تونس- يسرى ونّاس:
في وقت تعيش تونس أزمة اقتصادية سياسية خانقة، أطلق الاتحاد العام للشغل مبادرة قال إن الهدف منها السعي لإنقاذ البلاد من منزلق اقتصادي خطير يلقي بظلاله على مختلف القطاعات، خاصة وضع المواطنين ومقدرتهم الشرائية.
ويشارك الاتحاد (أكبر منظمة نقابية) في مبادرته كل من الهيئة الوطنية للمحامين، ومنتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان (مستقلة).
وبلغت مؤشرات الأزمة الاقتصادية ذروتها مع وصول نسبة التضخم خلال ديسمبر الماضي إلى 10.1 في المئة، إضافة إلى تصاعد إضراب سياسي منذ بدء الرئيس قيس سعيد فرض إجراءات استثنائية في 25 يوليو/ تموز 2021.
ويرى متابعون للشأن التونسي، أن الاتحاد استثنى من مبادرته الأطراف السياسية، ويعتبرون أن هذه المبادرة لن يكون لها صدى لدى رأس السلطة التنفيذية.
لكن أمين عام الاتحاد التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، قال في تصريحات سابقة، إن البلاد تعاني من “انسداد الأفق لأكثر من 12 عاما وأن الجميع يتبادل الاتهامات في الوقت الذّي تغرق فيه البلاد وأنه لا حل إلا بالحوار”.
وأضاف الطبوبي أنه “لا يستبق الأحداث حول مشاركة السياسيين من عدمه في المبادرة، وأنه عند اكتمال معالم وتصورات هذه المبادرة فسيكون هناك حوار وطني”.
محمد ضيف الله، المؤرخ والأستاذ بالجامعة التونسية، اعتبر أن “مبادرة الاتحاد ولدت ميتة وأنه لو أشركت كل الأحزاب لكان لها أفق أوسع”.
وقال ضيف الله أن “محتوى مبادرة الاتحاد أقرب إلى النظام (الرئيس قيس سعيد)، وهدفها كان إنقاذه بعد أن تردى الوضع أكثر وتجلى ذلك مع الانتخابات الأخيرة”.
وذكر أن “النظام أصبح في أزمة، وهذه المبادرة جاءت كموقف ثالث لإنقاذه والدليل على ذلك أنها لم تسم الانقلاب بانقلاب”.
وأشار إلى أن المبادرة “تتماشى مع سعيد لأنه يريد استبعاد الأحزاب وهذه المبادرة طرحت أيضا ذلك وأشركت منظمات فقط معها لا أحزاب، فهي موجهة إلى سعيد الذي لا يستمع لها ولا لبقية الأطراف الموجودة على الساحة السياسية”.
واعتبر ضيف الله، أن “تشتت المعارضة حاليا أمر يستفيد منه الرئيس سعيد ويرد الفعل سلبيا إزاء ذلك”.
كما لفت إلى أن “هذه المبادرة تحافظ نوعا ما على هذا التشتت ذلك أنها جاءت تحت عنوان مجتمع مدني دون تشريك للأطراف الحزبية أو السياسية حتى أنها غيبت عنصرا مهما مثل منظمة الأعراف (أرباب العمل)”.
وأكد أن “الحل في تونس ليس حلا فرديا أو جزئيا وأن البعض يدعي أنه يملك الحكمة ولا أعتقد أن الأوضاع ستتغير وأن المشهد أعمق مما نرى”، وفق قوله.
المؤرخ ضيف الله، يرى أن “رد الرئيس سعيد على مبادرة الاتحاد كان في التعديل الوزاري الأخير بعد تعيين النقابي محمد علي البوغديري وزيرا للتعليم بدلا من فتحي السلاوتي”.
وأوضح أنّ “البوغديري يعد معارضا للقيادة الحالية للاتحاد وأنه كان يرفض تجديد باب الترشح لمرة ثالثة لها وأنه عبر عن مساندة كبيرة لإجراءات قيس سعيد”.
واعتبر أن “الاتحاد تورط في دعمه النظام القائم وأن هذه المبادرة لو فتحت على الأحزاب ربما كان لها أفق أوسع”.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي بلحسن اليحياوي، أن “المبادرة جاءت متأخرة خاصة وأنه سبق له (الاتحاد) أن أعلن ضرورة إيجاد خط ثالث منذ إصدار مرسوم الإجراءات الاستثنائية من الرئيس سعيد، يقطع مع المنظومة السابقة دون الاستسلام إلى تفرد الرئيس بالسلطة”.
وتابع اليحياوي، أن “الجانب الاقتصادي والاجتماعي يمثل الجانب الأكبر في هذه المبادرة مقارنة بالجانب السياسي، والمعلوم أن ثمة طرف في تونس ينظر إلى الجانب السياسي ونصيبه من السلطة كأولوية مطلقة”.
واعتبر أن “المبادرة لن تجد لها قبول في نفوس جزء كبير خاصة من المعارضة الحالية”.
أما فيما يتعلق بالرئيس سعيد، فإنه بحسب اليحياوي “سيلقي بكل الأمر إلى مجلس النواب القادم على اعتبار أنه سلطة تشريعية وجزء من مؤسسات الدولة، ولن يجازف بإطلاق حكم قاطع فيما يتعلق بهذه المبادرة بل سوف يدفع بها للبرلمان حتى يخفض من غلواء الاتحاد فيما يتعلق بمواقفه واتجاهاته ومشروعه”.
كما أشار إلى أن “الرئيس سعيد منسجم تماما مع نفسه مع وضع خارطة طريق ضبطت العديد من المواعيد (الانتخابات وغيرها) وهناك احترام تام لها وهو يمضي قُدما في تنفيذ مشروعه أو على الأقل في وضع الركائز الأساسية له”.
من جهة أخرى، اعتبر اليحياوي، أن “ما يجعل البعض يقيم الأمر على أنه أزمة في البلاد هو غياب التواصل المباشر من سعيد مع مختلف فئات التونسيين وضرورة الحديث معهم بعيدا عن خطاباته التي تبدو في أغلب الأحيان متشنجة”.
وذكر أن “المعارضة لا تزال تصر على أنه نفذ انقلابا وتصفه بالمنقلب والغريب في الأمر أن تدعو هذه المعارضة إلى الجلوس مع منقلب وأن تنتظر جلوسه معها إلى طاولة حوار وبالتالي فليس هناك أرضية مشتركة بين مختلف هذه الأطراف حتى يكون ثمة حوار بينها”.
ورأى اليحياوي أنه من “المفترض تكون هناك أرضية مشتركة من منطلق ضرورة الاعتراف بأن الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيد نتيجة لسياسات متعددة وأن من صنعها هم اليوم يقبعون في المعارضة وانطلاقا من هذه النقطة يمكن إجراء حوار”.
وبدأ الرئيس سعيد فرض إجراءات استثنائية في 25 يوليو 2021، من أبرزها حل مجلس القضاء والبرلمان وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية وإقرار دستور جديد عبر استفتاء في 25 يوليو 2022 وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة في 17 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
وتعتبر قوى تونسية تلك الإجراءات “تكريسا لحكم فردي مطلق”، بينما تراها قوى أخرى “تصحيحا لمسار ثورة 2011″، التي أطاحت بالرئيس آنذاك زين العابدين بن علي (1987-2011).
أما سعيد، الذي بدأ في 2019 فترة رئاسية تستمر 5 سنوات، فقال إن إجراءاته “ضرورية وقانونية” لإنقاذ الدولة من “انهيار شامل”.
(الأناضول)