تونس ـ يو بي اي: رأى سياسيون تونسيون، أن إعلان رئيس الحكومة التونسية المؤقتة، حمادي الجبالي، عن فشل الإئتلاف الحاكم ‘الترويكا’ الذي تقوده حركة النهضة الإسلامية في التوصل إلى توافق حول تعديل وزاري، كشف عُمق الأزمة التي تعصف بهذا الإئتلاف الذي تأسس على مُحاصصة حزبية أدخلت البلاد بمأزق خطير. ويأتي هذا الفشل بعد نحو 6 أشهر من المفاوضات بين أقطاب هذا الإئتلاف، حيث قال الجبالي خلال مؤتمر صحافي عقده قبل يومين، إن ‘الترويكا’ لم تتوصل إلى توافق بشأن التعديل الوزاري.وأشار إلى أنه ‘سيضطر خلال الأيام القادمة إلى التقدم بتشكيلة حكومية جديدة إلى المجلس الوطني التأسيسي للنظر بمنحها الثقة على ضوء تواصل عدم التوافق على التعديلات المقترحة’.وتنظر الأوساط السياسية التونسية بكثير من الريبة إلى هذا ‘التهديد المبطن’، بإعتبار أن ذلك من شأنه ترحيل أزمة الحكومة إلى المجلس التأسيسي (أعلى سلطة في البلاد) الذي يعاني أصلا من التعطيل، حيث لم يتمكن من إنجاز مهمته الأصلية، أي كتابة دستور جديد، رغم مُضي أكثر من عامين على إنتخابه.ويخشى المراقبون أن يتسبب ذلك في مأزق جديد قد يُدخل البلاد بمتاهة لا أحد بإمكانه التكهن بتداعياتها، لاسيما في هذه المرحلة التي تبدو فيها تونس على أبواب إستحقاقات مصيرية وسط إنقسامات حادة داخل الإئتلاف الحاكم، وصلت إلى حد التهديد بفرط عقده.وكشف هذا المأزق هشاشة الإئتلاف الحاكم في تونس بقيادة حركة النهضة الإسلامية، وفشله في إدارة الحكم، حيث راكم أخطاء كبيرة أوصلته إلى أزمة جدية إنعكست سلبا على الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية في البلاد.وقال أمين عام حزب المسار الديمقراطي الإجتماعي، أحمد إبراهيم، لـ’يونايتد برس أنترناشونال’، إن نهاية التعديل الوزاري الذي وصفه بـ’المسلسل الممل الذي أخرجته الحكومة وبثته طيلة الأشهر الماضية’، كانت متوقعة لأن الحكومة كان هدفها ‘إلهاء الشعب، وحرف أنظاره عن المشاكل الحقيقية التي تعاني منها البلاد’.وأضاف أن ‘هذا الفشل يعود بالأساس إلى أن التمثيل كان مبنياً على منطق خاطئ، حيث إرتكز على إئتلاف أعرج، وعلى محور حركة النهضة الإسلامية وحساباتها في وضع اليد على البلاد’.ودعا أحمد إبراهيم إلى حوار وطني تشارك فيه جميع القوى للإتفاق على أمهات القضايا، وعلى خارطة طريق تحدد المسائل الضرورية والمواعيد الهامة، وماهية القرارات العاجلة من أجل إنقاذ البلاد، وبعد ذلك يتم النظر في أي شكل حكومي قادر على القيام بهذه المهمة.وتجمع الأوساط السياسية على أن الحكومة الحالية التي ولدت بعد مخاض عسير لقيادة المرحلة الإنتقالية الثانية في البلاد، لم تدرك حجم التحديات التي تواجهها، حيث إتسم أداؤها بضبابية الرؤية، والتردد في إتخاذ المواقف، وضعف المبادرة، بالإضافة إلى فقدان بوصلة تحديد الأولويات، إلى درجة أضحت تعمل من أجل مصالح حزب بعينه إرتباطا بالإستحقاقات الإنتخابية المرتقبة، ما جعلها عرضة للإنتقادات والإتهامات.وقال رئيس حركة نداء تونس المعارضة، الباجي قائد السبسي، إن حكومة ‘الترويكا’ الحالية التي يرأسها حمادي الجبالي أمين عام حركة النهضة الإسلامية ‘تمضي من فشل إلى آخر’. وإعتبر في تصريحات له أن حركة النهضة ‘أرادت السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، ولكنها فشلت في ذلك، وأنها لم تلتزم بأسس الديمقراطية وأرادت الإنفراد بالحكم على حساب غيرها من الأحزاب السياسية’.وتجد هذه الإتهامات صدى لها لدى المواطن الذي تدهورت قدرته الشرائية جراء الإرتفاع الجنوني للأسعار، حيث لم يتردد صالح رحموني (موظف حكومي) في القول للوكالة، إن هذه الحكومة ‘أدخلتنا في قضايا لا تهمنا ولا تعنينا أصلا مثل تعدد الزوجات، وغيرها من المسائل الأخرى.. نحن نريد العيش ونريد فرص عمل إضافية للقضاء على البطالة’.وأعرب رحموني عن إعتقاده بأن سبب هذا الفشل هو ‘حركة النهضة الإسلامية التي تريد الهيمنة على البلاد، وبسط نفوذها لأنها لا تؤمن بالديمقراطية وبالتداول السلمي على السلطة’، على حد تعبيره.وتتهم المعارضة التونسية حركة النهضة الإسلامية بأنها تسعى إلى السيطرة على مفاصل الدولة، بما يساعد على تحكمها في قيادة المرحلة التي تسبق الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وهي إتهامات يرفضها قادة حركة النهضة ويصفونها بـ’المغالطات’، مع تأكيدهم على نجاح تجربة الإئتلاف الحاكم التي تعكس رغبتهم في إشراك مختلف الأطراف في هذه المرحلة.وفي هذا السياق، يقول وزير التشغيل السابق، سعيد العيادي، القيادي في الحزب الجمهوري، ليونايتد برس أنترناشونال، إن الحكومة الحالية ‘فاشلة سواء بأدائها أو في التعامل مع المواطن والوفاء بالوعود وحتى في تسمية المسؤولين’.وأرجع هذا الفشل إلى ما وصفه بـ’عقلية الحكم السائدة حاليا’، وحذر في المقابل من انه في صورة عدم تبديل هذه العقلية، فإن البلاد ستلج في أزمة حادة لها أبعاد سياسية وأخلاقية. وشدد في المقابل على ضرورة تحييد وزارات السيادة، والإتفاق على برنامج واضح بمدة زمنية محددة لتنظيم الإنتخابات القادمة، والإبتعاد عن منطق المحاصصة الحزبية.ومن الواضح أن القوى السياسية التونسية بما فيها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، شريكا حركة النهضة الإسلامية في الحكم، متفقة على هذه المطالب، وخاصة منها تحديد موعد الإنتخابات وتحييد وزارات السيادة، وذلك للخروج من المأزق الراهن.وتجد حركة النهضة الإسلامية نفسها وحدها في مواجهة هذه المطالب، ومع ذلك تواصل المكابرة رغم أن مصداقيتها أصبحت على المحك، وأن نجاح العملية السياسية خلال هذه المرحلة الإنتقالية، وعدم تعرضها لنكسة تعيدها للمربع الأول بات يتوقف إلى حد كبير على مدى إدراكها لحجم الأخطار التي تواجه البلاد.وقال الأمين العام لحزب العمال الوطني الديمقراطي، عبد الرزاق الهمامي، لوكالة، إنه يتعين على حركة النهضة الإسلامية مراجعة مواقفها بالإتجاه الصحيح أفضل من التمادي في الباطل.ولكنه استدرك قائلا ‘للأسف لا توجد مؤشرات جدية لحدوث مثل هذه المراجعة رغم فشل الأسلوب الإقصائي والإستفرادي، ومع ذلك تواصل حركة النهضة الهروب إلى الأمام من خلال ترحيل الأزمة إلى المجلس التأسيسي الأمر الذي من شأنه إدخال البلاد في مأزق متعدد الأطراف’.qarqpt