محمد الصالح النهديليس من المبالغة في شيء أن نقول بأن تونس تعيش هذه المرحلة من حياتها تحولا تاريخيا قلما شاهدته في عصورها الخوالي، فبالإضافة الى سقوط نظام استبدادي قمعي أذل العباد ونهب البلاد، هناك وضع جديد شعر فيه الناس بأنهم انتصروا على الخوف وكسروا حاجز الصمت الذي ظل يسكنهم منذ عصور وكسبوا الرهان في تصديهم لدولة الفساد والاستبداد وهذا في حد ذاته انجاز يعتبر أهم ضمانة لصيانة الحريات والقطع مع عهود القمع والاستعباد، كذلك نشير الى التجربة التي عاشها التونسيون يوم 23 أكتوبر 2011 عندما ذهبوا الى صناديق الاقتراع في طوابير لا عهد لهم بها من قبل ومارسوا أول انتخابات حرة شفافة عبروا فيها عن إرادتهم واختاروا مجلسا تأسيسيا ستكون مهمته الرئيسية تحديد ملامح مستقبلهم السياسي، وقد أسفرت هذه العملية الانتخابية عن نتائج لم تستطع أن توفر الشروط الموضوعية التي تحتاجها العملية السياسية لبناء مجتمع ديمقراطي تنتظره الأجيال منذ أحقاب، فهي وإن فتحت أبواب التفاؤل والأمل ومثلت اختبارا حقيقيا للانتقال من مرحلة الخوف والقهر والفساد والاستبداد الى مرحلة جديدة أهم عناوينها العمل على تحقيق أهداف الثورة وبناء نظام سياسي جديد يكون في مستوى طموحات وأحلام من فجروا الثورة، إلا أنها تمخضت عن مشهد سياسي تهيمن عليه تجاذبات سياسية وإيديولوجية تعكس توجهات ورؤى مختلفة من المفروض أن تكون مصدر ثراء وتنوع للواقع السياسي الجديد لولا هذا التباين الواضح في طريقة تعاطي القوى الفاعلة مع تحديات المرحلة، فكل طرف ينطلق من قناعته وحساباته وتصوراته لنمط المجتمع، ونحن إذا نتفهم هذا الأمر ونعتبره طبيعيا فإننا نخشى أن يؤدي ذلك الى حالة يتعذر فيها الحوار السلمي بين مختلف أطراف العملية السياسية بشكل يعرقل المسار الديمقراطي وإقامة الحكم الرشيد الذي يقوم على المشاركة والتعايش ويحترم تطلعات المواطنين وحقوقهم ولا يعتبر السلطة غنيمة تمنح للفريق المنتصر في الانتخابات وإنما يراها مسؤولية جسيمة لا يستطيع أن ينهض بها فريق واحد مهما كان شأنه. ولكن يبدو أن بعض القوى السياسية التي فازت في انتخابات 23 أكتوبر 2011 لا تفهم الأمور على هذا النحو، و لا تملك المقومات التي تجعلها تتفاعل مع الحالة الثورية التي تعيشها البلاد، وهي إن كانت قادمة من رحم ثورة ترفع شعارات الحرية والكرامة والديمقراطية فإنها، ويا للمفارقة، لم تستطع أن تتخلص من عقلية التحكم والسيطرة والاستحواذ سعيا منها لتواصل وجودها ونفيا لمن يختلف معها، وهي بهذا تطرح إشكالات ظن الناس أنها أصبحت من الماضي البغيض، وفي هذا السياق، وانطلاقا من اللحظة الثورية التي بعثت فينا الأمل وفتحت أمامنا آفاقا مضيئة، كنا نود لو أن حركة النهضة، وهي تنتقل من المرحلة التنظيمية الى مرحلة تحمل المسؤولية، لم تتسرع في التهافت على الحكم بعد فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي، وتقتنع بأن عموم التونسيين أصبحوا مسكونين بهاجس الخوف من عودة استئثار طرف سياسي واحتكاره للسلطة بالإضافة الى صعوبة المرحلة وتعقيداتها المفتوحة على كل الاحتمالات التي لا تستطيع لا هي ولا غيرها أن تتعامل مع تحدياتها منفردة، بل كان من المطلوب أن تتضافر الجهود ويتحالف الجميع في جبهة تذوب فيها المصالح الشخصية وتقدم تجربة جديدة في الحكم تتجاوز الشكليات الديمقراطية وتبدع نمطا في إدارة الشأن العام يؤسس لتقاليد سياسية تضعنا على الطريق الصحيح بعيدا عن الأهواء الشخصية والحزبية والفئوية الضيقة ونكون بذلك أوفياء للثورة وأوصياء على تحقيق أهدافها. ولكن النهضة وهي تتحمل مسؤولية خاصة بحكم فوزها فضلت لحسابات حزبية أن تقود حكومة ائتلافية احتفظت فيها بالوزارات السيادية واحتكرت أغلب اللجان في المجلس التأسيسي واستطاعت بشرعية الصندوق أن ترسم مشهدا سياسيا تقوم فيه بدور الحزب الحاكم في السابق تنظم انتخابات معروفة النتائج مسبقا وتختار أصحاب الثقة والولاء على أصحاب الخبرة والكفاءة وتبعث برسائل طمأنة الى الخارج عوض الداخل وهي في اعتقادي إشارات فهم منها الخصوم بأن حركة النهضة بدأت تمارس مهامها في الحكم وكأن الثورة انتهت بانتخابات 23 أكتوبر وتمكنها من السلطة، وبقطع النظر عن هذا الرأي، فإن المؤكد أن المشهد السياسي الذي تشكل بعد الانتخابات يدل على أن النخبة السياسية لم تحسن إدارة الثورة لأنها ظلت محكومة بتناقضاتها الداخلية وخاضعة لقيود التبعية الاحتكارية الخارجية وهي وإن فوجئت بأحداث الثورة وفرحت بنجاحها واندفعت لجني ثمارها فإنها اكتشفت بحكم انقسامها وتفتتها وخلافاتها، أنها غير قادرة على تحقيق أهدافها لذلك انصرفت القوى المنتصرة في الانتخابات الى الاستحواذ على السلطة بمفردها والاعتماد على الصدقات والقروض المشروطة وتبرعات الأغنياء وأهل البر والمحافظة على الاختيارات السابقة، أما القوى الأخرى التي بقيت خارج السلطة فإنها أحست بالتهميش والتجاهل والغبن بل وسمعت من الفريق الأول من يتطاول عليها ويتعمد اهانتها ويطلق عليها مجموعة صفر فاصل ويتهمها بالتحريض ونشر الفتنة لذلك وجدت نفسها مدفوعة الى فرض وجودها كطرف سياسي يسعى الى إعادة الاعتبار إليه كمكون يطمح الى التأثير في موازين القوى والبحث عن موقع في الخارطة السياسية، وعوض أن يكون هناك تواصل بين الطرفين حول قضايا وأوضاع يجوز فيها وحولها الاختلاف والاتفاق بلغة لا تخرج عن المألوف وبأسلوب حضاري يرتقي بالحوار الى ما فيه فائدة للعباد والبلاد، وهذا هو الفضاء الفكري الجدير بالثورة، ولكن مع الأسف نلاحظ أننا نعيش منذ انتخابات أكتوبر أجواء سياسية متوترة ومهاترات تثير الانشغال وتبعث على الخيبة: استقطاب سياسي وفكري حاد، تناحر بين الإسلاميين والعلمانيين وكل منهما يحاول الحط من شأن الآخر، شعارات من هنا وهناك تنادي بإمارة إسلامية وبقتل اليهود وداعية يحط من قيمة النساء، وجامعات معطلة يمنعها النقاب عن البحث وإنتاج المعرفة، وتبشير بالخلافة السادسة في لحظة ربانية خارج الزمان، واستعمال مفرط للمقدس، وطغيان موجه من الشتم والتكفير، واتهام بالجهل والظلامية وبث الفرقة ونشر الفتنة، وتبعث عادة وأد الإناث في شكل جديد يقضي بحجبهن وفصلهن عن المجتمع ونفي أي دور لهن في الحياة العامة سوى الإنجاب ويتراجع الأمن وتتصاعد الاحتجاجات ويحتد الجدل وإذا الذي بينك وبينه خلاف يزور عنك ويرميك بالكفر والفجور، وإذا المسائل الاقتصادية والاجتماعية تتوارى وتحل محلها قضايا لا تمت للعصر بصلة، ويتحول الصراع الى المربع الخطأ: مربع الكفر والإيمان، فأي حياة سياسية يمكن أن نتصورها في ظل هذا الوضع الذي تفسد فيه الفرقة كل ود واحترام بين الفرقاء ويسكن سوء الظن نفس النشطاء ويجعل أغلبية نواب المجلس التأسيسي أكثر حرصا على الحفاظ على مكاسبهم الفئوية ويبدي الكثير منهم انحيازه وانصياعه لتعليمات حزبه أكثر من انحيازهم وإخلاصهم لمبادئ الثورة وفكرة الديمقراطية؟.
إن الجميع يرفع شعار الدولة المدنية ولكن الأغلبية في المجلس التأسيسي وضعوا أول حجرة في بناء الدولة الدينية عندما شرعوا تعطيل العمل في المجلس في أوقات الصلاة وهم يعلمون أن العمل مقدس في الإسلام وأنه يجوز أن نؤدي الصلاة في أوقات خارج العمل ولكنهم أرادوها بالون اختبار، وقد نجحوا وما يدرينا غدا أن ننتقل الى الإدارة والتعليم وقطاعات أخرى ويكون الناس قد تعودوا على ذلك، إن هذا المشهد الذي يبدوأن لا أفق له يثير تساؤلا مشروعا: هل إن الشعب الذي حطم القيود وقدم الضحايا وثار على الاستبداد وقام بثورته، ليجد نفسه في فوضى خلاقة وجدل عقيم وتجاذبات عبثية سخيفة لا ندري الى أين تقود البلاد.
؟. إن الفترات الانتقالية في تاريخ الشعوب هي مراحل استثنائية لا تدار بما تعارف عليه دهاقنة السياسة من الدسائس والعقلية الدونكيشوطية والعصبيات الحزبية والمشاحنات الديماغوجية والمهاترات والنرجسيات وآليات التفكير العقيمة، وإنما بالعقل الرشيد والوفاق والتخطيط السليم وفهم الواقع وتحليله واختيار الأسلوب الأفضل لإدارة التنمية وحسن توظيف القدرات والاهتمام بالقضايا ذات الصلة بالناس والاعتماد على القوى الذاتية وتفعيل الطاقات وخلق فضاء من الحرية تتعايش فيه الأفكار المختلفة وتتنافس في العمل على تحقيق الأهداف.’ حقوقي تونسي