تونس في القلب

حجم الخط
0

علي كنعان

لعل إرغام الدكتاتور التونسي على الفرار كان أولى ثمار الانتفاضة الشعبية في هذا البلد العربي الذي يسكن القلب والوجدان منذ أن بدأنا نردد قصيدة الشابي في المدرسة، قبل ما يزيد عن ستين سنة: ‘ إذا الشعب يوما أراد الحياة…’. لكن العاشق، الملدوغ من جحور الأفاعي مئات المرات، لا يملك إلا أن يضع يده على قلبه مخافة أن تذهب الدماء والآلام هباء، حين تقفز إلى واجهة المشهد وتركب الموجة طغمة مريبة من الانتهازيين البارعين بالاقتناص واختطاف الثمرات من أيدي أصحابها.

وهنا يأتي دور الحكماء، مدنيين وعسكريين، ليتنادوا إلى تشكيل مجلس وطني أعلى، أشبه ما يكون بالمحكمة الدستورية الموسعة أو البرلمان المصغر، بحيث يشمل ممثلين ومعبرين عن معظم فئات الشعب وأطيافه من حزبية ونقابية ولجان المجتمع المدني، فلا يكتفي بأعضاء من كبار القضاة والمحامين، وإنما يضم مندوبين عن نقابات العمال والمعلمين والأطباء والمهندسين والفلاحين والحرفيين والكتاب والفنانين… ومهمة هذا المجلس وضع دستور وطني معاصر للبلاد يطرح للاستفتاء الحر تحت إشراف دولي ورقابة إعلامية واسعة، كخطوة أولى وأساسية لبناء دولة المؤسسات، بدلا من الدولة البوليسية العشواء، بدءا من البرلمان الوطني الممثل لجميع أبناء الشعب وبناته. وبذلك تكون تونس هي النموذج الرائد الذي ينبغي الاقتداء به والسير وراءه، قبل انفجار المشاعر الجمعية المكبوتة وفوات الفرصة في اللحظة المنقذة من الفوضى والدمار.

هذه الفرحة الغامرة التي أحيتها ثورة الجماهير التونسية في نفوسنا وامتدت أمواجها من الكويت حتى موريتانيا، ومن كردستان العراق إلى أقاصي اليمن، لتشمل عشرات الملايين المقهورين من جماهير الأمة، لا يجوز أن تنتهي عبثا وتتلاشى… لتعود حليمة إلى عادتها القديمة. وفي غمار هذه الفرحة لا يمكن أن ننسى الشعلة الأولى التي أضاءت الدرب، هذه المنارة المفاجئة في ظلمات المحيط العربي. إنه ذلك الشهيد محمد البوعزيزي الذي لم يترك له الطغاة من باب للخلاص إلا أن يشعل النار في جسده الفتيّ البريء، لا طلبا للعيش وحسب وإنما صونا للكرامة وتحديا لكل طغيان. بشائر التغيير ومظاهر الفرح جابت آفاق الأمة كلها، مقيمين ومهاجرين، وسيشهد هذا العقد تحولات جذرية واسعة، بعضها سيكون أشد إيلاما مما جرى في تونس الحبيبة، لكن الأمل القومي الكبير أن ينجز شعب مصر ملحمة انتصاره في المعركة الدائرة على أكثر من صعيد، لتعود مصر مركز الأمة وقائدة التغيير ومكافحة الفساد والإفساد في بقية البلدان العربية البائسة. إن الذريعة الكبرى، التي أخرست جماهير المشرق العربي وحرمته من المطالبة بحد أدنى من حقه في العدالة والديمقراطية طوال ستين سنة، كانت ولا تزال تسمى مقاومة العدو الصهيوني والنضال لإنهاء احتلاله الاستعماري لفلسطين وما حولها من أرض مغتصبة، لكن هذه الذريعة تكشفت عن كذبة كبيرة تمارسها قطعان المافيا المتسلطة على مقدرات الشعوب ولا تشغل أصحابها هموم التحرير والخلاص، إنما كل ما يشغلهم ثبات الكراسي واستمرار النهب والبطش والطغيان.

أتأمل باستبشار تلك العواصم والمطارات التي رفضت استقبال الطاغية الهارب، والواجب يقضي أن أحيي المملكة العربية السعودية لقبولها الرئيس المخلوع. وكم أتمنى أن تنشئ مدينة مسورة خاصة بإيواء هؤلاء المستبدين الهاربين من انتفاضة شعوبهم، ولا بأس أن تسمى حظيرة ( أبو رغال). إن هؤلاء الطواغيت لا يستحقون المثول أمام محاكم شعبية للقصاص منهم، ولكنهم جديرون بالعرض في متحف خاص بهم وهم داخل أقفاص زجاجية متينة شأنهم شأن الوحوش المفترسة والزواحف السامة في حدائق الحيوانات. موتهم لا يكفي للتشفي والاعتبار واستخلاص الدروس، بل لا بد من تركهم عرضة للمتفرجين وعبرة للأجيال… الهمسات العفوية الصادقة التي سمعتها تتردد على ألسنة العشرات من الناس البسطاء في المقاهي والأسواق والشوارع.. كانت تدور حول المستوى الروحي والأخلاقي المنحط لهذا الجنرال الهارب من غضب الشعب وانتقامه. لو كان فيه ذرة من الشرف الوطني والكرامة الإنسانية لتصرف بشكل مختلف، وذلك بقبول التحدي والامتثال للمحاكمة… لكنه خال معدوم من أي حس إنساني أو كبرياء خلقية أو شعور وطني كريم.

الطريف المخزي في موقف الفضائيات العربية المعبرة عن أحوال العصابات الحاكمة في عدد من البلاد المرشحة لأحداث مشابهة، وهي تنتظر الشرارة الأولى. بعض الفضائيات لم تسمع بعد بما جرى في تونس؛ وبعضها الآخر ارتعدت أوصالها مخافة انتشار العدوى فاعتبر سادتها أن ما جرى شأن تونسي خالص لا يمكن لرياحه العاصفة أن تتجاوز الحدود؛ طرف ثالث ظل مطمئنا لأنه ألغى وجود الشعب وحول البلاد كلها إلى مقبرة واسعة أو سجن كبير أو محجر صحي للأمراض العصبية الخطرة.

إن إجراءات الترقيع التي بدأنا نشهدها في أكثر من عاصمة عربية، ومنها دمشق، لا تكفي لأن الداء أكبر وأخطر من أي محاولة لتقديم حبوب التسكين والتخدير. إن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي لا تسمح بإقامة جمعية خيرية سوف توزع الملايين على العائلات الفقيرة، ولا أدري مدى حالة الذل التي ستمر بها هذه العائلات حتى تصل إلى حقها المنهوب! وإذا كان البحر رمزا للشعب في شعرنا الحديث، فقد أكد التاريخ أن البحر لا يساق بالعصا.. ولا يموت بالرصاص.. ولا يحب الوقوف على أبواب المؤسسات لاستجداء الصدقات والتقاط الفتات المتساقط من موائد اللصوص والجلادين. وليس لنا أن ننسى عباقرة الردح والتهريج في وزارات الإعلام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية