تونس-روما: مُقايضة استعادة المهاجرين غير الشرعيين بمساعدة اقتصادية متواضعة

رشيد خشانة
حجم الخط
0

الأرجح أن الاتفاق الذي توصلت إليه الحكومة التونسية والترويكا الأوروبية لن يُعمر طويلا. فهناك بون شاسع بين ما تطلبه روما وأخواتها، وما تستطيع تونس تقديمه إليها من خدمات، بالأساس في المجالين الأمني والعسكري، بُغية احتواء تيارات الهجرة غير النظامية، المُتدفقة على تونس. وفي مقدم ما تسعى إليه رئيسة الحكومة اليمينية المتشددة جورجا ميلوني، أن يتولى حراس السواحل التونسيون اعتراض مراكب المهاجرين غير النظاميين في المتوسط، وتحديدا في مضيق صقلية، حيث لا تزيد المسافة بين الضفة الإيطالية والضفة التونسية عن أربع ساعات بحرا. والخطوة الثانية التي ينتظرها الإيطاليون وسائر الأوروبيين، تتمثل في تجميع أولئك المهاجرين غير النظاميين في معسكرات، حيث يتم الفرز تمهيدا لترحيل غير النظاميين إلى بلدانهم الأصلية، أو إلى ليبيا، التي لا تريدهم على أرضها. لذا يجب التمييز بين الابتسامات المُخاتلة أمام عدسات الصحافيين والحقائق المعيشة على الأرض.

يمين ويسار

لولا أن هذا الموضوع بات في قلب السجال الانتخابي الإيطالي- الإيطالي والأوروبي- الأوروبي حول تدفق المهاجرين غير النظاميين عبر المتوسط، ما كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ولا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ولا رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، يُضحون بيوم إجازتهم الأسبوعية، فيقطعون المتوسط حاملين مشروع إعلان مبادئ، مع السلطات التونسية لمكافحة الهجرة غير النظامية، في مقابل منح مساعدات اقتصادية متواضعة. وفي الزيارات الثلاث التي أدتها ميلوني إلى تونس، لم تتبلور ملامح العلاقة بين الجانبين في إدارة هذا الملف، فالعبارات أتت فضفاضة والمواقيت متحركة. إذ بعدما تردد أن قمة أوروبية أفريقية، بمشاركة بلدان الساحل والصحراء، ستُقام في روما اليوم الأحد، صرح نائب رئيسة الوزراء وزير الخارجية تاياني، أمام لجنة برلمانية، أن القمة ستُعقد يومي 4 و5 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل في العاصمة الإيطالية. فما نفعُها، بعد أن تكون محاولات العبور قد انحسرت في فصلي الخريف والشتاء؟

لجوءٌ سهلٌ إلى الترحيل

تدلُ هذه اللخبطة على أن العلاقة مبنية على سوء تفاهم منذ البدء، فالترويكا اعتقدت أن الطرف التونسي جاهزٌ للقيام بدوريات في المتوسط، لقطع السبيل أمام المُغامرين في البحر، بالإضافة للمساعدة في ترحيل غير النظاميين. واستغرب مراقبون من سرعة لجوء السلطات الأمنية التونسية إلى الترحيل، إذ حملت حافلات تونسية ما يُقارب 500 مهاجر آت من جنوب الصحراء، ممن كانوا يقيمون في مدينة صفاقس، ثاني المدن التونسية، وألقت بهم غير بعيد عن الحدود المشتركة مع ليبيا، بلا أكل ولا ماء. وأثارت العملية حملة انتقادات واسعة من داخل تونس، أكثر من خارجها. وفوجئ الجانب الأوروبي بموافقة الجانب التونسي على ما كان يرفضه في اجتماعات سابقة، وهو القبول باستعادة المهاجرين غير النظاميين التونسيين من إيطاليا وفرنسا وألمانيا، والعمل على إدماجهم في الدورة الاقتصادية. ويوجد آلاف من التونسيين الذين نجحوا في عبور البحر نحو الجزر الإيطالية، وخاصة جزيرة لامبيدوزا، القريبة من السواحل التونسية، وهم مُقيمون في معسكرات بانتظار الحسم في ملفات اللجوء التي قدموها لحكومات أوروبية. وبعدما كانت السلطات التونسية ترفض التجاوب مع الرغبة الأوروبية، أفاد مسؤولون أوروبيون بموافقة سعيد على اعتماد هذه الآلية. وهذا ما أتاح التوصل إلى إعلان المبادئ الذي تم التوقيع عليه الأحد الماضي، في تونس بين سعيد والترويكا الأوروبية.

رسالة طمأنة

في إشارة إلى طمأنة المؤسسات الأهلية ومكونات المجتمع المدني التونسية، الرافضة لهذه المقايضة، أكدت مذكرة التفاهم التزام التونسيين باستعادة أبنائهم المُرحلين من أوروبا والعمل على إدماجهم في الدورة الاقتصادية. لكن هذا الصنف من إعلانات النوايا ومذكرات التفاهم سرعان ما تتجاوزه الأحداث ويُصبح لاغيا، مثل عديد الاتفاقات المماثلة، سواء الثنائية أم الجماعية، مع أعضاء الاتحاد الثمانية والعشرين. وكثيرا ما يرفض المهاجرون غير النظاميين ترحيلهم إلى بلدانهم أو بلدان أخرى، ومن بينهم من هم معرضون لأعمال انتقامية وسوء معاملة في بلدانهم. ومن المؤكد أن معاملة تونس للمهاجرين غير النظاميين، كان يمكن أن تكون أفضل، فهي التي فتحت ذراعيها للمهاجرين الآتين من منطقتي الساحل والصحراء، عندما صادقت على إلغاء العمل بالتأشيرة مع تلك البلدان. وأتاحت تلك الخطوة توافد أعداد كبيرة من شباب جنوب الصحراء الذين سجلوا للدراسة في الجامعات الخاصة التونسية. كما توافدت على تونس أيضا، بعد إلغاء التأشيرة، أعداد كبيرة من الأفارقة الذين يؤمونها، إلى اليوم، للعلاج في المستشفيات الخاصة.

«أصحاب الياقات البيضاء»

من هنا يتجلى خطأ الصورة النمطية، التي ترى في المهاجرين فئة واحدة «تحمل الفقر والمرض» وتُخفي الوجه الآخر للحقائق، وهو وجود من يمكن أن نسميهم بـ«أصحاب الياقات البيضاء» أسوة بقادة الصناعة في أوروبا. في المقابل يتعين على تونس مستقبلا، أن توقع اتفاقات فردية مع كل بلد في الاتحاد الأوروبي على حدة، لاستعادة مواطنيها ممن رُفضت مطالب الهجرة واللجوء، التي تقدموا بها، بعد وصولهم إلى تلك البلدان الأوروبية، بطرق غير نظامية. والمؤكد ان مواقف الحكومات الأوروبية من هذه المسألة متباعدة، ومن الصعب ان تتناغم. فالبلدان الأوروبية الجنوبية، مثل فرنسا وإيطاليا، تبدو مستعدة للتوقيع على اتفاقات أسوة بمذكرة التفاهم الجديدة لمعالجة مسألة الهجرة. أما بلدان وسط أوروبا وشرقها، مثل المجر وبولندا والنمسا، فتريد حلولا عاجلة لكي تحافظ على جمهورها اليميني المتشدد.

الثورة والهجرة

أكثر من ذلك، لم تستخدم تونس كل إمكاناتها لتيسير حل مشكل الهجرة، إذ سبق أن استقبلت إبان انتفاضة 17 شباط/فبراير2011 ما يقرب من مليون لاجئ وطالب لجوء، من شتى البلدان الآسيوية والعربية والأفريقية، ممن كانوا يعملون في ليبيا قبل اندلاع الحرب الأهلية الأولى. ووفر لهم التونسيون، بالتعاون مع الأمم المتحدة ظروف إقامة دنيا في المخيم الذي عُرف بـ«مخيم الشوشة» في الجنوب التونسي. ويتساءل مُراقبون عن سبب عجز السلطات التونسية، التي أسكنت وأطعمت مليون لاجئ في 2011 عن إدارة ملف لا يتجاوز عدد المعنيين به 30000 لاجئ وطالب لجوء؟ وكان منطقيا أن يتجه آلاف من المهاجرين غير النظاميين إلى مدينة صفاقس، (جنوب) القلب النابض للصناعة التونسية بحثا عن فرص عمل. إلا أن تونس تعاني أصلا من أزمة بطالة، إذ تشير الإحصاءات إلى وجود 630 ألف عاطل عن العمل، فضلا عن مليون تلميذ يغادرون المدارس كل سنة. من هذه الزاوية اعتبر الصفاقسيون أن الأفارقة من جنوب الصحراء أتوا للاستيلاء على فرص عملهم، خاصة أنهم يقبلون القيام بأعمال يزدريها أهل المدينة. ونتيجة للاحتكاكات بين الجانبين ساد العنف في العلاقات، كما ازدهرت أسواق التهريب وشبكات التسفير إلى إيطاليا.
ويُعزى هذا الأمر إلى أن الأفارقة الوافدين على تونس يُخططون في غالبيتهم للسفر بحرا إلى إيطاليا، انطلاقا من سواحل صفاقس. ولذلك فإن همهم الأول هو تجميع المبلغ اللازم لحجز مكان في إحدى الرحلات المنطلقة خلسة، نحو السواحل الإيطالية. وهذا سبب آخر يفسر الإقبال الشديد على التوجه نحو صفاقس، لأن سواحلها هي التي تستقطب أعدادا كبيرة من محاولات الاجتياز. لكن لا ينبغي أن ننسى أن الأفارقة الآتين من منطقتي الساحل والصحراء ليسوا كلهم مشاريع مهاجرين عبر البحر، فهناك في القارة الأفريقية شركات ومجموعات صناعية وتجارية تونسية تعمل منذ سنوات وتحظى بثقة أهل البلدان التي تعمل فيها. وأفيد أن بعض تلك الشركات تضررت من ردود الفعل الغاضبة من تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيد، عندما اتهم هؤلاء المهاجرين بكونهم ينفذون مخططا لمحو هوية تونس العربية، وتغيير التركيبة السكانية للبلد.
لقد كان الأحرى بالسلطات التونسية وضع معادلة متوازنة لاستيعاب المهاجرين النظاميين، الذين تحتاج إليهم اقتصادات أوروبا، بسبب ندرة العمالة المهنية المتخصصة، وأيضا لإيجاد حلول إنسانية لأوضاع المهاجرين غير النظاميين، العالقين في موانئ وبلدان عدة، من دون أمل في الحصول على جواز لاجئ، ولا في ظروف إقامة تليق بالآدميين.

رؤية تُوحد المغاربيين؟

هذا الصنف من العلاقة السوية والمتوازنة مع الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن يتجسد إلا في ظل رؤية تُوحد المغاربيين في التعاطي مع ملف الهجرة، فالمهاجرون غير الشرعيين هم أبناء تونس وأبناء ليبيا وأبناء الجزائر وأبناء المغرب. ووضع الملف في الإطار الإقليمي يمنع الأوروبيين من التغوُل، ويحول دون فرض سياستهم على «الشركاء» المغاربيين عندما يستفردون بهم واحدا بعد الآخر. وكانت اتفاقية الشراكة الشاملة، التي أبرمت بين تونس والاتحاد الأوروبي في العام 1995 في إطار مسار برشلونة الأورومتوسطي، أنموذجا لاتفاقات مماثلة، كانت آخرها مع الجزائر. وأغرب ما يُلفت في تلك الاتفاقية أن هدفها المعلن هو الفتح المتبادل للأسواق بين الاتحاد وتونس والارتقاء بمستوى أكثر من أربعة آلاف مصنع، بين مصانع صغيرة ومتوسطة الحجم. إلا أن دراسة أعدها أخيرا «المعهد العربي لرؤساء المؤسسات» عن آثار رفع القيود عن المبادلات التجارية، أظهرت أن قرابة 40 في المئة من المؤسسات التونسية، ذات الحجم الصغيرة والوسط أقفلت أبوابها، لعجزها عن منافسة مثيلاتها الأوروبية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية