من غريمين لدودين مطلع 2012 لدى تأسيس حزب “نداء تونس”، إلى حليفين حميمين في أعقاب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 2014. هكذا انتقلت العلاقة من النقيض إلى النقيض. فبعد حظر الحزب الحاكم السابق “التجمع الدستوري الديمقراطي”، رأت “النهضة” في إنشاء حزب “النداء” بزعامة قائد السبسي إحياء لحزب بن علي المنحل، وتجميعا لقوى الثورة المضادة، لا بل وُصف مؤسسُه، على لسان رئيس “النهضة”، بأنه آت من أرشيف ذلك الحزب، على اعتبار أنه شغل رئاسة البرلمان في عهد بن علي وكان عضوا في اللجنة المركزية لحزبه. في المقابل شكا “الندائيون” مما نسبوه للحزب الغريم من اعتداءات على كوادرهم، وصلت إلى حد اتهامهم لعناصر قريبة من “النهضة” بقتل منسق الحزب في مدينة تطاوين (جنوب) رفسا. كان واضحا أن “النهضويين” شعروا بالخوف من أن يكون “النداء” سائرا على الخط الاستئصالي الذي انتهجه بن علي، لاسيما في مناخ الانقلاب الذي نفذه الجيش في مصر. وفي المقابل كانت الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع تتوجسان من خطر تمدُد السلفيات والإطاحة بما راكمه المجتمع من مكاسب على صعيد الحريات الفردية والعامة.
غير أن ضغوطا داخلية وخارجية فرضت عليهما التقارب، بعدما انحشرت حكومة “الترويكا” التي قادتها “النهضة” في الزاوية، وفُرض عليها الخروج من الحكم بقوة الاعتصامات وبفعل شلل الجمعية التأسيسية. تبلورت في ضوء تلك الأزمة التي أوصلت البلد إلى شفير الصراع الأهلي، فكرة التوافق التي تقوم على تقديم تنازلات متبادلة. وسرعان ما تحولت الشراكة إلى شركة مبنيَة على المحاصصة تدُرُ الامتيازات الحصرية على الحزبين، وتضع بين أيديهما مفاتيح الحياة السياسية. واستطاعت هذه الصيغة الصمود طيلة السنوات الماضية.
وتكرس خيار التوافق هذا في لقاء باريس الذي جمع بين قائد السبسي وزعيم “النهضة” راشد الغنوشي في الخامس عشر من آب/أغسطس 2013. وحظي الخيار بتشجيع الغرب. من هنا كانت المنافسة الانتخابية بين مرشحي الحزبين سلمية وسلسة. وبالرغم من إعلان السبسي، بعد لقاء باريس، أن الحزبين “يُشكلان خطين متوازيين لا يلتقيان” سرعان ما اتفقت قيادتاهما على تكريس العلاقة الجديدة في حكومة ائتلافية ضما إليها بعض الأحزاب الأخرى.
استمر التحالف أربع سنوات إلى أن أتت الانتخابات البلدية الأخيرة لتشكل مضمارا لتنافس شديد بين “نداء” مُنهك، جراء الصراعات الداخلية، و”نهضة” تملك جهازا فعالا وشبكة تُغطي جميع الدوائر. على هذه الخلفية أتت “النهضة” في مقدم الفائزين فيما حلَ “النداء” ثالثا وخسر كثيرا من أنصاره. ثم عادا إلى مربع المنافسة بقوة لدى توزيع المسؤوليات بين الفائزين بعضوية المجالس البلدية. ويجوز القول إن المعركة على منصب عمدة العاصمة كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، إذ أصرت “النهضة” على أن تتولى المنصب مرشحتها (غير المُحجبة) سعاد عبد الرحيم، فيما طرح “النداء” مرشحا بديلا، فبدا الحزب الحداثي معارضا لتولي سيدة منصب العُمدة، بينما شجع الحزب المحافظ على منحها تلك الفرصة. انطلاقا من تلك اللحظة، التي يتردد أن سعاد عبد الرحيم تعرضت خلالها إلى ضغوط شديدة لكي تنسحب من المنافسة، أبصرت علاقات الحزبين أزمة شديدة. وتفاقمت الأزمة بسبب دعم “النهضة” لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، الذي عملت قيادة حزبه بجميع الوسائل على عزله من منصبه.
أكثر من ذلك لم يُخف رئيس الجمهورية دعمه الجناح الذي يقوده نجله حافظ قائد السبسي مطالبا رئيس الحكومة بالاستقالة أو طلب تجديد الثقة من البرلمان، على أمل أن يحجب النواب الثقة عن الحكومة. وعاد في مقابلة تليفزيونية أخيرا إلى حض الشاهد على الاستقالة أو الذهاب إلى مجلس نواب الشعب. غير أن ميزان القوى داخل البرلمان تغير لصالح الشاهد، بناء على الدعم الذي بات يتمتع به من نواب “النهضة” وأكثر من أربعين نائبا من المنسحبين من “النداء”. وسبق لنواب “النداء” أن عزلوا رئيس الحكومة السابق حبيب الصيد في 2016، بالاتفاق مع كتلة “النهضة”، بعدما شكروا سعيه. لكن تكرار اللعبة لم يكن ممكنا مع الشاهد، الذي يبدو أنه استفاد من درس سلفه. لذلك يُرجح مراقبون أن السبب الرئيس الذي دفع في اتجاه إنهاء الشراكة بين السبسي و”النهضة” يكمن في الدعم الذي منحته للشاهد كي يستمرَ في منصبه.
ومع اقتراب استحقاقات انتخابية جديدة، برلمانية ورئاسية، في أواخر العام المقبل، تتوالى المتغيرات التي ستجعلها مختلفة عن انتخابات 2014، فتفكك “النداء” سيجعل أعضاء الكتلة النيابية المؤيدة للشاهد يقفزون من المركب الجانح إلى جسم سياسي جديد. كما أن “النهضة” استعدت ماديا وتنظيميا بشكل يفوق المرة السابقة، بالاعتماد على صداقاتها داخل تونس وخارجها، وإن أظهرت الانتخابات البلدية الأخيرة أنها خسرت كثيرا من مؤيديها. في المقابل، وجد النهضويون في جناح الشاهد داخل “النداء” مُحاورا يمكن الاتكال عليه. وتعزز هذا الاتجاه بعد تشكيل كتلة ندائية داعمة لرئيس الحكومة (الائتلاف الوطني)، وهي كتلة مُرشحة للتوسع بما يُوفر للشاهد، مع نواب كتلة “النهضة”، الحزام الذي يحتاجه لضمان استمرار حكومته واستقرارها، إلى الانتخابات المقبلة. أما “النداء” فبالرغم من محاولات الترقيع واستعادة بعض الوجوه القديمة، لن يبقى رقما في الساحة السياسية. والأرجح أن جسما سياسيا جديدا سيحلُ محله، ويكون هو مُعادل “النهضة”، وستتشكلُ عجينتُه من أعضاء الكتلة البرلمانية الندائية الداعمة لرئيس الحكومة. والأرجح أيضا أن معظم كوادر الحزب الجديد ستأتي من المكونات نفسها التي تشكل منها “النداء” في 2012، وهي مزيج من التجمعيين (حزب بن علي) والنقابيين والمنسحبين من الأحزاب اليسارية.