تونس على مفترق الطرق

حجم الخط
0

مثَل إغتيال شهيد تونس شكري بلعيد صفعة قوية للإنتقال الديموقراطي في تونس، وأسقط الغطاء عن المتمعشين الحقيقيين من النظام السياسي الحالي، كما كشف للعموم رؤوس الفتنة والباحثين عن إسقاط التجربة عبر دفع البلد نحو المجهول.فالحقيقة أن إغتيال بلعيد مثل نتيجة لعدة عوامل ونقطة تقاطع لعدة مصالح، فالمستفيدون من قتله كثر ومختلفون، منهم وبدرجة اولى الأصوليون الذين يعادون أي تيار وفكر قومي عروبي والذين هم مع إسقاط ما تبقى من الدولة التونسية و المرور الفعلي لدولة العصابات والميليشيات بدل دولة المؤسسات، هؤلاء الأصوليون والذين يمثلون تيارا واسعا في عدد من الاحزاب السياسية لا يؤمنون أصلا بنموذج ديموقراطي تونسي بل يبحثون عبرسياستهم المتبعة والمتمثلة أساسا في التعبئة الشعبوية (على الطريقة النازية) إقامة دولة خاصة لهم صلب الدولة التونسية، من المستفيدين كذلك نجد ميليشيات التجمع المنحل والتي تناصب بلعيد وغيره من قادة اليسار التونسي العداء والتي تبحث عن موقع ومركز جديد لها بعد الثورة، فتارة نراها طرفا في ميليشيات الأحزاب الحاكمة وتارة نراها مع المعارضة، ثالث المستفيدين من الإغتيال هي ما يسمى بالأيادي الخارجية والتي تبحث عن تصفية بعض الحسابات السياسية والدفع بالبلاد نحو الفوضى، طبعا منها الغربية، وهنا يظهر ويتجلى سعي البعض لتدويل القضية على الطريقة اللبنانية والتي ستفسح المجال أمام الأيادي والمخابرات الغربية للتأثير على القرار الوطني التونسي، ولكن أيظا لا يجب أن ننسى الدول العربية (الخليجية) التي تناصب بلعيد وكل القوميين العداء والذين يملكون اليوم حلفاءا سياسيين في تونس نفسها يدعمونهم ماديا ومعنويا ويسخَرون كل الإمكانيات والطاقات الإعلامية للتسويق لفكرهم ولتشويه كل صوت معارض لهم.لقد كشف إغتيال الشهيد بلعيد أيظا منطق الغنيمة الذي يعتمده اليوم العديد من الذين هم في السلطة،وتجلى ذلك في ردة فعل وتصريحات المسؤولين عقب الإعلان عن محاولة تكوين حكومة إنقاذ وطني أو تكنوقراط، فقد بان بالكاشف أن أحزاب السلطة بقياداتها غير مستعدة للتفريط في مراكز السيادة التي تملكها اليوم مهما كان الثمن، فبعض الوزراء أعلنوها صراحة أنهم ليسوا مستعدين لترك مناصبهم، تجلى ذلك أيظا في العودة إلى السياسة الشعبوية عبر التعبئة الشعبية تحت مسمى الدفاع عن الشرعية المتآكلة، متناسين طبعا مفهوم الشرعية في حد ذاته، أن الشرعية الإنتخابية التي يتكلمون على أساسها إنتهت منذ 23 أكتوبر الماضي، فهذه الأحزاب (عدا المؤتمر) وللتذكير كانت من الممضين على القانون الأساسي الإنتخابي لإنتخابات المجلس التأسيسي والتي حددت فترة عمله بسنة، ومثل نقلها لصراعاتها السياسية والفشل الحكومي في الوفاء بالوعود الإنتخابية إلى صلب المجلس، عنصرا أساسيا في تعطيل عمل هذا الأخير الذي نسي مهمته الرئيسية والأساسية والمتمثلة في وضع دستور للبلاد، وتحولت الحكومة الإنتقالية إلى حكومة أشبه بالمؤبدة، وصار لها تأثير مباشر على عمل المجلس التأسيسي عوض ان تكون مسؤولة أمامه، وطبعا ساهم هذا في مزيد من التعقيد والتفرقة بين التيارات السياسية المختلفة.وأمام هذه الصورة القاتمة للواقع السياسي في تونس ومع الحملات المتكررة والممنهجة للتحريض والتخوين والتي ترجمت إلى عنف وعنف مقابل،ظهرت بوادر الأمل مع مبادرة الجبالي التي حتى وإن إعتبرها البعض مناورة سياسية أو محاولة لإنقاذ النهظة وإبعاد الشبهات حول علاقتها بحالة الإحتقان التي تسود الواقع السياسي في البلاد، إلا أنها تمثل فعلا مبادرة مهمة تستحق الدراسة، فالمبادرة بتكوين حكومة كفاءات وطنية تكنوقراط لا تكون على أساس المحاصصة الحزبية، قد يكون مخرجا لحالة اللاثقة التي تعصف بتونس وهو ما يتجلى أساسا في عدم تكوين لجنة خاصة بالإنتخابات إلى اليوم وهو ما يجعل الإستحقاق الإنتخابي غير ثابت التاريخ فعمل مثل هذه الهيئات يتطلب فترة لا تقل عن 6 أشهر للتحضيروالإعداد للإنتخابات، كذلك فإن المرور لحكومة تكنوقراط يقطع الطريق أمام الدعوات لإسقاط المجلس التأسيسي ودفع البلد نحو المجهول، فمثل هذه المبادرات تدفع المجلس التأسيسي للإسراع في كتابة الدستور ووضع القوانين الأساسية للأحزاب وللإنتخابات.من المبادرات المثيرة أيظا كانت الإعلان عن تكوين مجلس الحكماء والذي يضم شخصيات وطنية عليها إجماع وطني وعلى رأسها طبعا الأستاذ عياض بن عاشور، ولكن أيظا أثار تكوين هذا المجلس أسئلة كثيرة حول مهمة هذا المجلس وطبيعته، هل سيكون مجرد هيأة إستشارية أم أن دوره سيتسع ليشمل مسؤوليات أخرى.في الحقيقة إن هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الإنتقال الديموقراطي ستكشف عن حقيقة الفكر الذي يقود مختلف سياسيي تونس فإما أن نرى سياسيين يغلبون مصلحة الوطن على مصالح أحزابهم أو العكس والتاريخ والشعب لن يرحمهم.عبد القادر معيوفqmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية