تونس: توسُع الاعتقالات السياسية واستهداف القضاة والإعلاميين

 رشيد خشانة
حجم الخط
2

اتخذت مسألة الحريات في تونس، بأبعادها المختلفة، انعطافا خطرا منذ حملة الاعتقالات التي طالت زعماء من المعارضة وحقوقيين وقضاة وإعلاميين ونقابيين ورجال أعمال ووزراء سابقين. وبررت السلطات الاعتقالات بوجود مؤامرة على أمن الدولة، لكن التحقيقات الأمنية والقضائية، التي أجرتها السلطات المختصة في هذا الملف، لم تكشف عن أية مستندات تُبرر توجيه التهمة إلى المعتقلين. وأكد محاموهم أن اللقاءات التي جمعت بين عدد من قيادات الأحزاب في بيت المتهم خيام التركي وفي مقر حزب قانوني، لم تتطرق إلى قلب نظام الحكم. واقتصر المشاركون فيها على البحث عن حلول للأزمتين المالية والسياسية اللتين تعصفان بالبلد. مع ذلك أطلق القطب القضائي لمكافحة الإرهاب في المحكمة الابتدائية بتونس، متابعات ضد 21 شخصاً كانوا يتقلدون مناصب عليا في هرم الدولة والأحزاب، من ضمنهم رئيسا الحكومتين السابقتين يوسف الشاهد وعلي العريض. وفيما يُلاحق هذا الأخير بثلاث تهم هي التآمر على أمن الدولة والتعذيب والاحتجاز، يُلاحق الشاهد بتهمتي التهريب وغسل الأموال.
ووفق مصادر حقوقية فإن قطاع الإعلام هو الأكثر تضررا من حملة الملاحقات القضائية، ما حمل عشرات الصحافيات والصحافيين على القيام بتحركات وتجمعات، في الأسابيع الأخيرة، بقيادة نقابتهم، احتجاجا على ما وصفوه بـ«التوظيف الأمني لأجهزة القضاء» واستخدام ترسانة القوانين المُعطلة للحرية في توجيه عقوبات قاسية للإعلاميين. وأتى ذلك الحراك ردا على قرار محكمة الاستئناف بتشديد العقاب الصادر في حق الصحافي خليفة القاسمي من سنة إلى خمس سنوات سجنا، بعد اتهامه بـ«نشر معلومات أمنية» تخص تفكيك خلية إرهابية في محافظة القيروان. وشكل الحكم الصادر بحق القاسمي صدمة للعاملين في القطاع، لا سيما أنهم اعتادوا على تغطية النجاحات الأمنية في مكافحة الارهاب بعد الثورة 2011.
ويخشى الصحافيون والنشطاء من زيادة تضييق الخناق عليهم وضرب حرية التعبير في أعقاب سن المرسوم 54 الذي يُهدد بالقضاء على ما تبقى من حرية التعبير، التي تعد المكسب الأبرز الذي تحقق في البلاد بعد الثورة، وفي وقت تتصاعد فيه التوقيفات والمحاكمات في أوساط النشطاء السياسيين المعارضين، في حين ما زال الرئيس سعيد يؤكد أنه هو الضامن لحرية التعبير. وكان مدير الإذاعة الخاصة الأولى في تونس نور الدين بوطار تعرض للاعتقال مع الكوكبة الأولى من السياسيين في شباط/فبراير الماضي، ولم توجه إليه أية تهمة إلى أن تم الافراج عنه بكفالة مالية الأسبوع الماضي. وأفادت محاميته دليلة مصدق أن الأسئلة التي وُجهت إليه تتعلق بالخط التحريري للإذاعة التي يُديرها، والمعروفة بنقدها لتجاوزات السلطات. ووضع سعيد خصومه أمام خيارين لا ثالث لهما، عندما صرح بأن «من يشكّك في (توافر) الحريات إما عميل أو مصاب بغيبوبة فكرية». واعتبارًا من 11 شباط/فبراير الماضي عندما بدأت موجة الاعتقالات الأخيرة، كانت المحاكم قد حققت مع ما لا يقل عن 32 شخصًا بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير.

تقلص مساحة الحرية

ولوحظ تراجع واضح في مساحة الحرية في الصحف الورقية والإلكترونية وسائر وسائل الإعلام، وخاصة البرامج الحوارية، التي ألغيت في بعض الإذاعات والقنوات الخاصة، فيما نزل سقف حرية التعبير في بعضها الآخر بشكل واضح. على هذه الخلفية كشف التقرير السنوي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» بشأن حرية الصحافة تراجع تونس بشكل لافت في ترتيبها بين الدول على مستوى العالم. وذكر التقرير الذي صدر الشهر الماضي أن تونس تبوأت المرتبة 120 من بين 180 دولة، بعد أن كانت في المرتبة 94 في حين كانت في المرتبة 73 عام 2021. وعزت نقابة الصحافيين التونسيين هذا التراجع إلى تصاعد الانتهاكات بحق الصحافيين واستمرار محاكمات أصحاب الرأي، وفق قولها. وانتقد نقيب الصحافيين مهدي الجلاصي تحول التلفزيون الرسمي إلى «بوق دعائي تافه يستبعد كل أصوات المعارضة، بعد أن كان صوتا للجميع في العقد الماضي». وأضاف أن مؤشرات حرية الصحافة والرأي والتعبير في تونس «تتراجع بشكل خطر» مشيرا إلى أن عدة صحافيين حوكموا بموجب قانون النشر على الإنترنت المعروف بالمرسوم 54 معتبرا هذا المرسوم، يشكل «أكبر انتكاسة لحرية التعبير منذ 2011».
وكان لافتا أن الجسم القضائي، المتسم عادة بالرصانة والاعتدال شعر بمخاطر تداخلات السلطات التنفيذية في قراراته، فتحرك بدوره في إطار تجمُع احتجاجي نادر أمام وزارة العدل بالأزياء المهنية. وتأثر القضاة كثيرا بالتهديد الذي أطلقه الرئيس سعيد، عنما قال عنهم «من يُخلي سبيل هؤلاء (المتهمون بالتآمر) يُعتبر شريكا لهم». وصار السؤال الذي يتردد على الألسنة هو: هل فقد القضاء التونسي مقومات استقلاليته؟ ليس مطلب الاستقلالية مطلبٌ طارئٌ، إذ برزت جمعية القضاة في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، بدفاعها المستميت عن حرية القضاء، ما كلف أعضاءها القياديين إجراءات عقابية ثقيلة. ويتحاشى القضاة اليوم إصدار قرارات وأحكاما في الملفات السياسية الحساسة. ونبهت المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للقضاة، إلى المخاطر التي تُهدد استقلالية السلطة القضائية، والتي يعتبرها سعيد مرفقا من مرافق الدولة، وليست سلطة مستقلة، طبقا للمعايير الدولية للاستقلالية الوظيفية والهيكلية. ويُلاحظ المراقبون أن إضعاف القضاء تم على ثلاث مراحل منذ ألغى سعيد دستور 2014 واستبدله بدستور صاغه بنفسه، وعرضه على استفتاء لم يشارك فيه سوى 11 في المئة فقط من المسجلين في لوائح الناخبين. وهذه المراحل هي أولا حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وثانيا إعفاء 57 قاضيًا بأمر رئاسي (أعيد بعضهم إلى مواقعهم) وثالثا حجب ضمانات استقلالية القضاء في دستور 2022. مع ذلك سعت السلطة التنفيذية، إلى توظيف القضاء في محاكمات سياسية استهدفت سياسيين معارضين وصحافيين ومحامين وقضاة ومدوّنين، قبل أن يمنح الرئيس لنفسه سلطة إعفاء أي قاضٍ بناء على «تقارير» من دون تمكين المعفيين من مبدأ المواجهة وحق الدفاع وقرينة البراءة. وكشفت شهادات أدلى بها عدد من القضاة المعفيين، أنهم دفعوا ضريبة رفض تطبيق توجيهات السلطة السياسية وطلبات الأجهزة الأمنية وتمسكوا باستقلال القضاء عموما.

انتقادات من النقابات

ومن علامات توتر العلاقات بين الرئاسة والمجتمع المدني، الانتقادات التي وجهها أمين عام اتحاد النقابات العمالية نور الدين الطبوبي، أخيرا للحكومة، متهما إياها بتوخي «سياسة الترهيب والتضييق على العمل النقابي» مؤكدا أن تلك الإجراءات لن تثني الاتحاد عن لعب دوره الوطني، على ما قال. وفي السياق ذاته، حمّل الطبوبي السلطة مسؤولية اشتداد الأزمة في البلاد، بسبب ما اعتبره «اختلال التوازن بين السلطات». كما انتقد الطبوبي السلطة السياسية، التي يقودها الرئيس قيس سعيد «بصلاحيات واسعة» منذ حله البرلمان وإلغائه أغلب المؤسسات الدستورية لما قبل 2021 ووضعه دستورا جديدا ومؤسسات بديلة. وركز زعيم اتحاد العمال على إبراز مظاهر الأزمة، التي قال إنها «احتدت بسبب اختلال التوازن بين السلطات ونتيجة التفرد بالرأي وفرض الأمر الواقع وتهميش القوى الوطنية والمجتمع المدني». وفي خطوة لافتة وغير مألوفة، وقع عشرات أساتذة القانون وكليات الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة التونسية (وهم زملاء سعيد السابقون) على بيان الخميس حضوا فيه على الافراج الفوري والشامل عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، بعدما اتضح أن الملفات فارغة، ولا تتضمن أي عنصر إدانة حسب ما قالوا. وتحمل هذه المبادرة معاني رمزية كثيرة عن القطيعة التي حلت بين أستاذ القانون السابق وزملائه. وفي السياق دعت منظمة العفو الدولية في رسالة توجهت بها إلى الرئيس سعيد الجمعة، إلى إسقاط التهم الموجَّهة إلى الناشطة شيماء عيسى وأستاذ القانون جوهر بن مبارك والخبير الاقتصادي خيام التركي (معتقلون منذ أكثر من مئة يوم) والإفراج عنهم فورًا، حيث أنهم محتجزون بسبب ممارستهم لحقوقهم الإنسانية، وفق نص البيان. وتعرض رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (مستقلة) بسام الطريفي لوضع دقيق عندما توجهت له فرقة مكافحة الإرهاب للحرس الوطني بدعوة للحضور لديها من أجل سماعه، إلا أنه رفض وأيده باقي أعضاء قيادة الرابطة، الذين عبروا في بيان عن تضامنهم مع رئيسهم ودعوه إلى عدم الامتثال للاستدعاء الأمني.

أربعة محامين بارزين

ولم يسلم المحامون بدورهم من الإجراءات التضييقية، إذ قررت السلطات السياسية توسيع نطاق التحقيق الجنائي في قضية التآمر على أمن الدولة، بإضافة أربعة محامين بارزين إلى لائحة المتهمين، من بينهم رئيس جبهة الخلاص المحامي أحمد نجيب الشابي ومنسق الدفاع عن المتهمين في قضية «التآمر» عياشي الهمامي والقيادي في حزب «النهضة» نور الدين البحيري والمحامية النسوية بشرى بلحاج حميدة. وحضت منظمة العفو السلطات التونسية على إنهاء التحقيق على وجه السرعة، والإفراج فورًا عن جميع الذين اعتقلوا على خلفيته، ووضع حد لاستخدام القضاء أداة للقمع. وعلقت المنظمة مُعتبرة أن المحامين البارزين وأعضاء المعارضة السياسية، الذين ناضلوا لسنوات من أجل مستقبل أفضل لتونس، يجدون أنفسهم مجددا عرضة لمتابعات قضائية، من أجل نشر الخوف وإسكات أصوات المعارضة، «ما يبعث برسالة مرعبة، مفادها أن أي شخص يجرؤ على معارضة الرئيس سعيّد يخاطر بأن يكون موضع انتقام». ومن العلامات البارزة على المضي في انتهاج أسلوب التشدد مع المعارضين، اعتقال رئيس «حركة النهضة» المعارضة راشد الغنوشي وإحالته على الفرقة المركزية للحرس (الدرك) الوطني، في إطار دعوى أقامها عليه وزيران سابقان هما مبروك كورشيد وماجدولين الشارني. وتتعلق الدعوى بتصريحات أدلى بها الغنوشي وتخص تعديلا وزاريا في 2018 من دون إعطاء مزيد من التفاصيل. ويواجه الغنوشي منذ أشهر عدة قضايا منها ما يتعلق بنعت أمنيين بالطواغيت، خلال تأبين أحد قيادات الحركة، علاوة على قضية الشركة الإعلامية المعروفة بـ «أنستالينغو» والمتخصصة بالاستشارات الإعلامية، فضلا عن ملف تسفير شباب تونسيين إلى «بؤر التوتر» وخاصة سوريا والعراق.

اعتقالات جديدة

وفي موضوع متصل تتعالى الشكاوى من أوضاع الاعتقال، التي توصف بالسيئة. وشكا المحامي والسياسي غازي الشواشي، المعتقل منذ شباط/فبراير الماضي، من منعه من تلقي الكتب، فضلا عن المتاعب التي تلاقيها أسر السجناء في يوم الزيارة الأسبوعي. وفي السياق تم اعتقال الرئيس السابق لفريق «حركة النهضة» في البرلمان الصحبي عتيق، الذي أوضحت زوجته في مؤتمر صحافي الجمعة، أنه أضرب عن الطعام، مؤكدة ألا علاقة له بتهمة سرقة أموال، الموجهة إليه في قضية حق عام. وقالت إن «القضية مركبة للإيهام بوجود سرقة أموال ضخمة.
أما على الصعيد الخارجي فإن تدهور حالة الحريات سمم علاقات تونس مع شركائها الأوروبيين، عدا إيطاليا، إذ وقع التونسيون على اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي في 1995، في إطار «السياسة المتوسطية الجديدة» للاتحاد، شملت في أحد بنودها التزام الطرفين بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان. ثم توصلت تونس والاتحاد إلى اتفاق شراكة جديد في العام 2018 وتضمن التعهدات نفسها في مجال الحريات. لذلك أطلق مسؤولون أوروبيون من بينهم مفوض العلاقات الخارجية في الاتحاد جوزيب بورال، تحذيرات من أن استمرار القبضة الحديدية سيؤدي إلى ردود عنيفة وتهديد الاستقرار في تونس، التي يرتبط بها أمن بلدان جنوب أوروبا. ويسعى الفرنسيون لتشجيع سعيد على اتخاذ خطوات تكرس الانفراج وتعزز الاستقرار بما يُبعد شبح الاضطرابات ويحد من موجات الهجرة عبر قوارب الموت. لكن الموقف الإيطالي يختلف عن الفرنسي، ويركز على اعتماد قبضة حديدية مع المهاجرين غير النظامين بحجة حماية السواحل الجنوبية لإيطاليا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية