ريما كمالنفهم تقاطر حكامنا العرب من المحيط إلى الخليج، على مدى أكثر من خمسين عاماً للحجيج إلى البيت الأبيض، مركز خلاصهم الدنيوي، والتمسح بحجره الابيض في مكتبه البيضاوي. وقد تابعنا مئات الصور الثابتة لهم ما قبل عصر التلفاز، ومثلها من الصور المتحركة بالأبيض والأسود أولا، ثم بالألوان الطبيعية. وقد حملت جميعها ابتسامات فاقعة وأدبا جمّا، يوضح مدى فرح حكامنا بالوصول إلى رضى السيد القابع في البيت الابيض ومجالسته لهم.
لكن الصورة في السابع من اكتوبر من هذا العام مختلفة، ليس في محتواها فحسب، بل في أبعادها ومعانيها. فهي تحتاج إلى تحليل وتوضيح، ناهيك عن حاجتها إلى الاستنكار في عصر ما بعد الثورات. فهذه المرة استقبل باراك اوباما في المكتب البيضاوي رئيس وزراء تونس الباجي قائد السبسي يوم الجمعة (يوم تصاعد الثورات العربية) ليقول ما ترجمته: (رأينا أنه من الملائم أن تكون تونس ‘أول’ من يزور البيت الأبيض، لأن تونس ‘أول’ دولة تخوض التحول الذي نعرفه باسم الربيع العربي، و’أول’ دولة تجري فيها انتخابات ديمقراطية…) هي إذن شهادة تفوق لتونس يمنحها الزعيم أوباما من البيت الأبيض.
وقد لا يبدو غربيا على الولايات المتحدة الامريكية أن تمنح تونس لقب ‘الأولى’، فالولايات المتحدة نفسها، مانحة اللقب، كانت ‘الأولى’ في العديد مما يسجله لها التاريخ. الأولى في إبادة ملايين الهنود الحمر من السكان الأصليين لإقامة كيانها، والأولى في استخدام القنبلة الذرية مرتين وقتل مئات الالاف وتشويه الملايين من اليابانيين لإخضاعهم، والأولى في الاعتراف بالكيان الصهيوني، والأولى في استخدام الفيتو عشرات المرات في مجلس الأمن لصالح هذا الكيان، والأولى في غزو وتدمير الدول التي لم تعتد يوما عليها بدءا من فيتنام ومرورا بافغانستان ووصولا إلى العراق، والأولى في إنشاء المعتقلات التي برعت في استخدام أحدث أشكال التعذيب التقني خارج أراضيها، والقائمة تطول.. ولا يقتصر لقب الأولى على الدولة الأمريكية، بل يشمل رئيسها نفسه الذي لم يكتف بأن يكون أول رئيس امريكي يأتي من أصول أفريقية، بل حرص على أن يكون ‘أول’ رئيس أمريكي يتباكى في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على أطفال اسرائيل، الذين يقصفهم الإرهاب الفلسطيني بصواريخه ولا يملك المرء هنا إلا أن يطالب بالكشف عن اسم طفل اسرائيلي واحد قتلته الصواريخ الفلسطينية ومن المضحك المبكي أنه حتى يهود أمريكا وصحفهم وجدوا في خطاب أوباما تطرفا زائدا تجاه اسرائيل، إلى الحد الذي جعل صحيفة نيويورك تايمز تضع عنوانا لمقال يصف اوباما بأنه (الرئيس اليهودي ‘الأول’) للولايات المتحدة الأمريكية.
ولا أعتقد أن أوباما سيغضب من مثل هذا الوصف، لأنه كغيره من الرؤساء السابقين حريص على إرضاء يهود امريكا بكل ما يستطيع من جهد. فبرغم أن يهود امريكا يشكلون 2′ فقط من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، الاّ أنهم يشكلون عامل حسم في انتخاباتها.
، فأموالهم هم ومناصروهم تشكل ثلث المنح التي تقدم لدعم الأحزاب الرئيسة فيها. ولهذا يلقي السياسيون بكل التصريحات التي من شأنها نيل رضاهم، ولهذا أيضا حقق نتنياهو في خطابه الأخير رقما قياسيا في عدد المرات التي صفق له فيها اعضاء الكونجرس وقوفا. وعندما زارت سارة بالين نائبة المرشح السابق الجمهوري اسرائيل، سارعت الى التصريح بأنه لا يجدر باسرائيل أن تتخلى عن بوصة واحدة من الضفة الغربية. كما صرف أوباما الديمقراطي وما يزال جزءا هاما من وقته لاقناع عدد من الدول العربية بتحقيق ما تريده اسرائيل من فتح مكاتب تجارية، وفتح أجواء الطيران، وفتح خطوط الاتصالات الهاتفية معها.
وبالعودة الى تونس، فلا أحسب أن اوباما كان سعيدا بمنحها شهادة تفوقها، خاصة وأنه يتابع بقلق بالغ المظاهرات الاحتجاجية على الوضع الاقتصادي في بلاده، والتي امتدت الى واشنطن انطلاقا من نيويورك ومرورا بمدن أمريكية أخرى، وذلك بوحي من ثورات الربيع العربي، وأولها تونس. نعم، لقد وعد أوباما الشعب الأمريكي بالتغيير، ويبدو أنه صدق في وعده، فالولايات المتحدة الأمريكية متجهة بالفعل الى تغيير، ولكن أي تغيير سيسجل لأوباما؟!
لقد أدى انهيار الاتحاد السوفياتي الى اقناع الأمريكيين أنهم باتوا ملوك الأرض بلا منازع، وأن باستطاعتهم أن يفعلوا فيها وعليها ما يشاؤون. بل وصل الأمر الى احساسهم بتفوق هويتهم على غيرهم من البشر. ففي مقابلة تلفزيونية بثت حديثا على قناة الجزيرة مع وزير الدفاع السابق رامسفيلد حول غزو العراق، أجاب عند سؤاله عن شعوره تجاه قتل مئات الألوف من العراقيين بعد احتلالهم للعراق ‘ان القيمة الانسانية عندهم (أي العرب العراقيين) تختلف عن القيمة الاتسانية عندنا ‘. ان بطاقة الشرف التي منحها البيت الأبيض الى تونس العزيزة لا تشّرفنا، وحزمة الملايين الخمسين التي يدرسالبيت الأبيض منحها الى تونس على شكل قروض واستثمارات لن تفيدنا، لأنها لــن توجه الى انتاج حقيقي يوفر وظائف للعاطلين. كما أن تبشير الولايات المتحدة بعودة المنظمات الرسمية وغير الحكومية الى تونس لا يعني سوى زرع عملاء همّهم وقف التوجه الوطني والعروبي فبها، وهو أمر لا يخفى على الشباب التونسيين الذين فجروا الثورة العربية الأولى في يوم عيد عربي يحتفي به الوطن العربي كله.’ كاتبة من فلسطين