يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم!! من أول أسبوع في الحوار الوطني بين السلطة و المعارضة في تونس، و في أول استحقاق من استحقاقات خارطة الطريق الهادفة إلى إخراج البلاد من أزمتها العميقة ، لم تفلح الأحزاب المجتمعة في الاتفاق على إسم رئيس وزراء جديد فعـُــلقت المحادثات منذ محطتها الأولى حتى إشعار آخر، و معها طبعا عُـلقت كل الآجال المحددة و المترابطة لتنفيذ هذه الخارطة.
منذ أن اتفق الثلاثي الحاكم ( حركة النهضة و التكتل و المؤتمر) و أحزاب المعارضة على الدخول معا في حوار يستند إلى مبادرة الرباعي ( اتحاد نقابات العمال و اتحاد أصحاب العمل و رابطة حقوق الإنسان و هيئة المحامين) لإعادة صياغة المشهد السياسي عبر تشكيل حكومة غير حزبية تأخذ مكان حكومة علي العريض الحالية و الإنتهاء من صياغة الدستور و القانون الانتخابي و الهيئة المستقلة للإنتخابات و صولا لانتخابات ديمقراطية تنهي المرحلة الانتقالية ، منذ ذلك التاريخ و كثيرون بالكاد يخفون شكوكهم المختلفة حيال نجاح هذا الحوار، سواء لما يرونه من أزمة ثقة بين مختلف الأطراف أو لاعتقادهم بأن حركة النهضة الإسلامية غير مستعدة لتسليم السلطة و إحلال الوفاق العام بدل منطق الأغلبية و الأقلية، أو لكليهما.
بالطبع العنوان البارز لهذا الخلاف حاليا هو شخصية رئيس الحكومة الجديدة المنشودة و هل يمكن أن يكون أحمد المستيري الشخصية التاريخية المعارضة لحكمي بورقيبة و بن علي، كما ترى ذلك حركة النهضة، أو محمد الناصر الوزير السابق في عهد بورقيبة و في حكومة الباجي قائد السبسي الأخيرة، كما تطالب بذلك أحزاب المعارضة. لكن المسألة أعمق من ذلك بكثير فالواضح أن كل طرف ‘شيطانه في جيبه’، كما يقول المثل التونسي، أي أنه صاحب حسابات خفية غير مريحة، فضلا عن أنه هو ذاته لا يأمن أبدا جانب الطرف الآخر. يضاف إلى كل ذلك، أن حالة الاستقطاب في تونس حاليا بين الإسلاميين و معارضيهم ، و التي ازدادت حدة منذ اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في شبط فبراير الماضي ثم اغتيال النائب المعارض محمد براهمي في يوليو تموز مع تصاعد خطير في نوعية الإرهاب ، لم تترك على ما يبدو المجال لأي كان أن يزعم هو نفسه، أو يصنفه الآخرون، على أنه مستقل أو على مسافة واحدة من طرفي الصراع.
تكاد تتحول السياسة في تونس حاليا إلى فضاء عقيم يجمع من الهواة و عديمي الكفاءة و المأدلجين حتى النخاع، يمينا و يسارا، أكثر مما يجمع الحريصين على إعلاء المصلحة الوطنية العليا و التحرك ضمن نطاق الممكن المتاح في سياق عربي و دولي غير ملائم ، ناهيك عن إترجمة تلك الشعارات الكبرى التي رفعت بعد الإطاحة ببن علي و التي لم تعد تذكر حاليا ، أو على الأقل لم تعد تثر في النفوس ذات القدر من الحماسة و التبجيل، بعد أن أفرغتها الممارسات من أي وقار. المماحكات و العناد بين السلطة و معارضيها سيوديــــان بالبلاد إلى الكارثة : ما يمكن أن تقوم به حركة النهضة حاليا من تنازلات قد لا تتح لها فرصة القيام بها بعد ذلك، أو قد يأتي ما يجبرها على ما هو أشد إيلاما منها بكثير، أما المعارضة فقد يكون آن أوان استيعابها أن ما يمكن أن تفتكه من السلطة لن يكون متاحا بغير الحوار و التراضي بعيدا عن أي شبهة ابتزاز لا ينتهي.
إدراك أهل الحكم لحدود القوة و محدودية المناورة، و إدراك المعارضة لحدود الضعف و محدودية الضغط ، و إدراكهما المشترك إلى أن فشل المرحلة الانتقالية هو فشل لكليهما هو الكفيل بوصول الجميع إلى أن ما يدرك بالحوار و التوافق لن يدرك أبدا بسواه. و الخوف الآن أن يصل الناس في البلاد، في ضوء ضائقتهم الاجتماعية المتنامية، إلى الكفر بكليهما، و قد يأتي على تونس من التطورات المقبلة ما يجعل أهل الحكم قبل المعارضة يعض أصابع الندم على ما فرطوا فيه من وقت و فرص.