تونس.. نقطة واحدة لا تكفي

حجم الخط
0

مروان العياصرة سجلت تونس نقطة كبيرة وهدفا مهما في تاريخها المعاصر، لكنه لا يكفي كي تتأهل لمشروع حريتها وديمقراطيتها ودولة القانون والنظام وحقوق الإنسان والعدالة والوطنية، إنها أول الأهداف في مرمى النظام الذي (كان حاكما)، لكن يجب أن لا تكون آخر الأهداف، فثمة حاجة كبيرة لترجمة الثورة التونسية الحديثة إلى منجز حضاري ومجتمعي يلامس حياة الناس ومعيشة التونسيين الذين مضى عليهم ربع قرن من الصبر على النظام القمعي واحتمال ألم الفقر والجوع والكرامة المنهارة على أسوار القصور.

إزاحة (بن علي) ليست هدفا بحد ذاتها بالنسبة للتونسيين، كما أن إزاحة أي نظام عربي بالنسبة لكل عربي ليست هدفا بحد ذاته، بل الهدف تحقيق كرامة الفرد بالعدالة والمساواة وحق الحياة الكريمة وممارسته لحريته كيما يكون ثمة مبرر لوجوده ودور لحضوره في المشهد العام، وقد أذهب بالمعنى لأبعد من هذا، فكما جاء بن علي على وقع التغيير الوطني والكرامة الوطنية ولغة الحقوق الوطنية للفرد والمجتمع، ووصل أو انتهى إلى القمع والتسلط والديكتاتورية، ربما يأتي من بعده أحد ما بكل ما جاء به من روح وطنية حرة وينتهي إلى ذات السياقات المرة التي عاشها التونسيون، إذن كما هو العنوان (نقطة واحدة لا تكفي)، بل ثمة حاجة ملحة لمتابعة افرازات الثورة او الانتفاضة أو (الحركة البوعزيزية)، كي لا ينتهي كل هذا الاحتراق وهذا الغضب النبيل إلى أن يخبو وتذبل جذوته، ولكي يبقى دم البوعزيزي طازجا حارا، قابلا للاشتعال في أي لحظة وعند أي حاجة.

البوعزيزي، هذا الكائن الحي الذي أدمن الاحتراق بنار الفقر ولجاجة الحاجة سنوات بعدد أعوام حياته أحرق جسده ليتحول رماده إلى روح حرة سرت في ارواح كل الناس المقهورين والمغلوبين والجائعين والغاضبين في قرطاجة وسوسة والمنستير وكل جهات تونس، وهنا أتذكر على وقع هذا الاحتراق البوعزيزي قولة شاعر من شعراء ثورة فلسطين (صلاح الدين الحسيني، أبو الصادق) حين قال (طل سلاحي من جراحي)، تماما كهذه الجراح التي صنع منها البوعزيزي سلاح الناس البسطاء، وأي سلاح أقوى من سلاح البسطاء، هؤلاء الذين مارسوا بساطتهم وحلمهم وصبرهم إلى آخر حد حتى صاح فيهم لسان حال البوعزيزي (اتق شر الحليم إذا غضب)، وللأنظمة العربية ان تعي هذا المعنى وهي تتعاطى مع الواقع التونسي الجديد، فحلم الشعوب – بكسر الحاء وضمها أيضا- لا ينتهي إلى لا شيء، وإن خبا يوما أو كبا عاما، أو طوى أصابعه على جرح كفه سنوات، فإنه صائر لا محالة إلى غضبة ينتصر فيها لكرامته، وحقيقة ينتصر فيها على زيف الأنظمة. ما كتب عن تونس وثورة الشعب وروح انتفاضته يكفي لنسج حلم جميل من الحرية العربية وحقوق الإنسان العربي والمواطنة العربية، ويكفي للشعور بقيمة القمع وجدواه، ربما أدخل في المغاير والمختلف في دعوتي للأنظمة العربية لتمارس مزيدا من القمع والتجويع ما يكفي لملء قلوب الناس لتفيض بانتفاضتها، ولتمارس قهرها بما يكفي لإنتاج اجيال من المقهورين الذين سيأتون ذات لحظة كلحظة بوعزيزي، كالسيل الغاضب.

أيها التونسيون، نقطة واحدة لا تكفي، والإطاحة ببن علي ليست نقطة آخر السطر، بل ثمة نهج يجب أن يكتمل وثمة قوة يجب أن تستمر، وثمة طريق طويل وممتد عبر أجيال الانظمة التي ستأتي محملة بوعود التغيير، كيما يبقى التونسيون هم الرقباء والمحاسبون وفي قبضتهم أسرار قوتهم، وعلى مشارف أحلامهم مستقبلهم، ويا أيها العرب، تونس ليست نقطة آخر السطر، بل ثمة شعب عربي ممتد على كل مساحات وجبهات الفقر والقهر العربي، نظر وأبصر قداسة الغضب للإنتصار للحرية وكرامة الناس وكبرياء الوطن، وسيبقى قلب كل عربي يتلفت لتونس حتى ينضج قهره ويفيض نبض قلبه بغضبة الحليم. يا تونس أستأذن روح درويش أن أسجل هنا ما قال لك (هل نسينا وراءنا شيئا.. نعم نسينا تلفت القلب وتركنا فيك خير ما فينا.. تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك فيهم خيرا.. حافظي على نفسك يا تونس)، ستبقى قلوبنا تتلفَّت صوبك، حتى يصير قلب كل عربي حر كقلب بوعزيزي.’ كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية