تونس في فخ الشرعيّة التوافقيّة

حجم الخط
0

عبد الرزاق قيراط ماذا يجري في تونس هذه الأيّام؟ فالجميع ينادي بالوفاق وينخرط فيه بدعوى ‘الحفاظ على المصلحة الوطنيّة’. لكنّ الوفاق المنشود محفوف بشبهة تهدّد الديمقراطية باعتبارها منافسة شفّافة ومعادلة تقوم على مبدأ الاختلاف.’والدليل على ذلك أنّ أصواتا متهافتة ارتفعت في الآونة الأخيرة تشكّك في الشرعية الانتخابيّة التي مضى عام على تأسيسها وتطالب بإرساء ‘الشرعيّة التوافقيّة’ بدلا عنها. وبذلك تتعرّض اللعبة الديمقراطيّة التي طالما حلمنا بها وأردنا الانتقال إلى نظامها لعمليّة تحريفيّة مدمّرة لأسسها. فالأحزاب المختلفة إلى حدّ التناقض قرّرت بقدرة قادر أن تتّفق على عقد صفقات فيما بينها، فباع اللاعبون السياسيّون المباراة، في سابقة ستفسد كلّ المنافسات والمواجهات اللاحقة لتكون نتيجتها المحسومة هي التعادل، لأنّه يضمن تجنّب الهزيمة التي ستكون من نصيب الجمهور وحده بحرمانه من فرحتين، فرحة بانتصار فريقه إذا استحقّ ذلك وفرحة بمشاهدة مباراة جميلة شيقة يقدّم فيها اللاعبون أداء مقنعا. ولنا في مناظرات أوباما ورومني وساركوزي وهولاند شواهد وذكرى تنفع السياسيين.الوفاق بدعة سياسيّة تخذل الجماهير التي أعطت أموالها وأصواتها لفريق تشجّعه وتؤمن بقدرته على تحقيق الأهداف لصالحها. فهل نسيت أغلب الفرق أو الأحزاب التي احترفت السياسة بسرعة تلك الجماهير وخانت العهود التي ائتمنت عليها. لماذا منحناكم حينئذ أصواتنا؟ وما قيمة الانتخابات التي أجريت قبل عام والتي ستجرى بعد أشهر، إذا صار الوفاق مقدّما على الديمقراطيّة؟ أليس من الأجدر حفظ الأموال التي ستصرف والصناديق والأوراق والحبر والوقت، مادمتم ستجتمعون في كلّ مرّة لتتوافقوا وتتراضَوْا، وتتنازلوا عن المبادئ والمطالب لبعضكم بعضا. أليس من الأفضل إلغاء المباراة، بدل حرمان الجماهير من حضورها، ما دام اللعب الحقيقيّ سيجري في حجرة الملابس حيث تعقد صفقات البيع والشراء.الوفاق تراجع من الفائز في الانتخابات لفائدة المنهزم لغايات قد تكون شخصيّة، وقد تؤدّي إلى غضب شعبيّ يتولّد بالضرورة عن خيانة الوعود الانتخابيّة. لذلك تعمل الأغلبيّة المنبطحة للأقليّة على استرضاء قواعدها وإقناعها بذلك التراجع بدعوى العمل ‘للمصلحة الوطنيّة’ وهي حجّة تخشّبت معانيها من كثرة الاستعمال والتكرار. ولذلك نعتقد أنّ أنصار النهضة مثلا سيتساءلون عن انجازات حركتهم التي منحوها أصواتهم؟ هل تحقّق شيء منها بسبب هذا الوفاق العجيب الذي قال الغنوشي إنّه من ‘الأسس الثابتة لفكر الحركة وسياستها’. فما الفرق بين حركة لها مرجعيّة إسلاميّة ومقدّسات تريد الدفاع عنها وحزب يساريّ يدعو إلى عدم تجريم الإساءة للمقدّسات في الدستور القادم لأنّها مسألة لا يمكن ضبطها وتحديدها. ما الفرق بين النهضة التي تريد نظاما برلمانيّا وبين بقيّة الأحزاب التي تدافع عن النظام الرئاسيّ إذا تمّ التوافق على نظام هجين يصلح لكلّ المقاسات ويستبق عرض المشاريع والرؤى على المجلس التأسيسيّ لمناقشتها والتصويت عليها. ألا يمثّل ذلك التوافق تقسيما لغنائم هذا الوطن بين طبقاته السياسيّة بعد أن دمّرت أعصاب شعبه وتلاعبت بمشاعره ومشاريعه؟.تذكّرنا المعادلة التوافقيّة بسياسة التجمّع المنحلّ الذي كان يضمّ منظّرين ينمّقون اللفظ والمعنى لأهداف تشرْعِنُ بقاءهم في السلطة، أو تمهّد لعودتهم إليها كما يحدث هذه الأيّام. فأكثر الأصوات المنادية بهذا الوفاق المشؤوم، تخرج علينا من حزب نداء تونس الذي جمع تحت سقفه مَن أقصاهم الشعب عن الساحة السياسيّة فإذا بهم يتجمّعون وبسرعة في كيان مرجعيّته الوحيدة وبرنامجه اليتيم استرجاع السلطة المسلوبة لحماية الأقليّة البرجوازيّة التي حكمت شعبنا منذ الاستقلال. ويحاول قايد السبسي الظهور بمظهر المنقذ الذي سيخرج البلاد من أزمة خانقة ليصل بها إلى برّ الأمان مستعملا خطابا تصعيديّا نحو الإسلاميّين، حتّى أنّه قدّم اعتذارا للشعب لأنّه قال يوما ‘إنّ النهضة حزب معتدل’، وعبّر عن ندمه بعد أن طمأن الغرب في زياراته بفكرة أنّ ‘الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطيّة’. وهو بذلك يقصي الحزب الحاكم ويمهّد لشطبه من الخارطة السياسيّة ! فمن يعزل من؟ .يحقّ لجمهور الترويكا الحاكمة أن يتساءل عن القانون الذي كان سيُسنّ ليمنع المتورّطين من النظام السابق من ممارسة النشاط السياسيّ والدخول في الانتخابات لمدّة خمس سنوات على الأقلّ؟ قانون لم ير النور إلى اليوم حتّى تجرّأ أشباه بن علي وصاروا يطالبون بعزل من يخطّط لإقصائهم عن الحكم. فمن عجائب هذه الأيّام أنّ الأصوات ترتفع عاليا مطالبة بحلّ حركة النهضة وتتوجّه إلى القضاء لتحقيق ذلك الهدف. ولكنّ الأعجب هو الموقف الذي ظهر لدى الحركة بالتحاقها بمبادرة قايد السبسي باعتباره من دعا إلى ‘الشرعيّة التوافقيّة’.و بذلك السلوك السياسيّ المتعجّل، تنعدم الفوارق بين الأحزاب الحاكمة والأحزاب المعارضة وأحزاب الفلول، وهي ترحّب بدعوة الاتحاد العام التونسي للشغل إلى الحوار وتستجيب ‘لروح الوفاق’، الشعار الذي ينادي به الجميع غيرة على ‘المصلحة الوطنيّة’. فهل ثمّة فرق الآن بين هذه الأحزاب؟ وهل بقي لنا موجب للاستماع إلى برامجها بعد أن صار مبدأ الاختلاف معدوما فيما بينها؟.بدأ الضباب ينقشع، وظهرت حبائل التحيّل الذي يكاد ينطلي على الشعب التونسيّ، وانكشف كل المخادعين الذين عملوا على إفساد قواعد اللعبة الديمقراطيّة وساهموا في تغيير قوانينها بأخرى يخترعون لها أسماء جميلة خدّاعة. فاستفيقوا أيّها التونسيّون.’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية