ان جماعة من الشبان المسلحين بالعصي والسكاكين يوقفون سيارات خاصة على الطريق السريع الذي يتجه شمالا إلى تونس العاصمة ويسرقونها على بعد بضعة كيلومترات من نقطة تفتيش تابعة للجيش.
قيس بن عليوفي تعبير عن ازدرائهم لأسرة بن علي اقتحم عدة مئات من الأشخاص الفيلا الخاوية المنهوبة لقيس بن علي والتقطوا فيها الصور وخلعوا النباتات في الحديقة وتجهيزات الحمامات وأخذوها كتذكارات.
وتوجد الفيلا في منتجع الحمامات الفاخر على شاطئ البحر المتوسط على بعد حوالي 60 كيلومترا عن العاصمة حيث كان يسكن كثيرون من النخبة الثرية المقربة من الرئيس المخلوع.
وأدى رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع اليمين الدستورية رئيسا مؤقتا للبلاد. وطلب من رئيس الوزراء محمد الغنوشي تشكيل حكومة وحدة وطنية وقالت السلطات الدستورية انه يجب اجراء انتخابات رئاسية في غضون 60 يوما.
وأجرى الغنوشي المزيد من المشاورات لمحاولة ملء الفراغ الذي خلفه فرار بن علي الى السعودية بعد 23 عاما في الحكم على أثر احتجاجات دامت شهرا بسبب الفقر والقمع. وأودت الاحتجاجات بحياة العشرات.
وقالت مصادر ‘القدس العربي’ ان المشاورات دارت أمس مع الأحزاب المرخصة فقط، ما يعني استثناء حركة النهضة ذات التوجه الاسلامي، وكذلك حزب العمال الشيوعي.
وترددت أصداء إيجابية من المحادثات السياسية حتى الآن لكن المفاوضات قد تواجه مشاكل حين تصل الى تفاصيل اي الأحزاب ستحصل على اي منصب حكومي، وعدد من ستضمهم الحكومة من الحرس القديم. وقال احمد ابراهيم زعيم حزب التجديد إنه سيجتمع بالإضافة الى زعماء أحزاب آخرين مع الغنوشي اليوم.
وقال إن المسألة الرئيسية بالنسبة لهم الآن هي وقف كل صور الفوضى. وتابع أنهم متفقون على عدة مبادىء تتعلق بالحكومة الجديدة وسيواصلون المناقشة وقال إن رسالته هي أن يقول لا للقذافي فالتونسيون لا يريدون العودة الى الوراء في إشارة الى كلمة للزعيم الليبي معمر القذافي قال فيها إن التونسيين تسرعوا في التخلص من بن علي.
وتريد أحزاب المعارضة ضمانات بأن الانتخابات الرئاسية ستكون حرة وانها سيكون لديها ما يكفي من الوقت للدعاية وان البلاد ستمضي نحو ديمقراطية أفضل وان قبضة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي على السلطة سترخى.
وقال حزبان معارضان بالفعل ان اجراء الانتخابات خلال شهرين هو امر فيه عجلة.
وقال الزعيم المعارض نجيب الشابي بعد محادثات مع الغنوشي امس السبت ان الانتخابات يمكن ان تجرى تحت اشراف دولي خلال ستة أو سبعة أشهر.
وفي بيروت قال المعلق السياسي رامي خوري ان الأمر قد يستغرق وقتا كي تتكتل المعارضة من العلمانيين واليساريين والإسلاميين حيث لم تكن هناك جبهة موحدة. وقال لرويترز ان هذه العملية ستستغرق أسابيع على الأقل ثم يأتي دور التخطيط والتنفيذ للحكومة الانتقالية واضاف انه لا توجد دولة عربية يستطيع الشعب فيها ان يبدأ فجأة من الصفر.
وتجمع عشرات من أنصار حركة المقاومة الإسلامية حماس في غزة حاملين صورا كبيرة لبن علي تحمل عبارات تناشد الزعماء العرب أن يتعلموا الدرس. كما أقام التونسيون الذين يعيشون في باريس وروما احتجاجات احتفلوا فيها بالإطاحة بالرئيس التونسي المخلوع.
وفضلا عن قيام الجنود بدوريات في شوارع تونس قام سكان بحراسة الحواجز التي وضعوها لحماية ممتلكاتهم من اللصوص وغيرهم ممن يستغلون الفوضى.
وفي حي بلفيدار الفاخر استخدم السكان صناديق القمامة وكتل الخرسانة لغلق شوارعهم.
وأطلق مسلحون النار عشوائيا من سيارات في تونس السبت ولم يتضح من هم الذين قاموا بذلك لكن مصدرا عسكريا رفيعا قال لرويترز ان أشخاصا تابعين لبن علي وراء عمليات اطلاق النار.
واستدعي الجيش الأحد الماضي لدعم قوات الشرطة. ومنذ ذلك الوقت انتشرت القوات العسكرية في الشوارع بشكل قوي تدعمها طائرات الهليكوبتر الحربية بينما غابت الشرطة أو أنها غير فعالة.
وكتب عالم الدين طارق رمضان على موقعه على الانترنت يقول ‘علينا ان نكون حذرين ايضا لدور الجيش… قد يحصل الشعب على مظهر الحرية بطرح الدكتاتور ثم تأتي بعد ذلك حملة جديدة على الحياة السياسية التونسية.’ودعت حكومات عربية وغربية إلى الهدوء والوحدة.
ودعت الحكومة الفرنسية تونس الى إجراء انتخابات حرة بأسرع ما يمكن وقالت انها اتخذت خطوات ‘لضمان وقف التحركات المالية المشبوهة فيما يتعلق بالاصول التونسية في فرنسا اداريا’ وذلك حسبما ذكر بيان اصدره مكتب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.