هل تكون الحملة التي تستهدف الغنوشي هي الزيت الذي يُصبّ فوق نار الحركات الاجتماعية ليلهبها أكثر ويعطل عمل الحكومة ويعيد البلد إلى المربع الأول من الصراعات والمناكفات السياسوية؟
تونس-“القدس العربي”: لا يكاد يمر يوم في تونس من دون أن يستفيق المواطنون على خلاف أو جدل جديد حول قضايا الحكم والسياسات العامة للدولة، حتى يمكن القول إن هذه التجاذبات باتت خبزهم اليومي. والمفارقة أن مجلس نواب الشعب أصبح هو المحور الأساسي اليوم لهذه التجاذبات ممثلا برئيسه راشد الغنوشي. فبدل أن يكون دور هذا المجلس السهر على رعاية أمور الناس وتشريع القوانين الخاصة التي تسهل مختلف أمورهم الحياتية، تحول هذا الصرح إلى ساحة جديدة لتصارع الكتل البرلمانية والأحزاب ولحروبها التي لا تنتهي. ويبدو أن مختلف الوسائل تستعمل في هذا الصراع، ومنها الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي والتي لم تترك شخصية عامة أو حزبية إلا وطالتها بمختلف الاتهامات.
يعتبر البعض أن هذه الحملات هي جزء من المعارك السياسية في هذه الديمقراطية الناشئة وأنه من الطبيعي تبعا لذلك أن تشهد الساحة السياسية الكثير من المظاهر والحملات العشوائية والشعواء والتي تستهدف رموز السياسة في هذا البلد، لأن هناك خلطا كبيرا اليوم بين الديمقراطية وطرق ممارستها وبين الحرية المطلقة وحرية الرأي والتعبير والتي أعطتها “الثورة” للتونسيين لإبداء الرأي حول مختلف القضايا من السياسة إلى الاقتصاد مرورا بالشؤون الاجتماعية وغيرها. ويرى البعض الآخر، في المقابل، أنها حملة مدروسة وليست بريئة وهي محاولة لاستهداف حركة النهضة ممثلة برئيسها من قبل المناوئين والخصوم لها سواء من الداخل أو الخارج عبر تأجيج الفتن ونشر الإشاعات التي تتناول رئيس حركة النهضة التونسية في شخصه، ومن بين ما تستهدفه تلك الادعاءات التي تتحدث على أنه حقق ثروة مالية ضخمة منذ عودته إلى تونس عقب انتصار الثورة عام 2011 وصلت إلى 8 مليارات دولار، رغم أن موازنة البلاد لا تزيد عن 16.5 مليار دولار.
ويرى مراقبون أن الحملة تهدف إلى إرباك المشهد السياسي وإثارة زوبعة داخل البرلمان من أجل زيادة توتير الأجواء والمناخ السياسي في بلد يغرق شيئا فشيئا في أزماته المالية والاقتصادية، خاصة أن هناك مخاوف تتصاعد من اندلاع هبّة شعبية وانتفاضة اجتماعية جديدة مع ارتفاع معدلات البطالة إلى نسب غير مسبوقة، ومع التداعيات الكبيرة التي خلفتها جائحة كورونا على حياة الناس ومواطن رزقهم التي توقفت وشُّلت بشكل غير مسبوق. ولعل السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو هل تكون هذه الحملة التي تستهدف الغنوشي هي الزيت الذي يُصبّ فوق نار هذه الحركات الاجتماعية ليلهبها أكثر ويعطل عمل الحكومة ويعيد البلد إلى المربع الأول من الصراعات والمناكفات السياسوية؟
النهضة القاسم المشترك
يقول الباحث في علم الاجتماع والناشط السياسي هشام الحاجي لـ “القدس العربي” إن الساحة السياسية التونسية تشهد جدلا متزايدا حول عدة ملفات وقضايا يمثل القاسم المشترك فيها حضور حركة النهضة فيها. وهذا الحضور جعل أنصار حركة النهضة وقيادييها يشيرون إلى أنهم محل استهداف خاصة في ظل ارتباط هذه الحملات مع مطالب باستبعاد راشد الغنوشي من رئاسة مجلس نواب الشعب وبكشف حجم ثروته ومصدرها. ويتابع: “لا شك أنه لا يمكن تصور حياة سياسية ديمقراطية من دون جدل ومن دون تأكيد على الشفافية وأيضا من دون حملات إرباك ممنهجة لا تخلو أحيانا من ضربات تحت الحزام، مثلما يقال باللهجة التونسية. ولا شك أن موقع حركة النهضة في الرقعة السياسية التونسية يجعلها محل اهتمام وأحيانا استهداف حتى وإن تجاوز الأمر ما يعتبره بعض المتابعين حدود المعقول والمقبول. ولكن ما يتعين أن يستحضره الجميع أنه من الضروري الالتزام بضوابط أخلاقية وبأن يخضع الجميع لسلطة القانون وبأن يتم تجنب السقوط في الإسفاف أو الحملات الإعلامية المتبادلة التي غالبا ما تزيد الوضع تعقيدا”. وأضاف: “أعتقد أن من قدم الادعاء حول ثروة الغنوشي أو حول مخططات لضرب الاستقرار يتعين عليه أن يقدم أدلة ثابتة على ما يدعي، لأن وضع البلاد لا يتحمل مزيدا من التوتر”.
وفي الحقيقة فإن حركة النهضة أصبحت رقما صعبا في المعادلة التونسية وهي تتصدر دائما المشهد الانتخابي والسياسي وظلت ثابتة في خضم التحولات الحزبية التي تشهدها البلاد. فظاهرة “السياحة الحزبية” والتفكك كانت السمة الطاغية على جلّ الأحزاب التي تصدرت المشهد السياسي بعد الثورة من حزب نداء تونس الذي انقسم إلى أحزاب عديدة وغيره، إلا أن حزب النهضة ظل محافظا قدر الإمكان على وحدته وتماسكه ولعل السبب الأهم يتمثل في الانضباط الحزبي، وهو العنصر المفقود في باقي الأحزاب والتيارات السياسية التونسية. لذلك غالبا ما تشهد البلاد محاولات لتجميع باقي التيارات السياسية المناوئة لحركة النهضة تحت عناوين مختلفة، تارة تحت عنوان التيار الدستوري وأحيانا بعنوان التيار التقدمي الحداثي وغيره من العناوين الفكرية والسياسية. لذلك يرى كثيرون بأن الحملة التي تستهدف رئيس حركة النهضة تأتي في سياق هذه المحاولات لتفكيك الحركة وإضعافها كي لا تبقى هي الحزب الأكثر تماسكا بشكل يهدد وينافس باقي الأحزاب. ومن لم يستطع هزمها بالصندوق الانتخابي يلجأ إلى حملات مضادة لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها في محاولة لإضعافها وإرباك عملها. وفي المقابل فإن البعض الآخر يرى أن الحل الوحيد للخروج من هذا الجو المرتبك هو في تقديم الأحزاب التونسية ورموز السياسة فيها تصريحا بثرواتهم ومداخيلهم لتجنب الوقوع في مثل هكذا صراعات لا تغني ولا تسمن من جوع.
ويبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجه التونسيون، في خضم كل هذه التجاذبات، هو الحفاظ على هذه التجربة الديمقراطية والخروج من سلسلة الأزمات والصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بأقل خسائر ممكنة، لأن المناخ السياسي المرتبك لا يخلق أجواء ملائمة تنعش الاستثمار وتخرج البلد من محنته الاقتصادية.