من المعروف لدى التونسي والسائح أن الخزف المُلوّن هو منتوج نابلي يعرف باسم “الخزف الفنّي” يـُروج له معرض نابل السنوي في الربيع وأسواق السياحة، لكننا لم نسمع بتظاهرات وطنيّة ودوليّة أو حتى جهويّة، تثمّن هذا التراث الذي اشتهرت به المدينة في العهد المعاصر، مدينة للحرف الفنّية، وعاصمة للخزف وتروّج له اقتصاديا. فكيف يمكن النهوض الثقافي بالخزف النابلي وتمكينه من استحقاقاته؟ لمقاربة هذا الموضوع نحاور أستاذ التاريخ المعاصر يحيى الغول رئيس “جمعـيّة نابل للتراث”.
* ما هي مكانة نابل في الخزف التونسي المعاصر؟
** ازدهر إنتاج الخزف التقليدي المسمى “الشواط” في نابل منذ العصور القديمة وازدهر إنتاجها للخزف “المطلي عربي” في العهد الحديث، قبل أن ترث إنتاج الخزف “المزيّن” عن قلالين تونس وأن تنفرد به منذ أواخر القرن التاسع عشر. وطوّرت خلال القرن العشرين أسلوبها الخزفي الخاص من صنف الخزف “المزيّن” المعروف باسم “الخزف الفنّي” النابلي واشتهرت به في الداخل والخارج، منذ أكثر من قرن.
* شهرة “الخزف الفنّي” النابلي في الداخل معروفة، لكن ما هي شهرته في الخارج؟
**منذ أكثر من قرن تُعرض منتوجات الخزف الفنّي النابلي في أكبر متاحف العالم مثل المتحف البريطاني في لندن، وقد عُرضت دوريا في جميع المعارض العالميّة. كما رُوّجت في الحوض المتوسّط، وفي أوروبا الغربيّة وأمريكا الشماليّة. وأصبحت ضمن أبرز المدن الخزفيّة الأكثر شهرة في العالم، كما تتمتع بعلاقات توأمة مع عدد من العواصم الخزفيّة.
وتمتع الخزف النابلي إلى منتصف القرن الماضي بالرعاية الثقافيّة من الدولة، لكن منذ سنوات ظهرت عدّة استحقاقات لم تجد طريقها للتحقيق.
*ما هي استحقاقات الخزف الفنّي النابلي؟
**يجدر التذكير أن لقطاع الخزف الفنّي النابلي مكانة مهمة اجتماعيا واقتصاديا في البلاد التونسيّة، بما في ذلك التصدير وتوفير العملة الصعبة. ومع ذلك بقي القطاع في حاجة إلى النهوض به من جميع الجوانب، بالإضافة إلى الحفاظ على تراثه مع تثمينه ودعمه ثقافيا. فعلا لا يخفى أنه إلى اليوم لم تبدأ أي مساع لتسجيل الخزف الفنّي النابلي في التراث الثقافي العالمي، بينما تمتّع بهذا غيره، ولم ينضج بعد مشروع المتحف الوطني للخزف في نابل رغم تكرّر المقترح من عدّة سنوات وقابليّته للإنجاز، ولم يَنتظم المهرجان الدولي للخزف في نابل رغم وجود عدد من التظاهرات المحليّة في بعض المناسبات منها التي انتظمت أخيرا مع “جمعيّة نابل للتراث” في المعرض السنوي للفنّانين الخزفيّن في الوطن القبلي (أربع دورات).
هكذا تظهر ثلاثة استحقاقات، في مقدّمتها بعث المتحف الوطني للخزف في نابل وقد سعت “جمعيّة نابل للتراث” منذ سنة 2014 للترويج لمشروع المتحف وعلِمت أن أوساطا مركزيّة في الشؤون الثقافيّة استحسنت الفكرة، وتسعى لبلورتها، وكذلك تنظيم المهرجان الدولي للخزف في نابل وقد قدّمت “جمعيّة نابل للتراث” دراسة حول مشروع هذا المهرجان عُرضت على مستوى مركز ولاية نابل في آب/اغسطس 2018 وبقي المشروع معلّقا على موقف المنظمات والإدارات المهنيّة، بالإضافة إلى إعداد ملف الترشح لتسجيل “الخزف الفنّي النابلي” في التراث الثقافي العالمي.
* في هذا الإطار، ما هي تحديدا الأهداف من وراء تحقيق هذه المشاريع؟
**هي عديدة ومتنوّعة، ويمكن استعراض ما يهمّ المجال الثقافي العام:
– المحافظة على تراث “الخزف الفنّي النابلي” وتثمينه.
– الترويج التجاري والسياحي والثقافي للخزف النابلي وللجهة.
– المساهمة في النهوض الشامل بقطاع الخزف والحرف الفنّية عامة في نابل.
– تنشيط مدينة نابل وجهتها وتأهيل عمرانها وتراثها.
*هذه مشاريع تبدو مهمّة، فما هي أبرز مستلزماتها وكذلك صعوباتها؟
**من الضروري تضافر الجهود المحليّة والجهوّيّة، بالإضافة إلى الدعم المركزي، فمن الأطراف المنتظرة مساهمات، نذكر منها بلديّة نابل، والمنظمات والجمعيات الحرفيّة والمؤسسات الإدارية وكذلك جمعيات المجتمع المدني والمؤسسات الجامعيّة وكثير من المساهمات من الداخل والخارج.
أما الصعوبات فهي تظهر ثانويّة منها ما يتمثّل في إمكانيّة ظهور ضغط المضاربة الماديّة على المصلحة الثقافيّة العامة للخزف في التنمية الشاملة المستديمة.