تونس ما تزال في المقدمة

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي(1) واجه وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس انتقادات حادة ومستحقة- عندما صرح عقب حادث اغتيال السياسي المعارض شكري بلعيد الشهر الماضي بأن تونس لم تعد النموذج لدول الربيع العربي بسبب سيطرة ما سماه بالفاشية الإسلامية على مقاليد الأمور فيها، متعهداً بدعم فرنسا لما وصفهم بالديمقراطيين في تونس. وفي حقيقة الأمر فإن فالس الذي وصفه معلق فرنسي بأنه يمثل ‘العنصرية الاشتراكية’- هو التجسيد الحي للفاشية الأوروبية المعاصرة، ويذكر بأمثال توني بلير الذي جعل التقدمية غلالة شفافة يستر بها ولهه بأطروحات المحافظين الجدد.(2) واقع الأمر هو أن تونس ما تزال النموذج الأفضل بين الديمقراطيات العربية، حيث الحكم فيها ائتلافي، ولم يسع الإسلاميون فيها ولا غيرهم إلى فرض أجندة أحادية. وفي حقيقة الأمر إن تونس لم تتحول إلى نموذج لأن الإسلاميين قرروا فجأة اختيار طريق الديمقراطية، لأن الحركة الإسلامية التونسية كانت منذ نشأتها منفتحة وديمقراطية، بل لأن قطاعاً مهماً من تيارات تونس العلمانية اقتنعت بعد لأي- بالديمقراطية.(3)لعل الطريف أن الحركة الإسلامية التونسية تعرضت للقمع من التيارات العلمانية، واليسارية تحديداً، قبل أن تتعرض للقمع من الدولة. وعندما زرت الجامعة التونسية في منتصف الثمانينات كانت ذكريات العنف الذي مارسته بعض التيارات العلمانية ما تزال حية في أذهان ضحاياها من الشباب الإسلاميين. وقد ضمت تيارات ‘ليبرالية’ و ‘يسارية’ فيما بعد جهودها إلى نظام بورقيبة وخليفته بن علي لقمع واستئصال الإسلاميين. (4)بعد ‘نجاح’ جهود بن علي في إخراج الإسلاميين من الساحة، انقلب على حلفاء الأمس فنكل بهم شر تنكيل، مما أجبر بعضهم على التوبة والاقتناع بعدم جدوى إن لم يكن لا أخلاقية- القمع الانتقائي. وكان النتيجة أن مد بعضهم اليد للإسلاميين للتعاون على إسقاط النظام.(5)نتج عن هذا الوضع تحالف ديمقراطي هو الذي كافأه الشعب بانتخاب ممثليه لإدارة الفترة الانتقالية، لأن الشعوب تعرف من الذي وقف ضد الدكتاتورية، ومن كان يستظل بظلها. والحس الشعبي لا يكذب، ولا يخدع بتذاكي المتذاكين. وقد كان هذا التحالف عند حسن الظن به، حيث اجتهد في وضع أسس نظام ديمقراطي سليم.(6)المشكلة في تونس، كما في غيرها من دول الربيع العربي، هو أن الأطراف التي خسرت لا تريد أن تلتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية، أي انتظار دورها في الحكم. هذا بالرغم من أن الفترة الانتقالية قصيرة، حيث لم يبق لها سوى أشهر في تونس. ولعل من أغرب الأمور في تونس ومصر هو أن الحكومات القابضة على السلطة تستعجل الانتخابات، بينما المعارضة ‘الديمقراطية’ التي ينبغي أن تطالب بسرعة عقد الانتخابات تعارضها! (7)عندما كان الإسلاميون في مصر وتونس في المعارضة، كان أقصى ما يطالبون به هو السماح لهم بحرية العمل، وعدم التعرض لهم بالقمع والمضايقات، وكان إشكال خصومهم وما يزال هو اعتقادهم بأن المنافسة الحرة مع الإسلاميين لن تكون في صالحهم، ولهذا يجري البحث عن صيغة تقيد المنافسة الحرة بعد أن فشل القمع المباشر في استئصال الإسلاميين.(8)ما تتميز به الحالة التونسية هو التفهم الكامل للحركة الإسلامية بقيادة الشيخ راشد الغنوشي لقلق الخصوم، واستعدادها للوصول إلى صيغ توافقية تهدئ من مخاوفهم. ولعل الملاحظ أنه لا يوجد في مصر ولا تونس اليوم خلاف حول ‘تشريعات إسلامية’ أو الحريات، بل الخلاف هو تحديداً على السلطة ومن يتولاها، وعلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمبادىء الدستورية، وقوانين الانتخابات، وهو ما يحدث في كل الديمقراطيات.(9)مرة أخرى فإن تونس هي النموذج المتقدم من واقع قبول الإسلاميين بالحكم الائتلافي، وتفهمهم لضرورة التوافق على الدستور وقانون الانتخابات، وحتى قبولهم بالتخلي عن بعض الوزارات التي يحق لهم كتونسيين أولاً، وكحزب انتخبه الشعب ثانياً، توليها. وليس هناك عيب في التنازلات لخدمة المصلحة العامة. والحركة الإسلامية في تونس تضرب المثل لكل الحركات السياسية في طريقة التعامل مع شركاء الوطن.(10)المطلوب هو أن يتعلم الآخرون الدرس، ويتحلوا بالمرونة اللازمة حتى تمكن إشاعة المناخ الديمقراطي المطلوب عبر التوافق على محددات العمل السياسي وضوابط اتخاذ القرار. وقد عبر الشيخ الغنوشي عن هذه النقطة حين صرح بأن تداول السلطة يفترض شيئاً من التوافق على الأساسيات وعناصر ثبات بحيث لا يؤدي تغيير الحكومة إلى تغيير النظام. ولكن الإسلاميين لا يمكن أن يطلب منهم تقديم كل التنازلات، فعلى الآخرين واجبات ومهام كذلك.(11)في كل الدول الأخرى نطالب الإسلاميين بالتحلي بالمرونة وخفض جناح الذل لشركائهم في الوطن. أما في تونس، فإن هذه المطالب توجه للمعارضة العلمانية التي تعتقد أنها تستطيع بالابتزاز والإرهاب اللفظي (الذي أثبت للأسف إنه يمهد للإرهاب الفعلي) أن تفرض واقعاً غير الذي اختارته إرادة الغالبية. فهذا المنهج المعوج سيؤدي إلى فوضى سيكون هؤلاء أول ضحاياها.(12)إن لدى التيارات التي تسمي نفسها ديمقراطية في تونس الكثير مما يستوجب الاعتذار عنه من ممارسات سابقة مالأت الدكتاتورية واستظلت بظلها، وأعانت على القمع ونظرت له. فلا ينبغي أن تضيف إلى آثامها جديداً بانتهاج سلوك انتهازي تصعيدي سيؤدي إلى الفوضى وعودة الدولة البوليسية، أو الاثنين معاً. وينبغي على الأقل الاتعاظ بأن الدولة البوليسية التي ساندوها من قبل وافتخرت باستئصال الإسلاميين صارت أثراً بعد عين، ولم تفض إلى ما يشتهون. فالخير للجميع هو في التعاون الصادق لإنجاح المسار الديمقراطي، ودعم موقع تونس المتميز كنموذج للآخرين.qraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية