تونس وتحدي الديمقراطية

حجم الخط
0

محمد كريشان

لأول مرة في تاريخ تونس المستقلة نقف على حقيقة اختيار الشعب في انتخابات حرة وديمقراطية وشفافة بحضور مراقبين دوليين. ولأول مرة كذلك يحدث مثل هذا الإقبال الجماهيري الواسع على التصويت بعد أن شعر الجميع بأهمية المساهمة في بناء مستقبل بلادهم بعيدا عن التزييف الذي ساد لعقود. هذا رائع ولكنه ليس كل شيء! أمام كل من هذين الإقرارين غير المسبوقين في البلاد تترتب مجموعة من الالتزامات يجب التهيؤ لها إذا كنا نريد فعلا أن نقطع مع الممارسات الاستبدادية التي سادت في معظم الخمسة وخمسين عاما الماضية. معرفة المزاج السياسي العام في البلاد يقود كل طرف ليس فقط لإدراك حجمه الحقيقي- وهو ما كان متعذرا من قبل ـ بل وأيضا للانطلاق من ذلك لإدارة صراع سياسي مشروع لتكريس أو تعديل أو تغيير موازين القوى التي أفرزتها انتخابات المجلس التأسيسي الأحد الماضي. أما المشاركة الشعبية منقطعة النظير فهي معطى جديد على قدر كبير من الأهمية مفاده أن التونسيين بدأوا في أخذ زمام تقرير مستقبل بلادهم السياسي بأيديهم. وبالتالي فهؤلاء بقدر حماستهم في اختيار من اختاروه لن يتركوه وشأنه بل سيتابعونه بعين الراصد اليقظ جدا الذي لن يستقيل أو ينسحب من المشهد بعد اليوم. فوز حركة النهضة الإسلامية بالمرتبة الأولى يجب ألا يعني لأنصارها أنهم أخذوا تفويضا شعبيا مفتوحا بلا حسيب ولا رقيب. كذلك، يجب ألا يعني لغيرهم أن هذا الاختيار الشعبي قدر محتوم جامد وغير قابل للتشكـّــل بطريقة مغايرة في المستقبل. لقد عرفنا الآن ملامح المعادلة السياسية التي أفرزتها هذه اللحظة التاريخية بعد تسعة أشهر من الإطاحة بحكم بن علي. بناء على هذه المعادلة، وانطلاقا منها، سيبدأ العمل ذلك أن اللجوء إلى الشعب للوقوف على خياره ليس جملة إنشائية تردد في البيانات السياسية بل هو امتحان قاس على الجميع تقدير نتائجه. هذا الامتحان سيكون بالنسبة إلى حركة النهضة فرصة تثبت فيها أنها ناضجة لتحمل المسؤولية السياسية التي أوكلت لها وأنها، على عكس ما يتهمها به خصومها، صادقة في تقدير الطبيعة التعددية للمجتمع التونسي ومكاسبه الحداثية في مجالات المرأة والتعليم والسياحة والإبداع الثقافي وغيرها. أمام هذه الحركة فرصة، قد لا تتكرر، لإثبات أنها ليست كما تـُــرمى صاحبة خطاب مزدوج وأنها تعتمد التورية أو حتى التضليل عندما تتحدث عن احترامها للتعددية والوفاق ومد الجسور مع الجميع. عليها أيضا أن تدرك أن الفرق كبير بين التعاطف مع مناضلين مضطهدين وبين محاسبة سياسيين في موقع المسؤولية. في المقابل على القوى السياسية الأخرى سواء التي جاءت في مراتب أخرى وراء النهضة، أو جاءت في المؤخرة، أو حتى نزلت من الركح برمته، أن الواقعية السياسية واحترام خيار الشعب والإيمان الحقيقي بالديمقراطية تفرض جميعها التعامل مع ما أفرزته صناديق الاقتراع بعيدا عن الأماني والرغبات. لهذا كان جميلا للغاية أن سارع بعض الفرقاء إلى الاعتراف بضآلة نتائجهم، ولا أقول الهزيمة، وإلى تهنئة الفائز. هذه الروح الحضارية مدعاة تفاؤل كبير لأن من يقف الآن في ضفة أخرى مختلفة عن أطروحات حركة النهضة عليه أن يثبت بدوره أنه ديمقراطي قولا وفعلا وأن استياءه المفهوم من نتائج الانتخابات لا تعني أنه سيكفر بهذا الشعب أو يزدري إرادته. هذه القوى أمامها تحديان: الأول إعطاء فرصة للنهضة تثبت فيها بالممارسة اليومية الفعلية ما كانت تردده من خطاب غير إقصائي أو منغلق، أما الثاني فهو تعلـّـــم ممارسة دور المعارضة الحقيقي في الرصد والمراقبة وتقديم المقترحات حتى يفهم الجميع أن هناك دائما بدائل للخيارات السائدة وأنه قد يتم اللجوء إليها يوما ما إذا ما خيب الفائزون أمل من أوصلهم إلى هذه المسؤولية. الكل أمام امتحان في تونس اليوم حتى نرسي تقليد أن من جاءت به صناديق الاقتراع عليه كي يبقى أن يكرس جدارته أمام الناس أو تذهب به الصناديق كما جاءت به أول مرة. إنه مران الديمقراطية الصعب الذي شرعنا في خطواته الأولى بنجاح. الديمقراطية ليست نزهة سهلة!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية