تونس : مجلس تأسيسي بلا مهام

حجم الخط
0

د. لطفي السنوسي

يبدو واضحا أن تونس دخلت في مأزق جديد من شأنه أن يعمّق الخلاف وسط المكوّنات السياسية والمجتمع المدني حول مسألة تحديد مهام ومدّة عمل المجلس الوطني التأسيسي، فقد تبنّى اكثر من خمسين حزبا سياسيا إضافة الى عدد من المنظمات الحقوقية والمدنية والشخصيات السياسية من بينها عبد الفتاح مورو، القطب الإسلامي المنشق عن حزب حركة النهضة، والصادق بلعيد، أستاذ القانون الدستوري مقترحا يقضي بإجراء استفتاءشعبي حول صلاحيات المجلس التأسيسي بموازاة الاقتراع الخاص بانتخابه، وقد اعتبرت بقية الأحزاب’من بينها حركة النهضة، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحركة الوحدة الشعبية، وحزب الإصلاح والتنميةأن هذا يعد انقلابا على التوافق الوطني، بل أن هنالك من ذهب إلى أكثر من ذلك فقد اعتبر أن هذه الدعوة انما هي صنيعة أزلام الحزب المنحلّ أي التجمع الدستوري الديمقراطي بمعية أطراف خارجية.

إن هذه الأزمة المفتعلة تجعلني أتساءل، ألم يكن من الأجدر أن نذهب منذ البداية إلى استفتاء شعبي حول مبدأ الذّهاب إلى خيار مجلس تأسيسي تُحدّد صلاحياته مسبقا؟ وبالتالي يتم التوافق على المهام الموكولة لهذا المجلس الذي طالما تساءل التونسيون على صلاحياته وضل الامر رهين المنابر الاعلامية والتجاذبات السياسية، فقد عرفنا في تونس ايام الاستقلال انقلاب البورقيبة على مبدأ العمل الدستوري للمجلس وعلى خصومه وعلى الباي، والملفت للنّظر هو أن مهمّة المجلس التأسيسي آنذاك وقع تحديدها بقانون مؤرخ في29 ديسمبر كانون اول 1955’والذي يتم بموجبه حصر مهمة المجلس في وضع دستور فقط و ليست له مهمة تشريعية ولا يحق له مراقبة الحكومة فانحصرت سلطته في سلطة تأسيسية فرعية ومقيدة.

والمهم في هذا كله ليس السرد العقيم للأحداث وللتاريخ أو البكاء والعويل على ما فات، ولكن الامر أخطر من ذلك بكثير، فالسكوت على هذه المعضلة من الأوّل سيجعل ولادة المجلس عسيرة وربما قيصرية، حيث أن التوافق كان من المفروض أن يكون على حزمة من القوانين التي ستكون ضمانة للوصول الى برّ الأمان، وما يثير الحيرة هنا: هل أن مهمة المجلس كانت غير ذي قيمة الى هذه الدرجة حتى يقع تجاهلها؟ هنا تأتي الاجابة بعيدا على كل الانفعالات والانتماءات وعن مكاتب إسناد شهائد الوطنية والثورية، إنّ السكوت في رأيي كان متعمدا من طرف كل القوى السياسية وخصوصا تلك التي لها شعبية حقيقية والتي لها ثقة كبيرة في الاكتساح وتأجيل الحديث في هذه المسالة هو تكتيك سياسي كان يراد به فرض فكر ومنهج يخضع بعد ذلك إلى تحالفات، متجنبة بذلك جدلا كان سيعيق حملاتها الانتخابية. وأقول هنا أن الجرم الحقيقي هو ان نرسم مستقبل ثورة ودولة على أسس سياسيّة حزبيّة جدّ ضيّقة، فاللّعبة السياسية نفهمها ان كانت تدور حول سباق انتخابي، أما أن يصل الامر الى التلاعب بتضحيات الشهداء والجرحى والثكالى واليتامى فهذا خطأ فادح أوصلنا الى وضعية دقيقة وحرجة ستشتت شمل من اجتمعوا يوم 14 جانفي كانون الثاني، فالخطأ يكمن في أن هذه المكونات لم تحسب حسابا للقوىالموالية للنظام البورقيبي-البنعلوي-من سياسيين ورجال أعمال والذين استماتوا في البقاء على الساحة السياسية مستغلين انشغال الاحزاب بعراكهم الاديوسياسي الذين اداروا ظهورهم للكثير من المطالب الملحّة كاستقلال القضاء وتطهيره والمحاسبة الحقيقية لا لرموز النظام السابق بل للمنظومة السياسية التي اراد البعض إقناعنا بأنها وطنية حقيقية تم تشويهها على يد بن علي.

وأقول لكل الاحزاب الوطنية وغير المشبوهة:

اجنوا الآن نتاج ما اقترفت أياديكم ولا تعلقوا أخطاءكم على شمّاعة أطراف سياسية انتم من فتح لها المجال للعودة من الشباك فقد ‘فاتكم القطار’ ، أخطأتم يوم استهنتم بالخلايا النائمة للنظام وبكل مناصريهم الذين لا يزالون جاثمين على صدورنا عبر السيطرة على المؤسسات الحساسة في الدولة، وجعلتم الانتخابات هي سفينة النجاة، وكأنّ الشّعب ثار من أجل انتخابات المجلس التأسيسي والذي لم يكن مطلبا شعبيا بأتم معنى الكلمة ما دام الشعب لم يقل كلمته فيه، فكيف ترضون بفكرة المجلس على أساس التوافق ومهامه محلّ خلاف، أويعقل أن ننتخب مجلسا تأسيسيا لم يقل الشعب كلمته في المهام الموكولة إليه؟

إن الاشكال الحقيقي اليوم ليس الاستفتاء كفكرة لكن توقيته هو الكلمة المفتاح، لماذا الآن؟ ببساطة المشهد السياسي اتضح لدى القوى التي تتنافس على الفوز بأكثرية المقاعد وهنا يصبح المؤشّر غيرمطمئن لمن بنوا آمالهم وتطلعاتهم على اللّعبة الانتخابية خصوصا وأنهم تأكّدوا أن دخول المغضوب عليهم في عهد بن علي إلى المجلس كائن لامحالة، وأنّ كل الموازين ستقلب بعد تنصيب المجلس وستفتح من جديد كل الملفات، وحتى يكون هذا المجلس هو الضامن الوحيد لعلوية إرادة الشعب كان من الأهمية’بمكان’تمييزه بقانون يقع تمريره عبرنفس الهيئة التي سنّت قانون الانتخابات وقانون الاحزاب… أو عبر استفتاء بحيث يخول لهذا المجلس سنّ القوانين والّتشاريع التي لا تتعارض مع إرادة الشعب ومع المسار الثوري الذي يأمل فيه ويجعل من مهامه بلا قيود ومدّة صلاحياته غير محدّدة، فيكون لنا بذلك ضمانة حقيقية للمسار الديمقراطي ومن تُسوّل له نفسه الانقلاب على قانون التأسيسي يكون بذلك قد انقلب على الشرعية الشعبية برمّتها وهو ما يبدو مهمّة صعبة خصوصا وأن أبناء شعبنا مستعدون لخوض معركة الكرامة من جديد ضدّ أي تلاعب بالمكاسب التي ضحى من أجلها.

هنا يتأكد لنا أنّ الأمور سارت منذ البداية بطريقة غير مدروسة في أبعادها وتجلياتها فجاء اليوم من يدس السمّ في الدّسم من أجل فرض وصاية على المجلس وبالتالي وصاية على إرادة الشعب، ولكن أقولها مجدّدا إن كل المؤسسات تستمد شرعيتها من سيادة أبناء تونس في هذه المرحلة وأي توجّه لا بدّ أن يُؤخذ بمفهوم المشروعية قبل الشرعية القانونيّة.’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية