هكذا سقط زميلكم ديكتاتور قرطاج ومستبدها وقامع الحرية وسيف التغريب في تونس الخضراء، كيف أصبح شريدا طريدا يتوسل من يؤويه ويقبله فلا مجيب ولا صديق حميما في وقت الضيق، أين تحالفات الأمس وأين الحليف الفرنسي والأمريكي وأين الأخ العربي الذي كان نزوله في أرضه يشرفه واليوم صار يمثل كابوسا وكأنه لا يعرفه أين الزعامة وكيف ذهبت بين ليلة وضحاها أدراج الرياح؟ وأين السلطة والملك وكيف ذهبت في غمضة عين أين الجاه والبطانة والحاشية التي كان هذا يمشي بجنبك وهذا مرحبا سيدي الرئيس واخر ماذا تريد يا جلالة السلطان وذاك سيدي إنا لها، كيف لم تعد تمثل لهم شيئا وأصبح مجرد ذكر اسمك عندهم يمثل لهم رائحة نتنة لا يطيقونها؟ أين هم وزراء الداخلية العرب الذين كانت ضيافتك لهم فخرا واليوم لا يقبلك أحد منهم؟
لماذا هل فهمت الآن؟ أكيد نعم ولكن بعد ماذا. فسن الرشد ليس في العقد الثامن بل في الأربعين. وهل عرفت إن الزمن دوار! نعم ولكن بعد فوات الأوان. كل ذلك حصل لبن علي لأنه ظن الشعب التونسي خلق من أجله ونسي ان كل ما كان فيه من نعمة وجاه وسلطان وقصور كان بفضل الشعب التونسي الذي تجرع ويلات العذاب والظلم والقهر والتعسف والتنكيل والتجويع والاستعباد ولكنه الشعب الذي يوم أراد الحياة فاستجاب له القدر باذن رب الملوك الذي يهب الملك لمن يشاء وينزعه عمن يشاء، هل فكرت إن من كان يستقبلك لا يستقبلك لأنك زين العابدين بن علي! ولكن لأنك رئيس شعب وبلد أسمه تونس فبدونه لست اي شيء، انا اعرف انك لن تقرأ مقالي ولكنه ليس لك بل لمن مازالوا في القصور العربية وفي دفة الحكم لعلهم يعتبرون قبل ما تحين ساعة الصفر التي اذا ما حانت سيتكرر بن علي جديد في أقطار عربية شتى لأن الوضع فيها لا يختلف عن تونس. هل لكم أيها الزعامات ان تعتبروا مما حصل لزميلكم في تونس الحرة الأبية في فترة قصيرة وفي طرفة عين؟ هل رأيتم المواقف الأوربية والأمريكية وحتى العربية كيف كانت مخيبة بنسبة لكم وان قلتم عكس ذلك. المواقف لم تكن غريبة بل متوقعة وصائبة في نفس الوقت لأنكم بدون شعوبكم لأتساو ون شيء في قاموس الزعامة وان ضحكوا عليكم وقدمتم لهم كل شي فلكراسي لا يحدد من يجلس عليها في واشنطن ولا باريس ولا لندن ولا أروقة المخابرات التي ستهرب اذا ما حدث شيء بل الشعب الذي هو لا يمكن ان تقوم قائمة الا به. المنطقة متأزمة وهذا ليس كلامي بل واقع معاش وحديث سيدة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أنه اذا لم تكن إصلاحات فان بقاءكم في سدة الحكم أصبح في حكم الماضي، هل لكم إن تفعلوا برامج إصلاح فاعلة وحقيقية وتدخلوا التاريخ من أوسع أبوابه. فالتاريخ لا تزال فيه صفحات بيضاء لمن أراد ان يكتب اسمه فيها. ومن يريد أن يكمل المشوار على نفس المنوال فالتاريخ له رجاله الذين سيكتبونه بكل مصداقية وسيكون في مزبلة التاريخ وستلعنه الأجيال المتعاقبة وسيكرر المشهد الذي كان بالأمس فلا مالطا ولا باريس ولا حتى العواصم العربية ستقبله.
اما أنت أيها الشعب التونسي الحر الأبي الشامخ، شعب ثورة الأحرار في العشرية الثانية من الألفية الثالثة والرجال الذين قلبوا المعادلة السائدة عند العرب من ان التغيير لا يأتي إلا على ظهر الدبابة الأمريكية فيكفيكم فخرا انكم كسرتم معادلة قد تغير العرب في القريب العاجل.
انتم الرجال البواسل الذين واجهوا طلقات الرصاص بصدورهم التي كانت سترات الحرية والكرامة وفعلا حققتم الأهم وهو طرد الديكتاتور ولكنكم لم تكملوا المشوار بعد لان هناك من بقايا الديكتاتور ومن يريد ان يسرق ويخطف النصر ويريد إن يعيد نفسه مرة أخرى فانتبهوا فلا تجعلوا دماء ابناكم تذهب هباء. فالبوعزيزي كان جمرة تحت الرماد وهي التي أشعلت النار فأحرقت العرش الذي كان لا بد أن يحرق. الثورة التونسية تصورها الشابي وأشعل فتيلها البوعزيزي وسعرها ابناء سيدي بو زيد ووقودها ابناء الشعب التونسي الأصيل.
صالح بهاج [email protected]