تونس: ما بعد الانتخابات وما قبل التلفزيونات

الأرجح أن الانتخابات البرلمانية التي تُعقد غدا الأحد في تونس سوف تنحصر، رغم أن الأحزاب بالعشرات والقائمات بالمئات، في سباق ثنائي بين حزب النهضة (المستفيد الوحيد، حتى الآن، من زلزال الثورة الشعبية) وبين نظام بن علي البائد نظريا، ولكن السائد عمليا بفضل غزارة تمثيله الحزبي. إذ تمثل هذا النظام الاستبدادي الإفسادي الكريه، الذي لا يزال حيّا يرزق (بل إنه ينفق من عنده ويغدق)، أحزاب متعددة تتألف إما من التجمعيين (نسبة لحزب بن علي) أو من الدستوريين الذين يسمون في تونس «الدساترة» (نسبة لحزب بورقيبة، ولو أن معظمهم مجرد أدعياء). بحيث صح السؤال: من سيتقدم على الآخر: النهضة، أي الحزب الوحيد المستفيد من سقوط بن علي من الحكم؟ أم حزب «نداء تونس» وأشباهه وتوابعه، أي نظام بن علي المستفيد الوحيد من سقوط النهضة في امتحان الحكم؟
ونظرا إلى أنه قد كان للنهضة دور نشيط في اجتراح معجزة عودة بعض خلصاء بن علي ووزرائه ممن كانوا قد لاذوا بالفرار أو تواروا عن الأنظار داخل البلاد أو خارجها، بعد أن بلغت القلوب منهم الحناجر وظنوا أن قد قضي الأمر، وذلك في إطار مسعاها الماكيافللي لتمزيق شمل أحزاب نظام بن علي (حتى يكون بأسهم بينهم)، ونظرا إلى أن التجربة أثبتت أن النهضة لا تتورع عن ممارسة ما يسمى في تونس «رسكلة»، أي إعادة تدوير، كل النفايات السياسية، وذلك بإعادة استخدام وتجنيد كل مستعد للخدمة وطالب للقرب من قالبي الجاكتة أو الجبّة من التجمعيين، فإن هنالك موجبا للتخوف من «أخلاقيات» ما بعد الانتخابات (أيا كانت نتائجها): التخوف من أن تخرج الثقافة العميقة (على وزن «الدولة العميقة») التي توحّد بين النهضة والتجمع، أي ثقافة «الزبونية» (مقايضة الولاء بالخدمات والمنافع)، منتصرة على الجميع. فتعود القبيلة سيرتها الأولى أخذا للسلطة مأخذ الغنيمة.
ورغم أن د. المرزوقي محقّ في تنبيه التونسيين في الحوار التلفزي الذي أجري معه قبل أسبوع إلى أن الانتخابات البرلمانية أهم من الانتخابات الرئاسية التي تعقد الشهر القادم (بحكم أن النظام الجديد برلماني)، فإن تشظي المشهد الحزبي بشكل شبه عبثي لن يجعل الاختيار الانتخابي سهلا. على أن الحوار، الذي شارك فيه المفكر يوسف صديق والفنان فتحي الهداوي، قد كان مناسبة لطرح مسألة جوهرية، مع أنه لا علاقة لها بالرهانات الانتخابية. إنها المسألة الثقافية-السياسية التي أثارها د. المرزوقي عندما اعترض على استخدام المذيع عبارات فرنسية مسقطة في مجرى الحديث إسقاطا. حيث قال له: لماذا تستخدم عبارات فرنسية في برنامج موجه لجمهور عربي؟ أفلا تستطيع أن تقول «وقفة إشهارية» أو «فاصل إعلاني» بالعربية؟ وما الصعب في أن تقول «تقرير تلفزيوني»بالعربية؟ لماذا تستخدمون في الإعلام عبارات لا يفهمها أهلنا في أعماق البلاد؟
والحق أنه قد طرأت بعد ثورة 2011 ظاهرة لم تكن موجودة البتة في تونس طيلة عقود من البث الإذاعي والتلفزي، وهي أن كثيرا من مذيعي الراديو والتلفزيون صاروا فجأة، دون سبب مفهوم، لا يكادون ينطقون ثلاث جمل بالعربية أو العامية إلا شفعوها بعبارات فرنسية لا محل لها من المنطق اللغوي. لماذا؟ لأنها عبارات لا تتعلق باختراعات علمية جديدة (وحتى لو كان الأمر كذلك، لكانت الانكليزية أولى وأنسب) ولا بمفاهيم تجريدية أو تخصصية، بحيث يمكن الزعم أن العربية لمّا تتوافر بعد على معادل لها. بل إن هؤلاء المذيعين يستخدمون الفرنسية ليقولوا أشياء عادية جدا من قبيل: إلى اللقاء، وعلى المباشر، وأستوديو البث، وبالأحرى، وإذن…!!
المحير في موجة التلوث اللغوي الجديدة هذه أنها شبه شاملة، كأن معظم المذيعين ينفذون قرارا تعميميا صادرا من السوفييت الأعلى باستخدام عبارات فرنسية لا داعي لها أصلا. وليس عندي تفسير لهذه الظاهرة الطفيلية سوى أن المذيعين ربما يظنون أنهم يخاطبون القوم بما يفهمون، أي أنهم يتحدثون اللغة السائدة في البيت والشارع، باعتبار أن أهل المغرب العربي يمزجون العربية بنزر من الفرنسية مثلما صار كثير من أهل المشرق والخليج يمزجون العربية بنزر من الإنكليزية. وإذا كان الأمر كذلك فربّ عذر أقبح من ذنب. التفسير الثاني أن هذه الظاهرة قد تكون نتيجة سقوط لاواع في سيىء العادات، إما من باب التقليد والعدوى، أو من باب عدم الإدراك بأن جميع وظائف الإعلام، من أدناها إلى أجلّها، لا وجود لها إلا بعد استقامة أمر اللغة. السلامة اللغوية هي «الدرجة الصفر» من الأداء الإعلامي. إنها ما قبل الإعلام وما قبل الإذاعات والتلفزيونات.

٭ كاتب من تونس

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية