كان من المفترض ان تنطلق في تونس يوم امس المفاوضات للحوار الوطني برعاية رباعي الوساطة من المنظمات الوطنية بهدف تطبيق خارطة طريق للخروج من الازمة السياسية واستكمال مسار الانتقال الديمقراطي.
يتزامن ذلك مع الذكرى الثانية لاول انتخابات ديمقراطية ونزيهة في البلاد للمجلس التأسيسي الذي حددت مدته بعام واحد لصياغة الدستور الجديد والمصادقة عليه، واصدار القانون الانتخابي وتشكيل الهيئة المستقلة للانتخابات، وبسبب انعدام الثقة وغياب التوافق بين الترويكا المشاركة في الحكم والمعارضة لم يتم الالتزام بالمواعيد، وما زالت البلاد محرومة من مؤسسات دائمة وجدول زمني انتخابي بعد مرور اكثر من ثلاثين شهرا على الثورة.
التجربة الديمقراطية في تونس تعرضت لازمة سياسية عقب اغتيال النائب المعارض محمد البراهمي في تموز (يوليو) الماضي، وقبله المعارض شكري بلعيد في شباط (فبراير)، كما ان تونس لم تعد بمنأى عن التطرف الديني وانتشار الفكر التكفيري كما شهدت زيادة في نشاط المجموعات الاسلامية المسلحة بشكل مثير للقلق، متأثرة بالوضع في ليبيا وبتعزيز وجود تنظيم ‘القاعدة’ في المغرب الاسلامي والجماعات الدينية المتشددة مثل انصار الشريعة، حيث تقود تونس اليوم عملية عسكرية ضدها، وقتل يوم امس ثمانية من رجال الامن باشتباكات مع عناصر ارهابية في محافظة سيدي بوزيد، وذلك بعد ايام من مقتل عنصرين من الحرس الوطني. وقد ظهر الاستياء من تأخر السيطرة على هذه المجموعات جليا، حين اجبرت تظاهرة لقوات الامن في ثكنة الحرس الوطني بمدينة العوينية رؤساء الجمهورية والوزراء والبرلمان على مغادرة موكب تشييع عنصرين قتيلين من الحرس الوطني.
في هذه الاجواء المتوترة، لن تكون مهمة الحوار سهلة، لان الخلافات جذرية في كثير من الملفات. فالازمة برهنت على وجود انقسام كبير في صفوف المجتمع، ويبدو الوضع حاليا وكأنه امام التحديات التي برزت غداة اسقاط النظام السابق، وذلك بسبب اخفاق المجلس التأسيسي بحسم استحقاقين مهمين، هما كتابة الدستور بصيغته النهائية، والاتفاق على قانون جديد للانتخابات، وبالتالي ليس معروفا اذا كان الحوار سيتمكن من أولا، بلورة التوافقات المطلوبة لتسهيل انجاز الدستور، وثانيا حسم الجدل حول قانون الانتخاب، وثالثا الاتفاق على جدول زمني لتنفيذ التوافقات المرتقبة. والواقع ان هذا هو الهدف الرئيسي من الحوار، والا فان الحكومة التي يمكن ان تنبثق عنه للاشراف على مرحلة قصيرة تنتهي بالانتخابات، ستقع في المعضلات نفسها التي وقعت فيها الحكومة الحالية بسبب عدم احترام المهل الزمنية.
ولعل ما كان مشجعا في ازمة تونس ان ايا من الاطراف السياسية لا يستطيع التعويل على تدخل من المؤسسة العسكرية، ثم ان حركة النهضة وهي الحزب البارز في التكتل الحكومي، اظهرت مرونة واستعدادا للمشاركة في اي حلول مقترحة، مما ابعدها عن مخاطر الاقصاء التي ظهرت في مصر حيال جماعة الاخوان المسلمين، ولا شك بان الوضع الاقتصادي ساهم ايضا باضفاء واقعية على مواقف مختلف الاحزاب وعلى المعالجات المقترحة للازمة، غير ان الحلقة المفقودة في حال نجاح الحوار او فشله، هي عدم وجود ضوابط أو ضمانات لكيفية مواجهة تداعيات الفشل او حتى لكيفية تنفيذ ما يتفق عليه. وفي هذا السياق برز اخيرا دور جزائري بدأ بالتنسيق على المستوى الامني لمواجهة المجموعات الارهابية في المناطق الحدودية المتداخلة، لكنه ظهر ايضا من خلال زيارتي زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي ورئيس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقيل بعدها ان الجزائر اقترحت ان يعمل حزب نداء تونس وحركة النهضة على صيغة مشتركة يكون فيها شيء من التقاسم المتكافئ بين اطراف المشهد السياسي، ولكن هذا الاقتراح لم يظهر بعد على ارض الواقع الا انه قد يتبلور اكثر من خلال الحوار المتوقع، وقد يكون هو العامل الجديد الذي سيفرض نفسه على المشهد السياسي والعنصر الفاعل في بناء وفاق وطني يؤدي الى اتفاق على الصيغة النهائية للدستور.