بعد إعلان نجلاء بودن رمضان عن تشكيلتها الوزارية وأدائها القسم «الدستوري» مع أنه غائب، أمام الرئيس التونسي قيس سعيد، لم تتحدث عن خريطة طريق للخروج من الأزمة التي وضع سعيد البلاد فيها عندما قرر في 25 تموز/يوليو تجميد البرلمان وعزل رئيس الوزراء في إجراءات استثنائية «مؤقتة» تتحول يوما عن يوم إلى دائمة. فقد أعرب الشهر الماضي عن نيته تعطيل معظم الدستور التونسي الذي مرر بعد مساومات ونقاشات طويلة في 2014 بحيث لا تبقى منه غير الديباجة.
وصعد سعيد من خطابه ضد معارضيه وواصل تجريمهم وشيطنتهم ومحاولة إسكاتهم، وكانت آخر تحركاته هي سحب الجواز الدبلوماسي من الرئيس السابق المنصف المرزوقي. وفي الأسبوع الماضي أغلقت حكومة سعيد قناة تلفزيونية واعتقلت مقدم برنامج حواري مؤيد للديمقراطية بعدما قرأ قصيدة للشاعر العراقي أحمد مطر. ويحاول المعتذرون عن سعيد وقراراته التأكيد بأنها تحظى بدعم غالبية الشعب التونسي، لكن الوضع لا يبشر بخير من ناحية حرية التعبير ومسار الديمقراطية الذي اختطته تونس على مدى العقد الماضي، ويواصل الوضع الاقتصادي الضغط على حياة الناس، فسعيد لم يبد اهتماما حتى الآن بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي على حزمة إنقاذ، بل وظل يردد نفس الكلام عن مكافحة الفساد، الذي قد يتحول إلى أداة لإسكات المعارضين كما لاحظنا خلال السنوات الماضية في الكثير من الدول العربية.
أول امرأة
ويحاول أنصاره تقديمه على أنه شخص فوق الشبهات وغير قابل للفساد والإفساد، لكن تشكيلة الحكومة الجديدة ضمت عددا من المقربين إليه ومدير حملته الانتخابية في مدينة سوسة، توفيق شرف الدين، وزير الداخلية الجديد، مما يطرح أسئلة عن ماهية شعاراته، وحتى اختياره محاضرة جامعية غير معروفة خارج مجالها الأكاديمي لتتولى حكومة في بلد يعاني من أزمة، يطرح أسئلة عن مدى التفويض الذي ستتمتع به.
وهو وإن قدم اختياره على أنه أول إنجاز عربي، امرأة تتولى رئاسة الوزراء لأول مرة، وهذا صحيح لو جاء في الظروف الديمقراطية الصحيحة ومنحت بودن تفويضا من البرلمان وكانت لديها الصلاحيات للقيام بالإصلاحات والتغيير في بلد يقف على حافة انهيار اقتصادي، ويعتمد في وقوده ومعداته على الخارج، ولم يكن نظامه الصحي منيعا أمام موجة فيروس كورونا، والمفارقة أن هذا هو المبرر الذي دفع سعيد للاستيلاء على السلطة وإلغاء التجربة الديمقراطية الناشئة في تونس. وتراجعت قيمة العملة التونسية أمام الدولار خلال العقد الماضي إلى النصف مما زاد من المتاعب الاقتصادية في بلد مثقل بالديون ويعتمد على الوقود والآلات المستوردة، وتناقص احتياطه المالي بشكل أخاف المقرضين في القطاع الخاص. وفي تقييم للبنك الدولي جاء فيه «ضاقت مساحة تحسين المنظور المالي، من خلال تخفيض فاتورة الرواتب وكلفة الدعم غير المستهدف، بسبب المستويات العالية من التوتر الاجتماعي والسياسي» والغريب أن حل سعيد للأزمة الاقتصادية لم يقتصر إلا على مقترحات بسيطة مثل الطلب من باعة الدجاج والحديد تخفيض الأسعار.
لا مخرج
والمهم في كل تحركات سعيد وخاصة الحكومة الجديدة أنها بدون خريطة للعودة إلى الديمقراطية حسب تقرير في صحيفة «إندبندنت» (13/10/2021)، ولم يعلن سعيد ولا بودن أي خطط عن الانتخابات البرلمانية. وليس من الواضح أيضا إن كانت الحكومة الجديدة متناسبة مع دستور 2014 الذي ينص على دور البرلمان في المصادقة على الحكومة، في وقت تعهد فيه سعيد بتعديل الدستور. ويخشى فيه الداعمون الدوليون من أن تؤدي خطواته هذه لتغيير مسار البلد بشكل دائم وجمع كل السلطات في يده.
بلا أمل
وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»(10/10/2021) فقد عقدت تحركات 25 تموز/يوليو من إمكانية الحديث عن ربيع عربي يحمل الأمل. ذلك أن تونس ظلت بالنسبة للدول الغربية الداعمة والعرب المتعاطفين دليلا على مكانية ازدهار الديمقراطية في الشرق الأوسط، ولكنها تبدو اليوم إثباتا على أن الانتفاضات هي «وعد كاذب». فمهد الثورات العربية تحكم عبر مرسوم رئاسي من شخص واحد. وبهذا تسير على طريق الدول العربية التي انضمت إلى الثورة التونسية وانتهت بدمار كما في سوريا واليمن وليبيا وخنق المستبدون الانتفاضات في الخليج، فيما انتخب المصريون رئيسا قبل أن تتحول البلاد إلى ديكتاتورية عسكرية.
لكن الثورات العربية أثبت أن القوة النابعة عادة من السلطات العليا يمكن أن تشعل في الشوارع. وهو درس أكده التونسيون الذين تدفقوا إلى الشوارع مرة أخرى ضد البرلمان ومع سعيد، ولكن المتظاهرين هذه المرة هاجموا الديمقراطية وليس مستبدا. وقد يكون الحنق على الثورة ظرفيا لأن المشاكل التي أخرجت التونسيين والبحرينيين والمصريين واليمنيين والسوريين والليبيين للتظاهر قبل عقد من الزمان: الفساد، البطالة، القمع وعدم القدرة على توفير المعيشة اليومية، هي نفسها لم تتغير. فبعد عشرة أعوام يشعر التونسيون أنهم ينزلقون للوراء في كل شيء باستثناء حرية التعبير. وتعلق الصحيفة أن التداعيات الشعبية تظل تهديدا للحكم المستبد. فالحكام العرب الذين يعون المظالم المتزايدة لشعوبهم ضاعفوا من القمع بدلا من معالجة الموضوعات، والوحشية التي مارسوها تدعو إلى ثورات جديدة في المستقبل، كما حذر المحللون. وفي حالة سعيد، فرهانه يعتمد على التقدم الاقتصادي. وتواجه تونس أزمة مالية تلوح بالأفق، وأزمة دين بالمليارات مستحقة هذا الخريف. ولو عزلت الحكومة الموظفين في المؤسسات العامة وأوقفت الدعم وخفضت من الرواتب ولم تتحسن معدلات البطالة، فستتغير مشاعر الرأي العامة وترتد 180 درجة. ولن تمثل الأزمة الاقتصادية تحديا لسعيد فقط بل وأوروبا التي لا تبعد إلا أميالا عن الشواطئ التونسية، والتي ستجذب إليها قوارب المهاجرين التونسيين بالآلاف. وبالنسبة للحكومات الغربية التي دعمت بداية الانتفاضات ثم عادت ودعمت الحكومات المستبدة باسم الاستقرار، فقد تكون تونس تذكيرا عما دفع المحتجين العرب على التظاهر قبل عقد، وما يمكن أن يجلبهم مرة ثانية إلى الشوارع. وفي الوقت الذي طالب فيه الكثير من المتظاهرين بعودة الديمقراطية، طالب آخرون بنتائج ملموسة: نهاية الفساد وأسعار رخيصة للطعام ووظائف.
فشل النخبة
ولا ينفي هذا فشل النخبة التي ظهرت بعد الثورة التونسية وتولت زمام الأمور، فوصول سعيد إلى السلطة عام 2019 وهو من خارج الأحزاب المعروفة وفوزه بأغلبية ساحقة لدليل على فشل المؤسسات الحزبية التقليدية. وأزمة تونس ليست الوحيدة في هذا السياق، فوصول إيمانويل ماكرون للسلطة عام 2017 كان دليلا على قدرة سياسي بدون حزب قوي استغلال الحنق والمشاعر الغاضبة والتغلب على أحزاب راسخة في الحكم. فالديمقراطية والحريات لم يكونا الجزء الأكبر من الثورة، وكانت شعارات المتظاهرين هي العدالة والكرامة والخبز. وفي السودان ما أخرج الناس للشوارع ضد عمر البشير هو ارتفاع أسعار الخبز، ونفس الأمر يقال عن بقية الثورات التي طالب الناس فيها بأمور تتعلق بقضايا تمس حياتهم اليومية، من الوظائف والكهرباء والمياه الصحية وبالضرورة احترامهم كبشر.
وما لم تفهمه النخبة هو أن الناس لا يصبرون على المماحكات والجدل في البرلمان. ففي محاولته تبرير استيلائه على السلطة لم يأل سعيد بتذكير التونسيين أن البرلمان (رمز الشر) اتسم بالفوضى والقتال وقذف الأعراض والمشاجرت الكلامية. ولم يكن لدى الأحزاب التي طفت على السطح ثم اختفت أي رؤية لإخراج البلاد من أزماتها المتكررة. وفي الوقت الحالي يتمتع سعيد بدعم التونسيين، فالجو خريفي معتدل، لكن عندما يدخل الشتاء وتبدأ شكوى الناس فعليه أن يقدم لهم الدفء والطعام. والمشكلة أن الدول تواجه مشاكل في مسارات التحول الديمقراطي، وبدون توافق سياسي وتعاون الجميع للخروج من الوضع فنحن أمام مشهد متكرر في العالم العربي، جماهير غاضبة تخرج تطالب بالتغيير، وعندما يطاح بالنظام يعود الناس إلى بيوتهم بانتظار التغيير ثم تعود نفس الوجوه التي ثاروا ضدها، حدث هذا في مصر وليبيا والسودان والجزائر ولبنان والعراق وإن بمستويات مختلفة. ويحلو للمثقفين العرب الحديث عن المخاض الصعب الذي مرت به الثورة التونسية قبل أن تقف الجمهورية على قدميها. وفي أوروبا الشرقية التي عاشت في ظل الستار الحديدي لسنوات طويلة لا تزال هذه الدول تعاني من مشاكل ومخاطر عودة الديكتاتورية، كما في حالة هنغاريا وبولندا، مع أنها انضمت للاتحاد الأوروبي، النادي الذي ظل خاصا بدول أوروبا الغربية قبل توسيعه. وقالت إليزابيث كيندال، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أوكسفورد لصحيفة «نيويورك تايمز»: «لا أعتقد أن ديمقراطية على الشكل الليبرالي الغربي يمكن أو يجب أن تكون شيئا ينزل كالبراشوت» و»لا يمكنك قراءة مساق الديمقراطية الغربية 101 وتستوعبه ثم تكتب دستورا وتأمل بنجاح كل شيء، والانتخابات هي مجرد البداية». وفي ظل الوضع الحالي ترى كيندال أنه من الباكر الحديث عن وفاة الثورة التونسية، فاستطلاعات الرأي في العالم العربي، سجلت دعما للديمقراطية مع تحفظات من أن البلاد ليست جاهزة. ولا يعني رفض النظام الحاكم في تونس- البرلمان والأحزاب والدستور- كما فعل سعيد هو دعم لحكم الرجل الفرد. فعندما اعتقل سعيد عددا كبيرا من معارضيه واستولى على السلطة وعطل في الشهر الماضي معظم الدستور واستولى على السلطة الوحيدة التي تشرع القوانين، شعر الكثير من التونسيين وبخاصة العلمانيين والمثقفين بعدم الراحة.
كبش الفداء
وفي كل الأزمة تم تحميل أكبر حزب في البرلمان التونسي، وهو النهضة الإسلامي، مسؤولية الفساد والفوضى الاقتصادية ومشاكل البطالة، فشيطنة سعيد البرلمان هي بالضرورة شيطنة لحركة النهضة، ورفضه الحوار معها هو رفض لها. ورفضت الحركة ممثلة بزعيمها راشد الغنوشي إجراءات سعيد باعتبارها انقلابا. ثم خففت اللهجة ودعت للحوار والعودة إلى المسار الديمقراطي. وعانت من تصدع داخلي وخلافات جيلية عبر استقالة عدد من رموزها الذين حملوا الغنوشي المسؤولية، وبخاصة قراره رئاسة البرلمان. وبهذه المثابة أصبحت حركة النهضة «كبش الفداء» للأزمة والمبرر لنزعات سعيد الديكتاتورية، وهو نفس المبرر تقريبا الذي قدمه قائد الجيش المصري في حينه عبد الفتاح السيسي للإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي، من جماعة الإخوان المسلمين والقمع الذي أعقب ذلك. وتحميل حزب واحد المسؤولية فيه قدر من التجاوز، صحيح أن النهضة ظلت ومنذ انتخابات 2011 الكتلة الأكبر في البرلمان، ودخلت في تحالفات مع الأحزاب التقليدية والرموز السابقة لكن ما لا يقوله نقادها هو أنه جرى تعطيل خطواتها ويتم تناسي تنازلاتها. وبدا هذا واضحا من مقال الصحافية والكاتبة سهام بن سندرين في «واشنطن بوست» (13/10/2021) قالت فيه إن أنصار سعيد يساوون إنجازات الثورة التونسية بأجندة حزب النهضة الإسلامي الذي يسيطر حاليا على البرلمان. و»يعامل هؤلاء النقاد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2011 التي جعلت من النهضة أضخم حزب سياسي، كنقطة بداية لديمقراطيتنا الحالية. وبعملهم هذا يتجاوز المعتذرون عن الرئيس وبشكل كامل التغيرات الكثيرة التي حصلت خلال السنوات الماضية». فالدستور الذي تم تبنيه عام 2014 ظهر عبر نقاش وطني واسع هدف لمنع عودة منظور الشمولية والتأكيد على الحريات الأساسية ووجود ضوابط وتوازنات حقيقية. وتقول الكاتبة إن أنصار سعيد محقون بنقدهم النهضة على فشلها، فبدلا من تبينها أجندة الثورة، ركزت بدلا من ذلك على السلطة والحفاظ عليها. وقادها هذا الهوس لعقد تحالفات مع شبكات النظام السابق في الشرطة والقضاء والإعلام. ولم تعارض النهضة فقط الإصلاحات التي دعت إليها الثورة بل وصادقت على قوانين المصالحة التي صممت لتبرئة الأفراد الفاسدين.
وقالت إن المشاكل التي تواجه تونس نابعة من سياسة الإجماع والتي خربت العملية الديمقراطية. وعليه فالتحالف بين الإسلاميين وحزب نداء تونس العلماني منع من اتخاذ قرارات شجاعة في قضايا مهمة مثل المحاسبة القضائية وإنشاء محكمة دستورية. وعلى العموم ترى بنسدرين أن من يدافعون عن سعيد مخطئون لو اعتقدوا أن العودة إلى حكم الرجل القوي هو جواب لحل مشاكل تونس. و «لم تخدمنا الديكتاتورية في عهد زين العابدين بن علي ولن تخدمنا اليوم. وما تحتاجه تونس اليوم هو بناء أعمدة تقوي ديمقراطيتها التي حصلت عليها بصعوبة. وأهم شيء هو إنشاء محكمة دستورية وتحقيق العدالة الإنتقالية» و»لو بدأ سعيد إصلاحات كبيرة لتعامل الناس بلطف مع استيلائه على السلطة، ولكن للأسف لم يفعل، والآن يتزايد الحنق حتى بين الذين رحبوا بداية بتحركه». وعلى المستوى الدولي والإقليمي هناك دعم واضح من دول لتحركاته مثل مصر، وتصريحات خجولة من الاتحاد الأوروبي ودعوات في الكونغرس لقطع الدعم ووصف الإجراءات بالانقلاب كما بدا في جلسة استماع يوم الخميس، لكن البعد الأمني هو عامل في الحفاظ على العلاقات مع الأنظمة الديكتاتورية، فإدارة بايدن التي تعهدت بمعاقبة مصر والسعودية وبقية الأنظمة المستبدة وإعادة النظر في العلاقات معها لم تفعل الكثير لحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان.