تونس: ملفات ملتهبة أمام حكومة فخفاخ أبرزها البطالة

رشيد خشانة
حجم الخط
0

اجتازت تونس أزمة سياسية تُعتبر من الأزمات الخطرة التي واجهتها منذ “اعتصام الرحيل” الذي أطاح بحكومة “الترويكا” في أواخر 2013. وفي أعقاب تجاذبات ومناكفات استمرت منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، توصل المكلف بتشكيل الحكومة الياس الفخفاخ و”حركة النهضة” الحزب الأول في مجلس نواب الشعب، إلى صيغة توافقية لحكومة يُرجح أن يمنحها البرلمان الثقة الأربعاء. ولعبت منظمتان كبيرتان دورا بارزا في تجسير الفجوة بين رئيس الحكومة المكلف، ورئيس “حركة النهضة” راشد الغنوشي، وهما اتحاد رجال الأعمال واتحاد النقابات العمالية. واستحقت المنظمتان، في 2015، جائزة نوبل للسلام، إلى جانب نقابة المحامين ورابطة حقوق الانسان، بعد النجاح في تجنيب البلد أزمة حادة وصداما بين كتلتين سياسيتين.

هيمنة على المناصب الحساسة

انطلقت الأزمة الأخيرة من إسقاط البرلمان حكومة حبيب الجملي، الذي رشحته “حركة النهضة” لتشكيل الحكومة، طبقا للدستور، بعد حصولها على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان الجديد، لكنها لا تحظى بالأغلبية. غير أن هيمنة الحركة على المناصب الحساسة في الحكومة المقترحة جعلها تخفق في تجميع الحد الأدنى من الأصوات اللازمة للفوز بثقة أعضاء المجلس، وهو مئة وتسعة أصوات. وبموجب الدستور أعيدت الوديعة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي كلف الفخفاخ بتشكيل حكومة جديدة. والفخفاخ، الذي ينتمي إلى حزب “التكتل الديمقراطي” غير الممثل في البرلمان، كان وزيرا في حكومة “الترويكا”، التي قادتها “حركة النهضة” بين 2011 و2013. مع ذلك اندلعت أزمة سياسية بين رئيس الحكومة المكلف والحزب الأول في البرلمان، الذي اعتبر أن النسخة الأولى من الحكومة المقترحة لم تعكس حجمه في البرلمان (54 من أصل 217 مقعدا). وتفاقم الخلاف بعدما أعلن الفخفاخ عن استبعاد الحزب الثاني، “قلب تونس” من التشكيلة الحكومية، لشبهات الفساد والتهرُب الضريبي التي تلاحق رئيسه نبيل القروي، والتي قادته إلى السجن في الخريف الماضي. وأكد الفخفاخ أن الحكومة لا يمكن أن تكون بالضرورة سفينة نوح، وتضم جميع الأحزاب، مُشددا على أنه يميل إلى حكومة تستند على مبادئ الثورة، في إشارة إلى انتفاضة 2011.

كان ذلك التصريح كافيا لاستفحال الخلاف، خاصة بعد تمسك “النهضة” بإشراك حزب “قلب تونس” في الحكومة، بوصفه شرطا لمشاركتها فيها. وأصدر مجلس شورى الحركة بيانا دعا فيه إلى “حكومة وحدة وطنية”، تعتمد أساسا على قيادات سياسية، فيما منح الفخفاخ الأفضلية لخبراء مستقلين على رأس الوزارات الفنية.

أخطر أزمة

وعاود مجلس الشورى الاجتماع ليقرر سحب وزرائه من حكومة الفخفاخ ويتوعدها بحجب الثقة عنها في البرلمان، على ما قال رئيس “الشورى” عبد الكريم الهاروني. وأشاع هذا الموقف مناخا من القلق والاحتقان، زادت من حدته التصريحات والتصريحات المضادة، إلى درجة أن الهاروني دعا رئيس الجمهورية إلى إعفاء الفخفاخ وتكليف شخصية أخرى “أقدر منه على تشكيل الحكومة”، في الوقت المتبقي من المهلة الزمنية، التي يمنحها الدستور في هذه الحال. واعتبر الرئيس سعيد هذه الخصومة “أخطر أزمة عرفها البلد منذ الاستقلال (1956)”. وانطلاقا من دوره الدستوري، دعا الطرفين، الفخفاخ ورئيس “النهضة” راشد الغنوشي، إلى التوافق مُلوحا بحل البرلمان واللجوء إلى انتخابات مبكرة، وهو إجراء يُجيزه الدستور.

غير أن الأحزاب، وفي مقدمها “النهضة” تخشى من معاودة الانتخابات، لأن استطلاعات الرأي أظهرت أن الرأي العام مُحبط من صراعاتها البيزنطية، ومستاء من منطق المحاصصة وتقاسم الغنيمة، الذي ساد مفاوضات تشكيل الحكومة. وفي ظل استبعاد خيار الانتخابات المبكرة، صار الخلاف أقرب إلى عملية لي ذراع بين الفخفاخ و”النهضة” وهناك من اعتبرها لي ذراع بين الحركة والرئيس سعيد، بحكم أن الفخفاخ هو مرشح الأخير أولا وأخيرا. واستطرادا لم تُثمر محاولة الغنوشي استصدار فتوى من المحكمة الدستورية المؤقتة تُعاكس قراءة سعيد للبند 89 من الدستور، فلم يبق من مخرج سوى تراجع الطرفين عن مواقفهما، فرضي الفخفاخ بمنح حقيبة إضافية إلى “النهضة”، في شخص لطفي زيتون مستشار الغنوشي، مع تعهد نواب الحركة بمنح الثقة للحكومة في مجلس النواب، وتخليها عن شرط إدماج “قلب تونس” في التشكيلة الحكومية. ويبدو أن الأخير سيكون مرتاحا أكثر في مقاعد المعارضة، لأنها ستمنحه رئاسة لجنة المالية في البرلمان، المخصصة أصلا للمعارضين، لكن بواسطة الانتخاب.

32  وزيرا

تألفت الحكومة، التي ستُعرض على البرلمان الأربعاء لنيل الثقة، من قياديين في أحزاب سياسية، من بينهم محمد عبو وغازي الشواشي من حزب “التيار الديمقراطي”، وعبد اللطيف المكي ولطفي زيتون من “النهضة”، وسليم العزابي وأسماء السحيري من “تحيا تونس”، إلى جانب شخصيات مستقلة، تمت تسمية ثلاث منها على رأس وزارات السيادة. واشتملت الحكومة على سبعة وزراء من “النهضة” وثلاثة من “التيار الديمقراطي”، واثنين من “حركة الشعب”، ومثلهما من حزب “تحيا تونس” ووزير واحد من حزب “البديل”. كما لوحظ حضور مكثف لأهل القانون من قضاة ومحامين وأساتذة الحقوق في الجامعات، وهي بصمة رئيس الجمهورية، الذي كان يُدرس القانون الدستوري في كلية الحقوق، قبل إحالته على المعاش. ولم يتم التجديد في التشكيلة الحالية سوى لوزير واحد من حكومة الشاهد المستقيلة، وهو وزير الشؤون الدينية القاضي السابق أحمد عظوم. وكان متوقعا بقاء وزير السياحة روني طرابلسي في الحكومة الجديدة، غير أن حزب “حركة الشعب” القومي اشترط استبعاده للقبول بدعم الحكومة، متهما إياه بالضلوع في التطبيع مع الدولة العبرية.

من العداء إلى التحالف

مع ذلك يعتقد محللون أن حكومة الفخفاخ ستكون ضعيفة، بالرغم من الحزام السياسي الذي تتمتع به. وهم لا يستبعدون حدوث مناكفات بين الأحزاب التي كانت تتصارع في الماضي، مثل “النهضة” و”التيار الديمقراطي”، أو “النهضة” و”حركة الشعب”، فضلا عن “الحزب الدستوري الحر”، الذي يعتبر نفسه امتدادا لحزب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، والذي يملك 17 مقعدا في البرلمان. ولا ريب في أن “النهضة”، التي حصلت على رئاسة مجلس النواب في شخص رئيسها، كانت تأمل بأن تحوز أيضا على رئاسة الحكومة، في شخص مرشحها سيء الحظ الحبيب الجملي. وفي المقابل هناك أحزاب ذات تمثيل هزيل في المجلس حصلت على حقائب وزارية أسوة بحزب “نداء تونس” الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وتفكك قبل وفاته، وحزب “البديل” الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة. كما لا يُعرف مستقبل العلاقات بين “النهضة” و”قلب تونس”، اللذين كانا في عداء مطلق، فأصبحا حليفين ضد الفخفاخ.

استحقاقات صعبة

تواجه الحكومة الجديدة تحديات واستحقاقات كبيرة، خاصة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، بعد إخفاق حكومة يوسف الشاهد في السيطرة على التضخم ووقف تدهور قيمة الدينار ومكافحة التجارة الموازية وامتصاص البطالة. وسيتعين عليها قريبا إدارة مفاوضات عسيرة مع صندوق النقد الدولي للحصول على القسط الخامس من قرض منحه البنك لتونس، وسيكون ضروريا لصرف رواتب العاملين في القطاع العام الشهر المقبل. وسيتعين الحد من رواتب العاملين في هذا القطاع، التي تضاعف حجمها بين 2011 و2017.

وعلى الصعيد السياسي ورثت الحكومة ملفات شائكة من بينها مشروع قانون لإنشاء المحكمة الدستورية، الذي تم تجميده بسبب التجاذبات بين الأحزاب، وهو وضعٌ لم يتحسن مع انتخاب البرلمان الحالي. كما أثار مشروعُ تعديل للقانون الانتخابي، تقدمت به “النهضة” إلى المجلس السابق، معارضة شديدة من الأحزاب الصغيرة، لأنه يرفع من العتبة الانتخابية إلى 5 في المئة، ما يعني قطع الطريق أمام كثير من الأحزاب الصغيرة للوصول إلى البرلمان في المستقبل. أما الخطر الأكبر فهو هشاشة التوافقات التي أقيمت على أساسها الحكومة، ما يجعلها مهددة بالتعثر، مع أول خلاف عميق بين مكوناتها. وزاد تعدد المكونات من احتمالات التفكك، لاسيما أن بعض الأحزاب، مرت بأزمات داخلية في الماضي، جعلت من الانسحاب من الحكومة أو البقاء فيها ورقة في مهب الصراع.

الرئاسات الثلاثاء

تزداد حراجة هذا الوضع وسط الخلافات التي بدأت تلوح من وقت إلى آخر بين رئيس مجلس النواب/ رئيس “النهضة” من جهة، ورئيس الدولة من جهة ثانية، على الرغم من كل التصريحات المُطمئنة من هنا وهناك. فإذا ما اتفق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على مبادرة (وهو أمرٌ واردٌ في كثير من الملفات)، واختلفا مع رئاسة البرلمان، فمن يكون المرجع لحسم الخلاف؟ هل هو الدستور؟ سيكون غير كاف في كثير من المواقف، وقد يحتاج إلى تأويل، بل تأويلات، في ظل إرجاء انتخاب محكمة دستورية. ويُحيل هذا الأمر على مسألة التضامن الحكومي، الذي يبقى ضالة الحكومة ورئيسها، إلا أنه بعيد المنال بحكم طبيعة الحكومة المؤلفة من مكونات مختلفة ومتنافسة.

والأرجح أن الملفات الاجتماعية الملتهبة هي التي تحتاج إلى حلول عاجلة وأخرى آجلة، بينما يغرق السياسيون في خصوماتهم الصغيرة. ويأتي في مقدم هذه الملفات إيجاد فرص عمل للشباب، الذي لا حلم له سوى الهجرة، وإن كان ثمنها الموت غرقا. وتُفيد الإحصاءات أن 25 في المئة من الشباب التونسيين (واحدٌ من كل أربعة) يحاولون الاتصال بمُهرِب للبحث عن سُبُل لمغادرة البلد، بحسب دراسة أعدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. بهذا المعنى يمكن أن يكون وضع الخطط اللازمة، لمجابهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، في مثابة اسمنت لتماسك الحكومة وفرصة لتحقيق إنجازات قصرت الحكومات السابقة عن تحقيقها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية